الثلاثاء 6 أغسطس 2019 03:11 م

هناك شيء ما يختمر بين (إسرائيل) وجيرانها في الخليج العربي، على الأقل وفق ما توحي به المؤشرات الدبلوماسية. وعندما سافر وزير خارجية (إسرائيل) "يسرائيل كاتس" إلى مؤتمر في واشنطن الشهر الماضي، التقى علنا ​​وصافح ووقف لالتقاط صورة مع نظيره البحريني "خالد بن أحمد آل خليفة". وفي وقت سابق من يوليو/تموز، سافر "كاتس" إلى أبوظبي للمشاركة في مؤتمر للأمم المتحدة، في حين ادعى مدير وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) "يوسي كوهين" أن (إسرائيل) حصلت على موافقة لفتح بعثة دبلوماسية في سلطنة عُمان. ونفت الحكومة العمانية، التي اتخذت خطوة غير اعتيادية باستضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" العام الماضي، هذا الإعلان بشدة، لكن ليس هناك شك في أنه يوجد شكل من أشكال التقارب يجري وراء الكواليس.

ومنذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الذوبان في جليد العلاقات العربية الإسرائيلية يبدو مستحيلا، ويرى كثيرون أن موجة النشاط الدبلوماسي الأخيرة تمهد لتقارب تاريخي. وتوجد بعض الحقيقة في هذا السرد. فلم يعد ملوك الخليج يعتبرون القضية الفلسطينية أولوية مركزية كما كانوا من قبل. وتراجعت أهمية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي كان منذ فترة طويلة عائقا لا يمكن التغلب عليه أمام توثيق العلاقات؛ ما سمح لحكومات دول الخليج باتخاذ خطوات علنية، وإن كانت حذرة، نحو تطبيع علاقاتها مع (إسرائيل)، حتى إن هذه الدول وافقت على سياسات إدارة "ترامب" المؤيدة لـ"إسرائيل"، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان.

لكن تلك الانفراجة لها حدود. فتقارب المصالح بين (إسرائيل) ودول الخليج ضيق، وربما يكون مؤقتا أيضا؛ حيث يركز على الرغبة المشتركة في احتواء إيران ووكلائها بالمنطقة. وتستفيد أبوظبي والرياض وحكومات دول الخليج الأخرى من العمل بهدوء مع (إسرائيل) لتحقيق هذا الهدف. لكن تكلفة المزيد من الإجراءات المفتوحة، مثل إقامة علاقات رسمية مع (إسرائيل)، لا تزال تفوق الفوائد، ولا توجد أي دولة خليجية على استعداد لخوض هذه المغامرة. وعند الضغط عليهم، يقول المسؤولون الخليجيون إن هذه العلاقات يجب أن تنتظر حتى تحقق (إسرائيل) تقدما أكبر بكثير نحو حل القضية الفلسطينية. وقبل الموافقة على نقل العلاقات إلى المستوى التالي، ستطالب دول الخليج بعائد أكبر على التضحية بسمعتها في علاقة مفتوحة مع (إسرائيل)، مثل تقليص النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية، أو قبول مبادرة السلام العربية، أو العمل مع واشنطن في عمل أكثر حسما ضد إيران.

  • عدو عدوي

وتعتبر كل من (إسرائيل) ودول الخليج إيران تهديدا، ويعتقد كلا الطرفين أن الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 زاد فقط شهية إيران الإقليمية العدوانية، دون أن ينهي تطلعاتها أو قدراتها النووية على المدى الطويل. وعلى هذا النحو، تشارك هذه الدول وجهة نظر تنتقد تواصل الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" مع إيران، وتنظر بشكل أكثر إيجابية إلى سياسة إدارة "دونالد ترامب" التي هي أكثر عدوانية تجاه طهران. وبالنظر إلى هذا التقارب في المصالح، أصبحت دول الخليج أكثر تقبلا لدعوات الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات مع (إسرائيل). وتجادل إدارة "ترامب" بأن التطبيع سيجعل القيادة الإسرائيلية أكثر تقبلا لمبادرة السلام التي تخطط الإدارة لتقديمها.

