الخميس 11 يوليو 2019 04:00 م

في الوقت الذي قصف فيه جيش شرقي ليبيا بقيادة الجنرال "خليفة حفتر" مطارًا في طرابلس تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليا في أوائل يونيو/ حزيران، كانت جماعات الضغط الأمريكية تشن حربًا بالوكالة في واشنطن.

وتحت ضغط سياسة الولايات المتحدة غير المتوقعة، فإن كلا من الجيش الوطني الليبي (قوات حفتر) وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا باتا الآن يدفعان الملايين لكسب التأييد في العاصمة الأمريكية.

واستأجرت قوات "حفتر"، أول جماعات ضغط أمريكية في منتصف مايو/ أيار. ووقع مركز دعم اتخاذ القرار في الجيش الوطني الليبي، وهو الذراع الدبلوماسي للجيش، عقدًا بقيمة 2 مليون دولار مع شركة ليندن للحلول الحكومية، ودفع للشركة 350 ألف دولار مقدمًا للتأثير على المشرعين الأمريكيين، وذلك وفقًا لملفات وزارة الخارجية.

على الجانب الآخر، توظف حكومة الوفاق الوطني شركتي ضغط أمريكيين رفيعتي المستوى هما ميركوري للشؤون العامة ومجموعة برايم بوليسي كوكلاء لها في واشنطن. وقد تم تحفيز هذا النشاط بسبب الهجوم المستمر لقوات "حفتر" على طرابلس.

وعلى أمل الاستيلاء بسرعة على العاصمة، اقتحم "حفتر" ضواحيها الجنوبية في 4 أبريل/ نيسان، أي قبل يوم من محادثات السلام التي كانت ستعقدها الأمم المتحدة. ولكن تحالف من الميليشيات الإسلامية المتحالفة مع حكومة الوفاق أحبط طموحاته، ومنذ ذلك الحين تستمر المعركة التي خلفت بالفعل أكثر من 600 قتيل وأكثر من 3000 جريح، وأجبرت 90 ألفا من السكان على ترك منازلهم.

واتصل الرئيس الأمريكي "ترامب" بـ"حفتر" هاتفيا في 15 أبريل/ نيسان دعما للهجوم، مقدما موقفا معاكسا لسياسة إدارته المؤيدة لحكومة الوفاق الوطني. وأشاد "ترامب" "بالدور المهم الذي يلعبه حفتر في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية"، وأكد أن الاثنين لديهما "رؤية مشتركة" لمستقبل ليبيا السياسي.

جماعات الضغط

قال نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق "أحمد معيتيق" إن المكالمة الهاتفية، التي ظل البيت الأبيض يخفيها سرا حتى 19 أبريل/ نيسان بعثت "برسالة مثيرة للارتباك"، حيث إن الولايات المتحدة كانت "الحليف الرئيسي لحكومة الوفاق". وبعد أسبوع واحد من مكالمة "ترامب"، وقع رئيس الوزراء في حكومة الوفاق "فائز السراج" عقدًا بقيمة مليوني دولار سنويًا مع شركة ميركوري.

وكانت الشركة قد اقترحت شراكة في عام 2016، لكن التهديد بفقدان الدعم الأمريكي، والتذكير بأن أهواء "ترامب" تؤثر على السياسة الوطنية، كانت هي العوامل التي أقنعت طرابلس بالقبول. ولدى ميركوري، التي تضغط أيضًا لصالح حلفاء حكومة الوفاق في تركيا وقطر ، 17 وكيلًا يعملون لحسابها، بمن في ذلك "برايان لانزا"، مدير الاتصالات السابق لفريق الرئيس "ترامب".

يبدو أن سياسة "ترامب" الاندفاعية دفعت مكتب نائب رئيس الوزراء "معيتيق" إلى التعاقد أيضا مع شركة "برايم بوليسي جروب" علما أن رئيس برايم هو "تشارلز بلاك"، الذي كان يدير في السابق شركة ضغط قوية مع "بول مانافورت"، منسق حملة ترامب السابق المحكوم عليه بالسجن، و"روجر ستون"، مستشار "ترامب" السابق الذي يواجه المحاكمة الفيدرالية. ومثل الثلاثي ديكتاتوريين أجانب سابقا مثل "موبوتو سيسي سيكو" من الكونغو.

لعبة العروش

اجتاحت الاضطرابات ليبيا منذ أن أطاح التمرد الشعبي بحكم "معمر القذافي" في عام 2011 بمساعدة حلف الناتو، تاركا فراغا في السلطة سرعان ما ملأته الفصائل المتحاربة.

