السبت 3 أغسطس 2019 08:57 ص

على الرغم من تأكيد حرمانيته شرعا، إلا أن مصر شهدت خلال الفترة الأخيرة، حالات عدة لنبش القبور، إما بدافع الجريمة، أو نتيجة هواجس نفسية.

وعلى الرغم من أن حرمة المسلم غير مقيدة بحياته، بل هي باقية في الحياة وبعد الممات، ويجب صونها والزود عنها في كلّ حال، إلا أن دوافع "نبش القبور" وسرقة الجماجم، تخطى هذه الحرمانية.

فالبعض يبيع الجثث، لعصابات الاتجار بالمخدرات التي تقوم بطحنها وإضافتها على مواد أخرى لتصنيع مخدر ما، وآخرون يبيعونها لطلاب كلية الطب للتعامل معها، وإجراء التجارب عليها.

فيما تستغلها عصابات مع السيدات العقيمات لتتمكن من الإنجاب بعد المرور على الجمجمة، كما يقوم البعض ببيعها إلى الدجالين والمشعوذين المتخصصين في أعمال السحر.

ووفقا لمراقبين، فإن معظم سرقات الجثث تستهدف مقابر مجهولي الهوية، بالإضافة إلى الجثث التي يتم إيداعها في مشارح الكليات.

ويضيف المراقبون، أن من يقومون بنبش القبور هم في الغالب هم بعض العاملين بالمقابر "التُرَبيّة"، وهؤلاء نطلق عليهم اسم "تُرَبيّة شِمال".

  • خدمة الطب

وما بين دروس التشريح العملية داخل كليات الطب، وبدء اتجاه الطلاب للحصول على جثة بشرية أو هيكل عظمي لاستكمال الدروس العملية، رحلة طويلة، تبدأ بنقص الإمكانيات، وعدم تناسب أعداد الطلاب مع عدد الجثث المتاحة في مشرحة ومعامل الكلية، وصولاً إلى سوء حالة الجثث والهياكل العظمية المخصصة للدراسة بسبب التقادم وكثرة الاستخدام.

النتيجة الطبيعية لذلك لجوء الطلاب إلى طرق أخرى حتى لا ينتهي الأمر برسوبهم.

هنا يظهر الحل في، حيث "التربية الشمال"، على الطلاب تزويدهم بما يحتاجونه إما بتسهيل دخولهم في غير أوقات الدراسة والعمل الرسمية، وتجهيز ما يحتاجون للدراسة من جثث، أو بتوفير بدائل يمكنهم الدراسة عليها في المنزل، مقابل مبالغ مالية كبيرة.

وتتراوح أسعار الهيكل العظمي كاملًا بين 6 آلاف جنيه (420 ألف دولار) ويصل إلى 10 آلاف جنيه (600 دولار)، حسب حالته، فيما تباع الجمجمة بما يتراوح بين 3 و5 آلاف جنيه (180-300 دولار).

يُعاقب نابشو القبور، وفقًا لمواد قانون مكافحة الاتجار بالبشر في مصر، حسب تأكيد المحامي الحقوقي "أحمد عبداللطيف"، الذي أوضح أن عقوبة نابشي القبور بغرض السرقة وفقًا للقانون تتراوح ما بين الحبس لمدة 5 سنوات وحتى السجن المؤبد (الحبس مدة 25 عامًا)، لكل من يرتكب مثل تلك الجرائم.

أما عن مسؤولية الطلاب، فأكد "عبداللطيف"، أنهم معرضين لنفس العقوبة، باعتبارهم شريك في الجريمة (ما بين 5 سنوات و25 سنة) حسب تقدير المحكمة.

  • هواجس نفسية

وبعيدا عن عصابات الإتجار بالأعضاء البشرية، ونبش القبور من أجل استخراج الجثث لبيعها لطلاب الطب، أو تُجار المخدرات الذين يستخدمونها بتصنيع المواد المخدرة، أو في أعمال الدجل والشعوذة، تأتي حالات أخرى، تثير جدلا واسعا في البلاد.

آخر هذه الحالات، كان الأسبوع الماضي، عندما أقدم شاب يدعى "علي مصطفى"، (22 عامًا)، من منطقة غرب مدينة الحمام بمحافظة مطروح (شمال غربي البلاد)، على نبش قبر والدته، التي توفيت قبل عامين.

وأخرج "مصطفى" الجثمان من قبرها، للصلاة عليها، ظنًا منه بأنها عادت للحياة من جديد.

وألقت قوات الأمن، القبض على الشاب، فور إبلاغ الأهالي عن الواقعة، قبل أن يقوموا بإعادة دفن السيدة مرة أخرى، وسط شائعات أن الجثة مازالت على حالتها، ولم تتحلل حتى الآن، رغم وفاتها منذ حوالي عامين.