وتصل العلاقات الإسرائيلية السعودية في الوقت الحالي إلى ذروتها. وعندما حصلت السعودية من مصر على جزيرتين في البحر الأحمر، في اتفاقية عام 2017، كان من الواضح أن الرياض أبرمت اتفاقات جانبية مع (تل أبيب) لضمان حرية الملاحة الإسرائيلية في المنطقة، ولتخفيف المخاوف الأمنية الأخرى. وفي 2018، سمحت السعودية لرحلات طيران هندية بالمرور عبر المجال الجوي السعودي في طريقها إلى (إسرائيل). وبعد اتخاذ هذه الخطوات، أصبح الاعتراف السعودي بـ(إسرائيل) كدولة شرعية أقرب من أي وقت مضى. ومن جانبها، لا تعتبر (إسرائيل) السعودية وغيرها من دول الخليج العربي دولا معادية؛ فهي تسمح للإسرائيليين بالسفر إلى الخليج. وفي الأعوام الأخيرة، وافق اللوبي المؤيد لـ(إسرائيل) على مبيعات الولايات المتحدة من الأسلحة المتقدمة إلى السعودية والإمارات، بدلا من أن يسعى للحد منها كما كان الحال في السابق.

وعمل القادة السعوديون على تحسين صورة (إسرائيل) في نظر الجمهور. وسمحوا للعديد من الشخصيات السعودية بمقابلة الإسرائيليين علنا، بل واستقبال كبار المتحدثين باسم (إسرائيل) في وسائل الإعلام السعودية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، على سبيل المثال، نشر موقع "إيلاف" الإخباري السعودي مقابلة مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك "غادي أيزنكوت" اقترح فيها على (إسرائيل) أن تتبادل المعلومات الاستخبارية مع السعودية في إطار كفاحهما المشترك ضد إيران. كما تسمح المملكة للمدونين بالتشجيع على التطبيع مع (إسرائيل). وتلقى أحد المدونين، ويسمى "محمد سعود"، تصريحا من حكومته للقيام بزيارة علنية إلى القدس في يوليو/تموز، كجزء من وفد إعلامي عربي من 6 أشخاص التقى رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست، "آفي ديختر".

ويشير قيام الحكومة السعودية بالسماح لهذه التبادلات أو تشجيعها إلى أنها تسعى إلى أقلمة الرأي العام بالمملكة مع المزيد من العلاقات المفتوحة مع (إسرائيل). وبدأت الاستراتيجية في العمل بالفعل؛ ففي استطلاع أجراه "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" عام 2017، وافق ثلثا المجيبين السعوديين على أنه "يجب على الدول العربية أن تلعب دورا جديدا في محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وأن تقدم للجانبين حوافز لاتخاذ المزيد من المواقف المعتدلة". وبالمثل، يوافق نحو 20% إلى 25% من المصريين والأردنيين والإماراتيين والسعوديين "إلى حد ما" على أن الدول العربية يجب أن تعمل مع (إسرائيل)، حتى عندما لا يأتي السؤال على ذكر القضية الفلسطينية.

  • تحركات سريعة للغاية

وفي أبريل/نيسان 2018، أثار ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" موجات من الجدل عندما حث القادة الفلسطينيين على "قبول السلام مع إسرائيل"، محذرا من أنهم يجب أن يقبلوا بمقترحات السلام أو أن "يصمتوا". ويبدو أن تعليقات ولي العهد غير العادية تشير إلى أن السعوديين كانوا على استعداد للتحرك نحو التطبيع مع (إسرائيل) دون انتظار الفلسطينيين. ولكن هذا لم يحدث. وطالما لم يحدث تقدم حقيقي في عملية السلام، فسيتوجب على المملكة إبقاء العلاقات المفتوحة مع (إسرائيل) قيد الانتظار، علنا على الأقل.

