الأحد 25 أغسطس 2019 12:50 م

باتت التطوّرات في مدينة عدن (جنوبي اليمن)، لتعكس اهتزاز وحدة البلاد وتضعف أمنه واستقراره، وتضع السعوديّة والإمارات اللتين تقودان تحالفاً عسكريّاً لاستعادة الشرعيّة في اليمن، في موقع المعادي للشرعيّة، بدلاً من دعمها.

أمّا بالنسبة إلى الشرعيّة ذاتها، فقد تلقّت صفعة ثانية بعد تلك الصفعة التي نفّذها الحوثيّون في صنعاء عند انقلابهم عليها في سبتمبر/أيلول 2014، حسبما ذكر تقرير "المونيتور".

ونجح المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ، المدعوم من الإمارات في 10 أغسطس/آب في تنفيذ انقلاب عسكريّ على الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليّاً في العاصمة الموقّتة عدن، بعد معارك عنيفة دامت 4 أيّام ضدّ قوّات الحرس الرئاسيّ والألوية العسكريّة التابعة إلى حكومة الشرعيّة.

وفي 20 من الشهر ذاته، سقطت جارتها أبين مسقط الرئيس اليمني "عبدربه منصور هادي"، وذلك بالتزامن مع تحميل حكومة "هادي" للإمارات المسؤولية الكاملة عن التمرد المسلح الذي نفذه المجلس الانتقالي.

الدعم الإماراتيّ "غير محدود"، وصل بحسب وزير الداخليّة اليمنيّ "أحمد الميسري"، إلى 400 مصفّحة عسكريّة، وسط "موقف مريب" للسعوديّة التي التزمت قوّاتها الصمت في قصر معاشيق التابع إلى الرئاسة اليمنيّة، لتتّخذ في نهاية المطاف موقفاً لا يختلف عن موقف أبوظبي اللذين اتّفقا على "الشعور بالقلق" إزاء تطوّر الأحداث في عدن.

تبادل أدوار

وحسب "المونيتور"، فقد بدا واضحاً أنّ أبوظبي والرياض تتبادلان الأدوار فيما يخصّ تنفيذ مصالحهما في اليمن.

وضربت مثلا بما جرى العام الماضي، عندما تعالت الأصوات اليمنيّة، رفضاً للتواجد الإماراتيّ في جزيرة سقطرى، تدخّلت الرياض ولطّفت الأجواء بين أبوظبي ورئيس الحكومة السابق "أحمد عبيد بن دغر"، الذي ناهض التواجد الإماراتيّ، ودعا إلى سحب قواتها مقابل إحلال قوّات سعوديّة بديلة عنها، ليستقرّ الحال في نهاية المطاف على تواجد القوّتين في هذه الجزيرة.

وبعد الانقلاب الأخير الذي تمّ في عدن، دعت السعوديّة الطرفين (المجلس الانتقاليّ والحكومة الشرعيّة) إلى الحوار في جدّة، وترحيل القيادات الحكوميّة المناهضة للانقلاب.

وسرعان ما رحّب المجلس الانتقاليّ بدعوة الرياض إلى الحوار، فيما اشترطت الحكومة الشرعيّة انسحابه من المواقع والمؤسّسات التي سيطر عليها قبل بدء أيّ حوار سياسيّ معه، ليتماشى التحالف مع مطلب الشرعيّة، خصوصاً بعدما شعر هذا التحالف بالإحراج بعد تلقّي سيل من الانتقادات حتّى من مؤيّديه، أبرزهم وزير الخارجيّة اليمنيّ السابق المستشار في الرئاسة اليمنيّة "عبدالملك المخلافي".

وقال "المخلافي"، عبر حسابه على "تويتر"، إنّ "اليمنيّين فقدوا ثقتهم بالتحالف"، ممّا دعا التحالف بعد القمّة الثنائيّة التي جمعت الملك "سلمان بن عبدالعزيز" ولي عهد أبوظبي الشيخ "محمّد بن زايد آل نهيان"، في 12 أغسطس/آب في مكّة، إلى إرسال لجنة مشتركة إلى عدن للإشراف على إعادة تسليم المعسكرات والمؤسّسات الحكوميّة إلى سلطة الشرعيّة.

