الاثنين 15 يوليو 2019 05:36 م

أعلنت إيران الأسبوع الماضي أنها تجاوزت مستوى تخصيب اليورانيوم المسموح به بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، وكان هذا ردا من طهران على انسحاب إدارة "ترامب" من الاتفاق، وإعادة فرضها لعقوبات قاسية على إيران.

وبينما يركز معظم المراقبين على دوامة الضغط الأمريكي والتحدي الإيراني، قد يكون للموقف آثار أوسع على البرامج النووية في أماكن أخرى، وعلى وجه التحديد، إمكانية اتباع السعودية خطى إيران.

وكانت الرياض قد تعهدت بمطابقة قدرات إيران النووية، بما في ذلك القدرة على تخصيب اليورانيوم، وامتلاك أسلحة نووية، إذا حصلت طهران على قنبلة نووية، ومع إبقائها للخطوط مفتوحة مع الجميع الموردين المحتملين، تزيد الرياض من فرص حصولها على التكنولوجيا النووية.

لماذا تتطلع المملكة إلى القدرة النووية؟

تعتبر المملكة العربية السعودية إيران عدوا مميتا، وتزيد الشكوك حول قيام إيران بصنع قنبلة نووية من شعور السعوديين بالتهديد، ومن المرجح أن تؤدي تحركات طهران الأخيرة إلى زيادة هذا الخوف، ودفع الرياض إلى تسريع تطوير برنامجها النووي، وقد حذر ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" من أن بلاده ستتبع إيران حال حصولها على قنبلة نووية.

وفي الوقت الحالي، تركز المملكة على أن تملك ما يسميه الخبراء "أداة تحوط" نووية، أي أن تمتلك التكنولوجيا النووية بدون برنامج مخصص للأسلحة لكن مع إمكانية تسليح هذه التكنولوجيا بسرعة نسبية، خاصة إذا احتفظت المملكة بالحق في التخصيب وإعادة المعالجة، ولقد حققت إيران بالفعل هذا الوضع.

وينبع هذا التحوط من حقيقة أن الاستخدامات العسكرية والمدنية للتكنولوجيا النووية لا يمكن فصلها تماما، ويمكن لمرافق الاستخدام المدني تزويد المفاعلات النووية بالوقود، كما يمكنها إنتاج مواد انشطارية لصنع قنبلة، ويسمح التحوط أيضا للبلدان بتجنب تكاليف امتلاك برنامج نووي عسكري، بما في ذلك العقوبات الدولية.

تدخل القوى العظمى

نطرح هنا سؤالا: هل الولايات المتحدة، أو الدول الأخرى المهتمة بوقف انتشار الأسلحة النووية، مهتمة بمنع وصول الرياض إلى تقنيات نووية حساسة مثل تكنولوجيا التخصيب؟

ومن المحتمل أن السعودية لن تكون قادرة على الحصول على سلاح نووي، أو تطوير الوسائل اللازمة لصنعه، لكن السوق النووية تتغير بطرق تسهل الانتشار.

ويشهد عالم اليوم تحولا من عالم أحادي القطب، حيث كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة لعقود، إلى عالم متعدد الأقطاب.

ومنذ عام 1975، كانت الأداة الرئيسية لكبح عمليات النقل النووي هي مجموعة موردي المواد النووية، التي أنشأتها الولايات المتحدة بالتعاون مع السوفييت.

وقد تم إجبار الموردين على العمل في انسجام تام، ودمج نفس المبادئ التوجيهية في سياساتهم الفردية للتصدير النووي، ما يحد من بيع مواد التكنولوجيا النووية وبالتالي وقف الانتشار.

لكن إليك المشكلة، تعتمد قدرة "مجموعة الموردين النوويين" على تنظيم سلوك الموردين على إرادة القوى العظمى الموجودة في النظام، وموافقتهم على العمل معا للحد من الانتشار.

ومن المحتمل أن يضعف العالم الناشئ متعدد الأقطاب، والتنافس المتزايد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فعالية المجموعة، وقد يفتح هذا الباب أمام تجدد المنافسة بين الموردين، ويفتح باب الوصول الأوسع إلى التقنيات النووية الحساسة.

