الثلاثاء 13 أغسطس 2019 06:17 م

أمطار الرصاص تخترق صدور ورؤوس المدنيين العزل.. أنهار الدم تسيل في الشوارع.. إعلام رسمي يرقص فرحا بالنصر.. نخبة تؤيد أفظع مذبحة في تاريخ مصر الحديث.. ووأد لأول تجاربها الديمقراطية.

هكذا كان مشهد ذلك اليوم المشؤوم من تاريخ مصر، حينما قررت سلطات الانقلاب العسكري في 14 أغسطس/آب 2013، فض اعتصام آلاف المدافعين عن شرعية أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد (محمد مرسي) في ميداني: رابعة العدوية (شرقي القاهرة) والنهضة (غربي القاهرة) بالقوة، ما أسفر عن 632 قتيلا، بحسب تقدير سلطات الانقلاب الرسمي، وأكثر من ألف قتيل بحسب تقديرات منظمات حقوقية.

كانت رابعة والنهضة أيقونتين لأبشع مذابح التاريخ المصري الحديث، غير أن البلاد شهدت في ذلك اليوم وما تلاه أحداثا أخرى دامية، راح ضحيتها كثير من أفراد الشعب في ميادين ومناطق عدة، وطواها نسيان تعدد المذابح من جانب والتعتيم الإعلامي المحلي والدولي من جانب آخر.

ساحة الشهداء

ففي نهاية يوم الفض، غادر عدد كبير من المعتصمين صوب مسجد الإيمان القريب من ميدان رابعة، بينما امتلأ المسجد بعشرات الجثث التي نقلت من مقر الاعتصام الرئيس.

تحول المسجد عقب الفض من قبلة للصلاة إلى ساحة الشهداء، فمع مرور الوقت لم تعد أبوابه تفتح سوى لاستقبال جثة جديد لشهيد جديد غارق في دمائه.

صرخات ونحيب ونظرات تترقب في سكون أوراق الهوية والأكفان الممهورة بأسماء الشهداء، ومع امتلائه احتشد المعتصمون مجددا في ساحة الإيمان.

ومع سكون الليل، حاصرت قوات سلطات الانقلاب المسجد بمزاعم وجود مسلحين، قبل أن تقتحمه.

 

 

مذبحة رمسيس

وبعد يومين، أعاد المحتجون تنظيم أنفسهم، وخرجوا في مسيرة حاشدة بعد صلاة الجمعة إلى ميدان رمسيس (وسط القاهرة)، شيعوا خلالها عددا من قتلى فض رابعة والنهضة، من مساجد عدة بالقاهرة، والتحمت معها عدة مسيرات أخرى خرجت من مناطق متعددة بمحافظة الجيزة.

وواجهت قوات السلطة المسيرات بالرصاص الحي مجددا، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 210 متظاهرين بالميدان ومحيط مسجد الفتح وقسم شرطة الأزبكية، وفقا لما أعلنته مصلحة الطب الشرعي آنذاك.

وحوصر المئات من المحتجين الرافضين للانقلاب داخل مسجد الفتح، بينما كانت وسائل الإعلام الموالية للسلطة تبث حملة مسعورة لشيطنتهم، وسط دعوات بالزحف إلى مسجد الفتح لإنقاذ المعتصمين بداخله.

 

 

مخنقة الترحيلات

 

دخلت قيادات من الجيش المصري في مفاوضات لتوفير خروج آمن للمحاصرين داخل المسجد، وما إن فُتحت أبواب المسجد أمام خروج من كانوا بداخله، لم يسمح للجميع بالعودة إلى منازلهم، حيث تم وضع عدد منهم في سيارات الترحيلات ومدرعات الجيش، وتم نقلهم للتحقيق معهم، وتحويل نحو 500 منهم للمحاكمة بتهم ارتكاب عنف وقتل.

نقلت سيارة ترحيلات شرطية، لا تتجاوز 8 أمتار، دون منفذ هواء، عشرات المعتقلين الذين قبض عليهم عشوائيا، حيث كانوا في طريقهم إلى سجن أبو زعبل في يوم 18 أغسطس/آب.

 وفي صباح ذلك اليوم، استيقظ المصريون على جريمة جديدة راح ضحيتها 37 شخصا، بعد أن أطلقت عليهم الشرطة وابلا من القنابل المسيلة للدموع والغازات السامة التي أودت بحياتهم حرقا أو اختناقا.

مجزرة الجرينوف

 

وعلى التوازي من أحداث فض رابعة بالقاهرة، شهدت منطقة نصر الدين بأول شارع الهرم وقرب ميدان النهضة بمحافظة الجيزة، محاولة أخرى لتنظيم المعتصمين وإقامة منصة بديلة لهم، وسط إطلاق نار من جانب قوات الجيش وصل إلى حد استخدام طلقات الجرينوف (رشاش بلجيكي).

وامتدت الساعات الدامية إلى صباح اليوم التالي، وراح ضحيتها 57 متظاهرة، إذ لم يسعف الكر والفر المعتصمين من مواجهة بطش الجيش والشرطة، المعززين بمروحيات وقناصة.

وساندت أعداد كبيرة من البلطجية القوات النظامية كأنصار للسلطة الجديدة، والذين اصطلح على تسميتهم بـ "المواطنين الشرفاء" في الإعلام الرسمي.

 

 

مصطفى محمود

 

وبينما تخندق معتصمون بنصر الدين، توجه آخرون إلى ميدان مصطفى محمود، القريب من ميدان النهضة، في اعتصام لم يدم طويلا، وشهدت منصته مقتل 66 شخصا، برصاص الجيش والشرطة، اكتظت بهم المستشفى الميداني، بالإضافة إلى عشرات المصابين.

وعلى مقربة من الميدان، تجددت الاشتباكات في شارع البطل أحمد عبدالعزيز بالجيزة، وأسفرت عن إصابة العديد من المتظاهرين.

 

 

ساحات المحافظات


وفي خارج القاهرة والجيزة، امتدت التظاهرات المنددة بفض اعتصامي رابعة والنهضة إلى العديد من ميادين المحافظات، وأعلنت وزارة الصحة المصرية آنذاك إن 95 شخصا على الأقل قتلوا وأكثر من 800 آخرين أصيبوا.

وشملت الاشتباكات بين القوات النظامية والبلطجية من جانب، والمتظاهرين الرافضين للانقلاب العسكري من جانب آخر 8 محافظات: هي: الإسكندرية والسويس والبحيرة والمنيا والدقهلية وأسيوط وسوهاج والأقصر.

وبعد أيام، وثقت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" (غير حكومية مقرها لندن)، أكثر من 400 حالة اختفاء قسري لأشخاص كانوا في الميادين التي شهدت المذابح، ومحيطها، بجانب 9 سيدات مجهولات المصير.

المصدر | الخليج الجديد + الجزيرة نت