وكشف أحد الإهالى، أن "الشاب زعم أن هاتفًا جاءه فى المنام، وأخبره بأن والدته مازالت على قيد الحياة، وأحيانا كان يقول أريد أن أخرجها لكي أصلي عليها".

فيما كشف بعض الجيران، أن هذه ليست المرة الأولى التى يخرج فيها الشاب جثة والدته من قبرها، وسبق له حمل جثتها إلى المسجد واعترضه الأهالى، وأعادوا دفنها مرة أخرى.

وقال والد الشاب إن ابنه "يعاني من حالة نفسية شديدة منذ وفاة والدته، لتعلقه الشديد بها، وحاول أكثر من مرة إخراج جثتها، وتمَّ وضعه بمستشفى للصحة النفسية للعلاج".

وهذه الاعتقادات والهواجس تكررت في وقائع أخرى، من بينها ما حدث في أواخر يونيو/حزيران الماضي، بمحافظة أسوان (جنوبي البلاد)، بعدما انتشر خبر نقل جثمان أحد الأشخاص ويُدعى الشيخ "جمعة البغدادي"، بعد عام ونصف العام من دفنه، حيث كان دائم المجيء إلى أسرته في المنام، مطالبًا بذلك منذ وفاته.

والعام الماضي، وقعت حادثة مشابهة، شهد مركز الفشن ببني سويف (جنوبي البلاد)، استخراج جثة الشيخ "فايز" من قبره بعد 5 أشهر من دفنه، ونقله لمنزله ودفنه بإحدى الحجرات، تمهيدًا لإقامة ضريح خاص به، بناء على رؤية بالمنام لعدد من أقاربه.

ووفقا لما ذكرته الشرطة، فقد أخرج أبناء المتوفى وعدد من أهالى القرية الجثمان من القبر وشيعوا جثمانه إلى منزله بالأغاني، وعلى دقات الطبول والمزمار البلدى، وزغاريد نساء القرية، وقاموا بدفنه مرة أخرى بإحدى الغرف، كونه أحد أولياء الله الصالحين.

وألقي القبض على 3 من أبناء المتوفى، لتقضي المحكمة بمعاقبتهم بالحبس لمدة 3 سنوات لقيامهم باستخراج جثة والدهم، دون الحصول على موافقة الجهات المختصة.

وأدانت المحكمة المتهمين، بإقامة ضريح بمنزل والدهم دون الحصول على تصريح من الجهات المختصة، ودفن الجثة في مكان غير مخصص لها، وانتهاك حرمة الموتى.

وليس بعيدا عن ذلك، وبدعوى رؤي منامية، أمرت النيابة المصرية في 2017 باستخراج جثة مواطن يدعى "محمد عبدالوهاب مصطفى" بعد وفاته بـ35 يوماً بمركز قوص في محافظة قنا (جنوبي البلاد)، استجابة لطلب أسرته بنقله من تلك المقبرة لمقبرة أخرى.

ووفقا لما ذكرته وسائل إعلام محلية، فقد أتى المتوفى في رؤيا منامية لعدد من أقاربه، وطلب نقله لمكان خلوته بمنزله، التي كان يتعبد ويصلي فيها قبل وفاته.

وبناء عليه، أمرت النيابة بنقل الجثة بحضور طبيب شرعي، والذي أكد أن الجثة سليمة ولم تتحلل أو يصيبها أي تعفن.

وقام أهالي القرية، بتشييع الجثمان لمكان دفنه الجديد، وسط تهليل وصياح وتكبيرات وزغاريد، وقررت أسرته إنشاء ضريح له بمنزله تكريما له.

وأمام هذه الوقائع، وخوفا من العصابات، وبعدما أثار الأمر جدلًا شعبيًا، لجأ بعض العائلات الثرية، لتعيين حارس على قبور ذويهم وعائلاتهم، حتى لا تتعرض للانتهاك.

  • حرام شرعا

من جانبه، قال عميد كلية الدعوة الإسلامية في جامعة الأزهر "جمال فاروق"، إن نبش القبور "حرام شرعًا، ولا يصح أن يفعلها أحد بعد دفن الميت".

ولفت إلى أنّ "هناك حالة واحدة يجوز فيها نبش القبر وهي للضرورة، إذا كان هناك شكوك حول طريقة الوفاة، أو وجود شبهة جنائية".

أما أستاذ الطب النفسي "جمال فرويز"، فرأى أن تزايد هذه الظاهرة يرجع إلى "مرض انفصام الشخصية، الذي تنتج عنها هلوسة سمعية تقود الشخص إلى مثل هذه الجرائم".

ولفت إلى وجود اضطراب انفصامي وجداني، يكون جامعًا بين الهوس والاضطراب، ينتج عنه ارتفاع في المزاج، واضطرابات في النوم، والتفكير الكثير، ويعطي إحساسًا عاليًا بالذات، يشعره أنه قريب من الله، ويجب أن ينفذ ما يخطر بباله على الفور.

المصدر | الخليج الجديد