ويتيح هذا للدول المهتمة مثل السعودية إمكانية تنفيذ عمليات نقل للتكنولوجيا النووية، ويدفع الموردين للتنافس ضد بعضهم البعض لتأمين منتجات أفضل، مع تخفيض الأسعار وشروط النقل.

قطار النووي السعودي

وبعد إخفاقها في تأمين التكنولوجيا النووية في سبعينات القرن العشرين، تحولت الرياض إلى السوق العالمية بقوة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفي كلتا الحالتين على ما يبدو، كان ذلك بسبب التهديد النووي الإيراني المتصور.

ويبدو أن الجهود التي تم بذلها مؤخرا لاستغلال المنافسة بين الموردين قد آتت ثمارها؛ ففي عام 2015، استحوذت المملكة على مفاعل أبحاث من الأرجنتين، وهو نقطة انطلاق نحو تحقيق القدرة الكاملة لدورة الوقود النووي.

وأبدت السلطات السعودية اهتمامها بمفاعلات الطاقة النووية ومصانع للتخصيب، ولا تكفي المفاعلات وحدها لصنع سلاح نووي، لكن يمكنها توفير غطاء لبرنامج الأسلحة النووية، أو للتحوط؛ حيث يمكن للبلدان أن تدعي أنها تحتاج إلى تكنولوجيا نووية مدنية لتزويد أبحاثها أو مفاعلات الطاقة، في حين تستخدمها بدلا من ذلك لإنتاج مواد انشطارية لصنع قنبلة نووية.

وللمضي قدما، قد تضع السعودية العديد من الموردين ضد بعضهم البعض لتأمين عمليات النقل النووي، وقد أبدت دول، مثل فرنسا وكوريا الجنوبية، اهتماما ببيع التكنولوجيا النووية إلى الرياض منذ ما يقرب من عقد من الزمان.

ولدى المملكة علاقات ممتازة مع باكستان، التي يقال إن الرياض ساعدت في تمويل برنامجها للأسلحة النووية في السبعينات، وخوفا من حصول موردين آخرين على عقود نووية سعودية، بدأت الولايات المتحدة وروسيا والصين في مغازلة الرياض.

وتوجد القليل من الخيارات الجيدة للتعامل مع خطط المشتريات النووية للمملكة؛ حيث يجادل بعض المحللين بأن على الولايات المتحدة أن تنقل التكنولوجيا النووية إلى السعوديين بشرط تبني "المعيار الذهبي"، الذي يتطلب من النظام السعودي أن يفقد حقه في التخصيب أو إعادة المعالجة، لكن المشكلة هنا هي أن الدول الأخرى قد تقدم عروضا مضادة أكثر تساهلا.

وانطلاقا من إدراك هذه المشكلة، يقترح آخرون أن تقوم واشنطن بتزويد المملكة بالتكنولوجيا النووية دون قيود "المعيار الذهبي"، وبالتالي الحفاظ عليها قريبة، حيث يأمل هؤلاء أن تمتلك الولايات المتحدة النفوذ للحد من أنشطة الرياض النووية.

لكن حتى هذا النهج قد يكون مقيدا جدا للسعوديين، وإذا خلصت المملكة إلى أن الولايات المتحدة تتعدى على طموحاتها النووية، فيمكنها اللجوء إلى موردين آخرين للحصول على شروط أكثر فائدة.

وتبنت إدارة "ترامب" سياسة نقل نووي أكثر تساهلا مع المملكة العربية السعودية مع تجاهل "المعيار الذهبي"، وأبدت استعدادها للموافقة على عمليات نقل هذه دون موافقة الكونغرس، ويعد هذا النهج خطيرا بشكل خاص، لأنه يسمح بإنتاج القنبلة النووية.

وتبقى مشكلة أولئك الذين يأملون في وقف انتشار الأسلحة النووية هو أنه من الصعب إقناع القوى العظمى بالتعاون، وبدلا من ذلك، تقوم الولايات المتحدة وروسيا والصين بتطوير سياساتها الأحادية الخاصة تجاه السعودية.

ومع انهيار الاتفاق النووي لعام 2015، وتسريع إيران لجهود التخصيب، فإن المستقبل لا يبشر بخير بالنسبة لإيقاف الرياض عن السير في نفس مسار طهران.

المصدر | واشنطن بوست