الثلاثاء 16 يوليو 2019 03:38 م

صرح العديد من كبار المسؤولين في الحكومة الإيرانية وكبار المسؤولين العسكريين خلال الأشهر الأخيرة علنًا بأن التحدي الأهم الذي تواجهه الجمهورية الإسلامية هو الضغط الاقتصادي للعقوبات.

 وفي تصريحاته الأخيرة، وصف المرشد الأعلى "آية الله علي خامنئي" المشاكل الاقتصادية بأنها "القضية الأكثر أهمية بالنسبة لإيران والتي تؤثر على ثقافة وأمن إيران".

ومنذ انسحابها من الصفقة النووية، وكجزء من استراتيجية "أقصى ضغط"، أضافت الحكومة الأمريكية عنصرين رئيسيين للعقوبات القائمة سابقًا: تشديد العقوبات على قطاع الطاقة الإيراني بإنهاء جميع الإعفاءات لمستوردي النفط الإيراني؛ وتوسيع قائمة الأفراد والكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات، والتأثير على شريحة أكبر من المشهد السياسي والاقتصادي الإيراني، بما في ذلك شركات الصلب والبتروكيماويات وجميع الشركات التي لها أي ارتباط مع الحرس الثوري الإسلامي أو القائد الأعلى.

تأثير العقوبات

ونتيجة لحملة " أقصى ضغط " الأمريكية، استمرت قيمة الريال الإيراني في الانخفاض. بالإضافة إلى ذلك، ارتفع سعر الذهب بنسبة 150%. ووفقًا للمركز الإحصائي الإيراني، فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والتبغ بنسبة 75% بين مايو/ أيار 2018 ومايو/ أيار 2019. كما ارتفعت أسعار المساكن والمرافق بنسبة 26.6% خلال نفس الفترة وزادت تكاليف النقل بنسبة 60%. في الوقت نفسه، استمر معدل البطالة في الزيادة.

وفرضت نهاية الإعفاءات التي منحتها الولايات المتحدة لبعض الدول لمواصلة استيراد النفط من إيران ضغطًا متجددًا على صناعة الطاقة في البلاد.

ووفقًا لوزير النفط الإيراني، تعمل الحكومة "ليل نهار" لإيجاد طرق لمواصلة تصدير مواردها من المواد الهيدروكربونية حيث تقوم إيران بإخفاء وجهة وحجم مبيعات النفط باستخدام "ناقلات شبحية"، أي مجهولة الهوية، ونقل النفط من سفينة إلى سفينة بالإضافة إلى التحميل والتفريغ في الموانئ البعيدة.

وفقا لبعض التقديرات، انخفضت صادرات النفط الخام الإيراني إلى 500 ألف برميل يوميا أو أقل بحلول شهر مايو/أيار. وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية، فإن دولًا مثل البرازيل والصين والهند تشتري بعض المنتجات البتروكيماوية الإيرانية بسعر مخفض. وبالإضافة إلى التحديات التي تواجه نقل النفط، تكافح السلطات الإيرانية لإيجاد السبل التي تمكنها من الحصول على عائدات النفط. وتستخدم الحكومة اتفاقات النفط مقابل السلع، مثل تلك التي أبرمتها إيران مع روسيا، واستبدال الدولار بعملات المشترين لتسوية مدفوعات بيع النفط. ومع ذلك، لم يتم تلبية احتياجات إيران من السلع والعائدات من خلال هذه الأساليب.

وتفاوضت الحكومة على نظام "إنستكس" Instex (أداة دعم التبادلات التجارية مع إيران) ، لتسهيل التجارة المحدودة مع أوروبا وتجنب العقوبات الأمريكية. ولكن المسؤولين الأوروبيين قاموا بحصر المواد المصدرة إلى إيران على المواد "الإنسانية" مثل الغذاء والدواء. وبينما يعد النفط السلعة الرئيسية التي تقدمها إيران لأوروبا، فإن "إنستكس" لا تسمح بالواردات الأوروبية من النفط الإيراني.