كانت حكومة الوفاق الوطني الضعيفة نسبيا في حالة حرب مع "حفتر" منذ أن قامت الأمم المتحدة بتثبيتها في عام 2016. وظل "حفتر" يعمل تحت قيادة "القذافي" لعقود من الزمان حتى قاد عملية عسكرية فاشلة في الثمانينيات أدت به إلى المنفى. ولمدة 20 عامًا، عاش في ضاحية فرجينيا، واكتسب الجنسية الأمريكية ويزعم أنه ساعد في محاولات لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية للإطاحة بـ"القذافي" واغتياله.

ومع عودته إلى ليبيا قبل وقت قصير من مقتل "القذافي"، بنى "حفتر" الجيش الوطني الليبي كجيش للدولة قبل أن يصبح مارقًا في عام 2014.

حرب اللوبيات

أصبح الصراع في ليبيا ساحة للمتنافسين الإقليميين لشن حرب بالوكالة حيث تلقي المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر بثقلهم وراء "حفتر"، بينما تدعم قطر وتركيا حكومة الوفاق الوطني. ويذهب جزء من أرباح هذا الصراع لجماعات الضغط الأمريكية.

وتعمل "ليندن" للحلول الحكومية، أبرز أعضاء اللوبي المؤيد لـ"حفتر"، من مبنى لامع في منطقة سكنية في هيوستن، تكساس. ومن أهم لاعبيها كل من "ستيفن باين" و"بريان إيتنجر" الذي يدير أيضا شركة "وورلد وايد استراتيجي إينرجي" التي "تتوسط في صفقات النفط والغاز في البلدان غير المستقرة" وذلك وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز.

وقام "باين"، وهو وكيل ضغط مخضرم ومساعد سابق للرئيس "جورج دبليو بوش"، بتسهيل العمليات للعديد من الحكومات الاستبدادية الغنية بالنفط مثل باكستان وتركمانستان وأذربيجان وقيرغيزستان والإمارات للفوز بصفقات الأسلحة وتأمين النفوذ والمصالح النفطية في الولايات المتحدة. ويزعم "حفتر" أن هجومه على طرابلس ضروري لإنعاش صناعة النفط الحيوية في ليبيا (تمتلك البلاد أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا).

ولدى جماعات الضغط الأمريكية تاريخ طويل مع ليبيا، وقال "باين" لصحيفة نيويورك تايمز في عام 2011 إنه "يتمتع باتصالات عميقة وواسعة في ليبيا، ولديه علاقة طويلة الأمد مع ثلاثة من أبناء القذافي". وقال لاحقا لوكالة أسوشيتد برس إنه تواصل مع "حفتر" على مدار خمس سنوات.

وزار نائب رئيس الوزراء "معيتيق" واشنطن يوم 6 يونيو/ حزيران لحشد الدعم مع مسؤولي وزارة الخارجية وأعضاء الكونغرس. بعد ذلك، أخبر شبكة "إن بي سي" أن اجتماعاته كانت مشجعة قائلا: "تتفهم وزارة الخارجية موقف حكومتنا والوضع في ليبيا جيدًا". وخلال زيارته، تم التعاقد مع مجموعة "برايم بوليسي" ليرتفع بذلك عدد جماعات الضغط العاملة مع الأطراف الليبية المختلفة إلى 12 من جماعات الضغط.

ويرفض العديد من المشرعين والمسؤولين الأمريكيين دعم "ترامب" لـ"حفتر"، وأصبحوا أكثر صخبا في الأمر. ووصف النائب "توم مالينوفسكي" من نيوجيرسي، دعم "ترامب" لأمير الحرب الليبي بأنه "سياسة مجنونة". والتقى "معيتق" السيناتور الأمريكي "ليندسي غراهام"، الذي كتب رسالة مع زملائه إلى "ترامب"، أعلنوا فيها قلقهم من أن هجوم طرابلس قد "يشعل حربًا أهلية أكثر عنفًا".

وقال "غراهام" لبوليتيكو: "نحن بحاجة إلى تعزيز رسالة مفادها أننا لا نختار مجموعة على الآخرين ونرفض القوة العسكرية كحل للمشاكل في ليبيا"، على الرغم من أن "معتيق" قال إن اجتماعاته مع الأمريكيين أكدت أن "الولايات المتحدة تقف مع الحكومة الوطنية بصفتها الحكومة الشرعية في ليبيا ".

وفي شهر مايو/ أيار طلبت مجموعة من الحزبين في الكونغرس أن يحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي مع "حفتر" في جرائم حرب.

وفي حال بقيت القيادة الأمريكية منقسمة، وسياسة الولايات المتحدة الخارجية مرتبكة، فإن معركة جماعات الضغط المربحة وراء الكواليس من أجل التأثير ستستمر في خلط الأوراق وسيزداد الصراع حول طرابلس سوءا بينما يواصل الشعب الليبي دفع الثمن في بلد محاصر في حرب لا نهاية لها مع عدم وجود حل سياسي في الأفق.

المصدر | إنسايد أرابيا