الاثنين 15 يوليو 2019 07:31 م

في الأسابيع الأخيرة، ساهم الصدام الاستراتيجي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل كبير في تصاعد العنف في الحرب الأهلية الليبية.

ومن جانب، تدعم كتلة تضم الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر و(إسرائيل)، ضمنا، حملة "خليفة حفتر" للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، في مقابل كتلة أخرى تمثلها تركيا وقطر تدعم حكومة الوفاق الوطني.

وواجه هجوم "حفتر" غربا على طرابلس انتكاسة كبيرة الشهر الماضي، عندما سيطرت الميليشيات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني على "غريان".

وشكلت هذه المعركة هزيمة كبيرة للجيش الوطني الليبي الموالي لـ"حفتر". ويعزى فقدان "حفتر" لهذه المدينة، التي يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة، وتبعد 62 ميلا إلى الجنوب من طرابلس، إلى حد كبير إلى الدعم العسكري من أنقرة لبعض أعداء "حفتر"، والتنسيق المتزايد بين الفصائل المؤيدة للوفاق الوطني.

ولأن "غريان" كانت حاسمة في جهود الجيش الوطني الليبي من أجل استعادة طرابلس من الميليشيات الموالية للحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، أصبح "حفتر" في وضع أضعف للسيطرة على العاصمة الليبية.

وحتى وقت قريب، كان لدى "الجيش الوطني الليبي" الكثير من الزخم، حيث استولى بسهولة على "صرمان" و"العجيلات"، وكلاهما على بعد 45 ميلا فقط من طرابلس، ولكن مع نظر تركيا إلى اعتداء "حفتر" غربا باعتباره تهديدا خطيرا لمصالحها، أدركت أنقرة أن إيقاف "أمير الحرب" يتطلب مساعدة سريعة للميليشيات التي تقاتل تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني.

ومنذ بدء هجوم "حفتر" على طرابلس، سلمت أنقرة شحنات أسلحة مباشرة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار والعربات المدرعة، إلى مجموعات تدعم الحكومة في طرابلس، وقد أبلغت وسائل إعلام مختلفة، في مصر واليونان، عن تورط الضباط الأتراك بشكل مباشر في المعارك.

منافسة جيوسياسية

وبالنظر إلى الأدوار المؤثرة التي تلعبها مختلف الجماعات المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمون" في حكومة الوفاق الوطني، خلص العديد من المراقبين إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، يدعم الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها لأسباب أيديولوجية.

ومع ذلك، يؤكد المسؤولون الأتراك أن احترام العملية التي تقودها الأمم المتحدة، وليس الأيديولوجيا، هو الذي يدفع سياسات أنقرة تجاه ليبيا وفي المنطقة.

ورغم ذلك، يرى الكثيرون أن تركيا وقطر يعملان جنبا إلى جنب لرعاية الجماعات الإسلامية في ليبيا، بهدف تمكين جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة، وفي الواقع، تراجعت الدوحة في ليبيا منذ عام 2013 فيما يتعلق بلعب أي دور مهم في الدولة الواقعة شمال أفريقيا.

وفي الأجزاء التي يسيطر عليها "الجيش الوطني الليبي" من ليبيا، فهناك غضب موجه ضد تركيا بسبب سياسات أنقرة المؤيدة لحكومة الوفاق، ويتهم "حفتر"، وأولئك الذين في دائرته أنقرة بالتدخل في الشؤون الداخلية لليبيا ودعم "الإرهابيين".

ومنذ أن بدأ هجوم "حفتر" غربا في أبريل/نيسان، حظر "الجيش الوطني الليبي" الرحلات الجوية التجارية بين ليبيا وتركيا، وحظر على السفن التركية الوصول إلى الموانئ التي يسيطر عليها، وهدد باعتقال مواطنين أتراك في ليبيا. وفي الواقع، اعتقلت قوات "الجيش الوطني الليبي" 6 مواطنين أتراك الشهر الماضي، ولم تفرج عنهم إلا بعد أن وجه المسؤولون الأتراك تهديدات عسكرية مباشرة ضد قوات "حفتر".

ورغم ذلك، هناك قضايا تتجاوز الطبيعة الأيديولوجية تشكل وجهات نظر أنقرة حول الأزمة في ليبيا، حيث تعد ليبيا جزءا في معادلة جيوسياسية أعظم في البحر المتوسط، وتريد تركيا أن تخضع ليبيا لسيطرة حكومة صديقة في وقت تتصاعد فيه المنافسة الجيوسياسية في شرق البحر المتوسط، مع أزمات السياسة الخارجية الأخرى الأقرب إلى الوطن مثل الأزمة السورية.

وتعد الحقوق السيادية، ومصالح الطاقة في منطقة شرق المتوسط الغنية بالنفط والغاز عاملا في مقاربة أنقرة في ليبيا، خاصة في ظل مخاوف تركيا من أن اليونان والقبارصة اليونانيين سوف يتوصلون إلى اتفاق بشأن السيادة على المناطق البحرية المشتركة على حساب مصالح أنقرة والقبارصة الأتراك.

وتعتبر اليونان المياه الدولية بالقرب من ليبيا جزءا من أراضيها، وتسعى تركيا، التي لا تلتفت لهذه المزاعم، إلى إيجاد شريك في طرابلس لمواجهة مطالبات أثينا السيادية وتعزيز نفوذ أنقرة في المنطقة ضد القبارصة اليونانيين واليونان ومصر و(إسرائيل). وباختصار، فإن العقلية الاستراتيجية لأنقرة ترى أن خسارة ليبيا سوف تحصر تركيا في منطقة محدودة في شرق المتوسط.

طريق مسدود

ومع ذلك، تدرك تركيا أنه حتى إذا فشل "حفتر" في السيطرة على طرابلس، فسيظل عنصرا قويا في المسرح الليبي، مع سيطرة قوات "الجيش الوطني الليبي" على جميع حقول الغاز البرية في ليبيا، ومعظم أراضي البلاد.

وقد تظل ليبيا منقسمة بين مركز قوة "حفتر" في طبرق، والحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة في طرابلس، مع عدم وجود اتفاق للتوصل إلى تسوية سلمية.

وهكذا، في حين قد تنجح أنقرة في إبطاء هجوم "حفتر"، ومواجهة طموحات الإمارات العربية المتحدة والدول العربية الأخرى التي تدعم هجوم الجيش الوطني الليبي على طرابلس من أجل مصالحها الوطنية الخاصة، فمن غير الواضح ما قد تكون تركيا، أو أي جهة خارجية أخرى في الصراع، قادرة على القيام به لمنع ليبيا من الانزلاق إلى طريق مسدود بشكل دائم.

المصدر | جورجيو كافييرو وخالد الجابر - لوب لوغ