ومن المؤكد أن السعوديين ساعدوا الولايات المتحدة على المضي قدما في خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية عبر المنطقة، وضغطوا على الفلسطينيين -ولكن دون جدوى- لتخفيف مواقفهم، بما في ذلك حثهم على تخفيف رد فعلهم على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. لكن بعض الشخصيات المؤثرة التزمت بالمواقف التقليدية للمملكة. إذ أكد "عادل الجبير"، وهو مسؤول سعودي رفيع المستوى ووزير خارجية سابق، مجددا على ضرورة تبني (إسرائيل) لمبادرة السلام العربية، وهي خطة السلام التي أقرتها الجامعة العربية لأول مرة، وقدمها العاهل السعودي الراحل الملك "عبدالله بن عبدالعزيز" عام 2002، والتي لم تقبلها (إسرائيل) أبدا. وقال "الجبير" إن بلاده على استعداد لتخفيف شروط المبادرة، لكن فقط "بشرط موافقة الفلسطينيين على ذلك". وحتى الآن، لم يثبت السعوديون أنهم يستطيعون حمل الفلسطينيين على الموافقة على أي اقتراح ينطلق من إجماع عربي خلال العقدين الأخيرين.

وتميل العائلة المالكة وشركاؤها إلى النظر للعلاقات مع (إسرائيل) بشكل عملي، وليس من الناحية الدينية، وستكون التنازلات لصالح (إسرائيل) مقبولة إذا كانت تخدم مصالح النظام الجيوسياسية تجاه واشنطن وطهران.

لكن الجمهور مسألة أخرى، وتخشى الحكومة من أن يؤدي التقدم بسرعة كبيرة في تطبيع العلاقات إلى رد فعل عنيف. فلن تختفي آثار عقود من الرسائل المعادية لـ(إسرائيل) في وسائل الإعلام السعودية، ولن يخفت التعاطف طويل الأمد الذي يشعر به الجمهور العربي تجاه القضية الفلسطينية، على المدى القريب، حتى في الوقت الذي تبدأ فيه الآراء الأكثر براغماتية في اكتساب موطئ قدم. ويصبح ذلك صحيحا بشكل خاص مع الوضع السياسي الداخلي الحساس في المملكة؛ حيث اتخذ "محمد بن سلمان" تدابير لتعزيز مكانته وسلطته بالكامل وسط اعتراضات داخل العائلة المالكة، ومن المشكوك فيه أن يُقدم "بن سلمان" على إثارة المزيد من الانتقادات الداخلية بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل) بسرعة كبيرة.

  • العامل الأمريكي

سيكون العام المقبل في السياسة الخارجية للولايات المتحدة حاسما لطموحات دول الخليج. وخلال الـ12 شهرا المقبلة، ستقدم الولايات المتحدة خطة سلام فلسطينية إسرائيلية، وستواصل حملة الضغط ضد إيران، وسيقترب الرئيس "ترامب" من نهاية ولايته الأولى، مع الشكوك التي تطال نجاحه في حملة إعادة انتخابه.

وقد يكون السعوديون مستعدين للاقتراب أكثر قليلا من (إسرائيل)، على أمل الحصول على مزيد من الائتمان لدى إدارة "ترامب"، ولحث واشنطن على تكثيف الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية، وربما حتى العسكرية، ضد إيران. ومن الناحية النظرية، فإن هذا المزيج من الخطوات؛ أي التطبيع التدريجي بين السعودية و(إسرائيل)، والدعم الإقليمي لخطة "ترامب" للسلام، وتصعيد الضغط على إيران، قد يوفر طريقا للمضي قدما في تطبيع حقيقي وعلني للعلاقات.

لكن الوقت يمر. وبقدر ما تفضل (إسرائيل) ودول الخليج رؤية "ترامب" يخدم لفترة ثانية، فإنها تحتاج إلى الاستعداد لإدارة أمريكية جديدة محتملة بنهج مختلف. وستدعم أي إدارة أمريكية خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي. لكن مع وجود رئيس أمريكي ديمقراطي، فربما يتم تخفيف الضغط على إيران، واستئناف المحادثات النووية. ويمكن للرئيس الجديد أن يحيي الدبلوماسية الإسرائيلية الفلسطينية على أسس أكثر تقليدية، من خلال الحوار المباشر مع الفلسطينيين، والعودة إلى حل الدولتين. وفي هذه الحالة، قد يرى السعوديون وشركاؤهم الخليجيون أن الاستثمار في العلاقات الأكثر دفئا مع (إسرائيل) على أنه استثمار له عوائد منخفضة. حسنا، يمكننا القول أن هناك تقاربا حقيقيا، لكنه ليس راسخا.

المصدر | يوئيل جوزانسكي ودانييل شابيرو - فوريت أفيرز