لكن، وبحسب ما كشف مصدر بمكتب الرئاسة اليمنيّة، فإنّ "اللجنة ستعطي الأولويّة لتسليم قصر معاشيق الرئاسيّ لما له من رمزيّة مقترنة بسلطة الشرعيّة"، مستبعداً أن "يفي التحالف بوعده بالضغط على المجلس الانتقاليّ بتسليم المعسكرات".

وقد أكّد عدم تسليم المعسكرات بيان المجلس الانتقاليّ الذي صدر في 15 أغسطس/آب عقب فعاليّة أطلق عليها اسم "مليونيّة النصر والتمكين"، الذي جاء فيه أنّ "هدف شعب الجنوب المتمثّل في استعادة دولة الجنوب الفيدراليّة المستقلّة، خيار محسوم لا رجوع عنه".

وشدد المجلس الانفصالي، على "العمل على تحرير ما تبقّى من وادي حضرموت وبيحان ومكيراس، وأيّ بقعة أخرى من الأراضي الجنوبيّة لا تزال تعاني من الإرهاب والاحتلال"، في إشارة إلى الحكومة الشرعيّة.

يمن ممزق

وبحسب رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث ومقره صنعاء "عبدالسلام محمد"، فإنه في حال استمر التحالف العربي بدعم الانقلابات، فإن "اليمن مهدد للذهاب نحو التمزيق والفوضى"، غير مستبعداً أن "ما يمارسه التحالف في اليمن، سينعكس على أمن واستقرار الخليج".

وأضاف أن "السعودية نظرت إلى أحداث عدن الأخيرة كورقة للضغط على هادي والحكومة الشرعية لتعديل الحكومة واستيعاب المجلس الإنتقالي فيها، متماهيةً بذلك مع الإمارات".

أمّا أبوظبي فهي من وجهة نظر الخبير اليمني، فإن "لها سياسات عدوانية تجاه الربيع العربي، وممارساتها في جنوب اليمن ما هي إلا امتداد لهذه العدوانية ضد الديمقراطية والاسلاميين المعتدلين، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والسياسية التي تحققها من خلال تعزيز نفوذها كلاعب اقليمي في اليمن".

مصالح

وبالنسبة إلى الاجتماع المقرّر عقده في جدّة بين الحكومة الشرعيّة والمجلس الانتقاليّ في الأيّام القليلة المقبلة، "فلن يكون بعيداً عن مصلحة العرّابين لكلّ هذه التحوّلات في اليمن، والمتمثّلين في السعوديّة والإمارات"، وفق مرقبين.

وستسعى السعوديّة إلى الإبقاء الشكليّ للشرعيّة، كي تستمرّ شرعنة التواجد والتدخّل في اليمن، في المقابل ستغضّ الطرف عن الواقع الجديد الذي أحدثه المجلس الانتقاليّ لاعتبارات كثيرة، أهمّها تقاسم النفوذ مع الإمارات.

وتركّز الرياض تواجدها في شمال اليمن وشرقه، على عكس أبوظبي التي تهتمّ بالجزر والموانئ المتناثرة في جنوب البلاد.

كما ان التحالف يرى أنّ من مصلحته وجود طرف ثالث في أيّ مفاوضات مقبلة تتمّ برعاية دوليّة مع الحوثيّين، حيث سيضمن صوتين هما الشرعيّة والمجلس الانتقاليّ، مقابل صوت واحد للحوثي وحلفائه.

ولا شكّ في أنّ ما بعد انقلاب المجلس الانتقاليّ ليس كما قبله، لكن في المقابل ستعمل الرياض وأبوظبي على فرملة مطالبه المرتفعة المتمثّلة في الانفصال، إذ أنّ ممارسات الدولتين منذ تدخّلهما في اليمن في مارس/آذار 2015، أثبتت أنّهما ليسا مع الوحدة ولا مع الانفصال، كما لا تسعيان إلى استعادة الشرعيّة وليستا جادّتين في إسقاط الحوثي، بل تمسكان العصى من المنتصف وتلعبان على كلّ التناقضات، بهدف وجود يمن مفكّك ومتعثّر، لكسب الكثير من المصالح الاقتصاديّة والجيوسياسيّة في هذا البلد.

المصدر | الخليج الجديد