بالنظر إلى هذه القيود، رفض المفاوضون الإيرانيون بشدة ما قدمته أوروبا واعتبروه غير كاف. وأشار "أحمد تافاكولي"، أحد أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام والعضو السابق في البرلمان، إلى "إنستكس" على أنها "صيغة مهينة ليست حتى بنفس كفاءة برنامج النفط مقابل الغذاء المقدم للعراق في عهد "صدام حسين". في هذه الأثناء، بدأت إيران في الحد من امتثالها للاتفاق النووي وأعلنت أنها ستزيد مستوى التخصيب في البلاد كل 60 يومًا إذا لم يتم رفع العقوبات الاقتصادية.

توسيع العقوبات

وتقوم الحكومة الأمريكية بتوسيع قائمة الأفراد والمؤسسات الإيرانية المستهدفة بالعقوبات. وفي 8 أبريل/ نيسان، صنفت الولايات المتحدة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية.

وقبل ذلك، امتنعت الشركات الغربية عن مباشرة أعمالها مع الحرس مع تصنيف واشنطن قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني كداعم للإرهاب العالمي في عام 2007. ودرست الشركات متعددة الجنسيات عن كثب شركاءها التجاريين الإيرانيين للتأكد من أنهم ليسوا على صلة بالحرس الثوري الإيراني في أي مستوى. لكن التصنيف الرسمي للحرس الثوري الإيراني كجهة ارهابية يتطلب من أي شركة أجنبية ترغب في القيام بأعمال تجارية مع إيران أن تتفحص بدقة شركائها التجاريين الإيرانيين، وفي الغالب يتسبب في الإحجام عن الشراكة مع الجهات الإيرانية في نهاية المطاف.

لعقود من الزمان، كان للحرس الثوري الإيراني وفروعه وجود قوي في الاقتصاد الإيراني حيث تنتشر الأنشطة الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني عبر "كل مجال مربح وإستراتيجي" من امتلاك أندية كرة القدم والبنوك إلى شركات البناء والاتصالات. وبعد تصنيف الحرس الثوري الإيراني، ستخضع الكيانات للتفتيش الشديد على أنشطتها الاقتصادية وسوف يفرض هذا حظراً شاملاً على جميع الأنشطة الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني ويمكن أن يؤثر على استقرار الاقتصاد الإيراني الخاضع لسيطرة الدولة.

بالإضافة إلى الأهمية الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني، فإنه يلعب دوراً هاماً في حماية المؤسسة الحاكمة والحفاظ على المصالح الإقليمية للجمهورية الإسلامية.

لذلك، قد يكون لتصنيف الحرس الثوري بالإرهاب نتائج محلية وإقليمية على إيران. أولاً، مع تصاعد خطر المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، يمكن تبرير القيام بعمل عسكري ضد إيران كجزء من جهود واشنطن العالمية لمكافحة الإرهاب. ثانيا، سيتم حظر أي تعاون بين إيران والولايات المتحدة بشأن قضايا الأمن الإقليمي، وخاصة فيما يتعلق بالمجموعات ""المتطرفة في العراق وسوريا، بموجب اللوائح الأمريكية.

ووصف نائب وزير الخارجية الإيراني "عباس أراغشي" الإجراء الأمريكي بأنه "خطأ سياسي واستراتيجي". ووصف "خامنئي" ذلك بأنه محاولة فاشلة لإسقاط حكم الإسلام. وتبرز هذه التعليقات القوية من المسؤولين الإيرانيين أهمية الحرس الثوري الإسلامي في الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

وفرضت العقوبات الاقتصادية المتزايدة ضغوطاً واسعة على الجمهورية الإسلامية. وتسعى الحكومة باستمرار إلى استراتيجيات للتحايل على العقوبات الأمريكية. ومع ذلك، لم تؤد هذه الجهود إلى أي حل مستدام وآمن. لم تتمكن أوروبا من توفير ما يحتاجه الاقتصاد الإيراني للبقاء على قيد الحياة من خلال نظام "إنستكس". ولا تقدم روسيا دعما اقتصاديا كافيا لإبطاء التراجع الاقتصادي في إيران. علاوة على ذلك، فإن الروابط الاقتصادية مع الصين لن توفر حلاً مستدامًا طالما بقي بقيت العقوبات الأمريكية قائمة.

 وتركز إيران اليوم على رواية "المقاومة الاقتصادية"، لكن تلك الرواية وحدها لن تقدم حلا لاقتصاد إيران الضعيف والمتداعي.

المصدر | معهد دول الخليج العربي في واشنطن