الاثنين 22 يونيو 2015 11:06 م

لعل الفعل التغييري الأول في منطقة المشرق العربي بعيد انتهاء الحقبتين العثمانية والاستعمارية، تمثل بقيام إسرائيل، ليس على شكل دولة فحسب، وإنما بإيجاد مجتمع غريب عن هذه المنطقة، تم جلبه بوسائل الاستيطان الإحلالي، وإجلاء أهل الأرض الأصليين (الفلسطينيين) وتشريدهم، وهو ما حصل في العام 1948 في النكبة التي كان من تداعياتها فصل المشرق العربي عن مغربه. بعد ذلك، قامت إسرائيل بفعل تغييري ثانٍ في المنطقة بواسطة حرب حزيران (يونيو) 1967 التي زعزعت الأنظمة القومية أو الراديكالية، وضربت صدقيتها، وكشفت هشاشتها.

عموماً فإن إسرائيل، بقيامها واستمرارها، شكّلت تحدياً للعالم العربي في مختلف المجالات، أي في شكل النظام السياسي والإدارة الاقتصادية والتقدم العلمي والتكنولوجي، وفي النموذج الذي قدمته بإقامة مجتمع من مهاجرين من كل أصقاع الدنيا وفقاً لمبدأ المواطنة. والمعنى أن تحدي إسرائيل الدولَ المحيطة بها يشمل كل ذلك، أي أنه لا يقتصر على الجانب العسكري، ولا يختزل بالدعم الذي تلقاه من الدول الكبرى، على ما تروّج بعض النظم العربية لتبرير قصورها وإخفاقها في الرد على التحدي الإسرائيلي في المجالات المذكورة.

بيد أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، إذ إن ثمة أنظمة تستمرئ تفسير عجزها وتفوق إسرائيل بوجود مؤامرات أو مخططات تستهدف إضعافها وتمزيق بلدانها، على ما ذكرنا هنا في مادة سابقة (الضعفاء لا يحتاجون من يتآمر عليهم، 9/6/2015). وهذه المخططات منها الكثير في إسرائيل، تبعاً لكثرة مراكز البحث فيها، التي تتحدث عن إضعاف العالم العربي وتقسيمه.

في هذا الإطار، ومن بين الخطط المذكورة وكلها منشورة، يمكن التذكير بثلاث خطط يمكن اعتبارها الأكثر شبهاً للوحة الأحداث التي بتنا نعيشها في السنوات الأربع الماضية: الأولى «استراتيجية إسرائيل في الثمانينات» (1982). الثانية «استراتيجية جديدة لنتانياهو» (1996). الثالثة خطط إقامة نظام «شرق أوسطي جديد» وهي طرحت في أوائل التسعينات بالتزامن مع المفاوضات العربية - الإسرائيلية (1991) وصعود حزب «العمل» الإسرائيلي إلى الحكم، وتوقيع اتفاق أوسلو (1993).

الخطة الأولى كان أعدها عوديد ينون (من الخارجية الإسرائيلية) ونشرت في مجلة المنظمة الصهيونية العالمية «كيفونيم»، وترجمها إلى الإنكليزية إسرائيل شاحاك. وقد انطلقت من أن «العالم العربي الإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب (فرنسا وبريطانيا في العشرينات)». وتضمنت الخطة تحليلاً لواقع الانقسامات في المجتمعات العربية، وهشاشة النظم القائمة، وإمكان الاستفادة من ذلك لتقسيم البلدان العربية، لا سيما مصر والعراق وسورية، وفقاً للخطوط الطائفية والمذهبية، ما يؤدي إلى تقوية مكانة إسرائيل في المنطقة.

أما الخطة الثانية، فجاءت على شكل توصيات أو خطة طريق لنتانياهو (في الولاية الأولى له) تحضه على إجراء تغيير استراتيجي في إسرائيل والمنطقة، بالانقلاب على اتفاق أوسلو، وإعادة احتلال مناطق السلطة، وعدم الإصغاء إلى الإدارة الأميركية، بل الاستقلال عنها سياسياً، وحتى اقتصادياً، وضمنه رفض مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، لأنه يقوّض شرعية إسرائيل، برأي معدي الخطة.

ووفق هذه الخطة، فإن إسرائيل باستطاعتها التعويض عن كل ذلك، بفضل قوتها، وبالاعتماد على ذاتها، بحيث يمكنها أن تفرض التسوية التي تريد على الفلسطينيين، وأن تشكّل المنطقة بما يتلاءم مع مصالحها، ومع تأكيد ذاتها كدولة يهودية. وكانت الخطة اقترحت إزاحة صدام حسين من حكم العراق، وتنفيذ عمليات عسكرية في لبنان، وإزالة ياسر عرفات. وانتقدت الدول العربية بذريعة أنها غير ديموقراطية. ومعلوم أن هذه الخطة أعدتها مؤسسة «الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة الأميركية»، وكتبها صانعو رأي بارزون، بمن فيهم ريتشارد بيرل ودوغلاس فايث ودافيد وورمسر، وهم من تيار «المحافظين الجدد» الذي حاول تطبيق آرائهم هذه بعد تصدره السياسة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الابن.

الخطة الثالثة تتعلق بإقامة «نظام شرق أوسطي جديد». وتحدث عنها بإسهاب رئيس إسرائيل السابق شمعون بيريز في كتاب خاص أصدره للغرض نفسه وبالعنوان ذاته. وما يميز هذه الخطة أنها تساوقت مع وجهات نظر الرئيس الأميركي بيل كلينتون وتوجهات إدارته لإعادة ترتيب المنطقة. لهذا الأمر، تم تخصيص «المفاوضات المتعددة الطرف» التي كانت تناقش قضايا الأمن والمياه والبيئة والبني التحتية والتعاون الاقتصادي واللاجئين على الصعيد الإقليمي، بمشاركة الدول الغربية الكبرى والدول العربية وإسرائيل. ومعلوم أن الأمر وصل وقتذاك إلى حد تنظيم مؤتمرات قمة سنوية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا عقدت في الدار البيضاء (1994)، عمان (1995)، القاهرة (1996)، الدوحة (1997).

وكانت هذه الجهود تصبّ في إطار تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي، ومنح الفلسطينيين كياناً لهم، وإقامة نظام شرق أوسطي تكون إسرائيل ضمنه أو في مركزه، مع علاقات انفتاح وتعاون بينها وبين الدول العربية في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفي قطاعات المياه والبني التحتية والمواصلات.

طبعاً، يجدر التمييز هنا بين هذه الخطة وخطة «الشرق الأوسط الكبير» التي طرحها بوش الابن إبان وجوده في البيت الأبيض، لأن خطته كانت تتعلق بتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي، واعتبار أن المشكلة في المنطقة لا تتعلق بإسرائيل، إنما هي ناجمة عن التسلط والجهل والفقر والحرمان من الحقوق، وأن الأمر يتطلب إصلاح النظم السياسية وانتهاج الديموقراطية.

ما يلفت الانتباه في هذا العرض المكثف أن جميع الخطط الإسرائيلية معلنة، وليست سرية، وأن كل واحدة منها نشرت في حينه في كل وسائل الإعلام، بل ونظمت في شأنها ندوات ومؤتمرات، ما ينفي عنها التوصيف بالمؤامرة، من دون التقليل من خطورتها، وأن هذه الخطط هي عبارة عن دراسات أو تقارير تستند إلى تحليل للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي، مع توصيات لما يمكن إسرائيل أن تفعله أو تتصرف به إزاء هذا الواقع، لتقوية ذاتها، والتميز عن محيطها، ومحاولة فرض ما يتلاءم مع أولوياتها ومصالحها.

هذا لا يعني أن كل ما يحصل في المشرق العربي جاء مصادفة، أو أن إسرائيل أو غيرها من دول الإقليم ليست عاملاً أساسياً فيه، لكنه فقط يحيل على مسألتين: أولاهما، إدراك أهمية العوامل الداخلية في استعصاء التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في العالم العربي، خصوصاً مسؤولية الدولة صاحبة الجهاز الأكبر والقرار الأكبر في بلدانها، لا سيما أنها تمتلك سلطات شمولية، وتتحكم في المجال العام والموارد والخيارات.

المقصد أن أصحاب عقلية المؤامرة لا يغطّون على العوامل الداخلية فقط، بمبالغتهم في الإحالة على الخارج، بل إنهم يبرّرون للأنظمة السلطوية إضعاف الدولة والمجتمع، وحؤولها دون قيام المواطنة. وللمقارنة مثلاً، فالهند وماليزيا وحتى إندونيسيا التي استقلت مع أو بعد استقلال البلدان العربية، استطاعت الذهاب في مسار التطور السياسي والاقتصادي، حتى بلغت ما بلغته. ثم لنأخذ حال العراق، لتحديد أي من العاملين ساهم أكثر في تدهور أحواله وتهديد وحدته الجغرافية والمجتمعية: الغزو الخارجي غير المشروع، أم قيام سلطة طائفية - مذهبية فاسدة احتكرت السياسة والموارد وحاولت إعادة إنتاج الاستبداد.

في التجارب العالمية أيضاً، فقد اختار الديكتاتور سوهارتو الاستقالة، عندما ثار شعب إندونيسيا (1998)، وهذا ما فعله أوغستو بينوشيه في التشيلي عندما خسر في الاستفتاء (1990)، أي أن الاثنين لم يفعلا كما فعل بشار الأسد في سورية أو معمر القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن.

تتحمل العوامل الخارجية المسؤولية عن أشياء كثيرة، لكن من دون صلة بمؤامرة خفية، لأن كل شيء واضح ومكتوب. بيد أن ذلك حجة على الأنظمة المعنية التي لا تحصن بلدانها ومجتمعاتها، بل وتساهم في خدمة الخطط المذكورة بإغلاقها آفاق تطور مجتمعاتها. ولنسأل: من المسؤول عن تدهور مستوى التعليم في المدارس والجامعات، وتردي الخدمات الصحية، وضعف البنى التحتية، وتفشي علاقات الفساد والمحسوبية، وتغوّل أجهزة الأمن، وامتهان المواطنين وحرمانهم من حقوقهم وحرياتهم؟ ومن المسؤول عن مرمطة المواطنين على الحدود العربية وضعف التبادل التجاري العربي وتدني مستوى التعاون العربي؟

من ناحية ثانية، ومع التشديد على خطورة دور إسرائيل، يجدر الانتباه إلى دور إيران التي باتت أكثر قوة خارجية تقتحم المشرق العربي، أي أكثر من إسرائيل وتركيا، إذ أضحت بمثابة لاعب داخلي فيه من اليمن إلى لبنان، مروراً بالعراق وسورية، علماً أن ذلك لا يمكن أن يحدث من دون رضا الولايات المتحدة وإسرائيل، ولو ضمناً، لتساوقه مع مصلحتهما إن في إضعاف المشرق العربي، من مدخل شق وحدة مجتمعاته أو لجهة إشغال إيران واستنزافها.

المشكلة أن إيران نجحت بالضبط حيث أخفقت إسرائيل، بإثارتها الانقسامات المذهبية في بلدان المشرق العربي، وتصديع وحدتها الجغرافية والمجتمعية، حتى بواسطة الميليشيات المسلحة. واللافت أن هذا كله يحصل باسم الصراع ضد إسرائيل وفلسطين والمقاومة.