الأربعاء 28 أغسطس 2019 06:57 م

من المرجح أن تكون التفويضات التي منحتها السعودية لإدارة الاكتتاب العام الأولي لشركة النفط الوطنية "أرامكو" بمثابة مؤشر جيد بخصوص كيفية قيام الرياض بموازنة علاقاتها بين الولايات المتحدة والصين.

ففيما يعد إشارة مبكرة إلى أن المؤسسات المالية الغربية مثل "غولدمان ساكس" قد تفقد الاحتكار الذي تتمتع به؛ دعت السعودية، هذا الأسبوع، أكبر البنوك المملوكة للدولة في الصين؛ البنك الصناعي والتجاري الصيني، وبنك الصين المحدود إلى المشاركة، إلى جانب أكبر متعهدي الاكتتاب الأمريكيين والأوروبيين والآسيويين، في تولي مسؤولية ما يتوقع أن يكون أكبر إدراج في البورصة على الإطلاق.

وقد أخذ المحللون الدعوة للمؤسسات الصينية كإشارة إلى أن السعودية تفكر في هونغ كونغ، بالإضافة إلى لندن ونيويورك وطوكيو كبورصات محتملة لإدراج الحصة البالغة 5%، من "أرامكو" التي سيتم عرضها.

التطلع إلى الصين

يعد البنك الصناعي والتجاري الصيني -أكبر بنك في العالم من حيث الأصول- وهو البنك الصيني الرئيسي الوحيد المملوك للدولة الذي له وجود مصرفي تجاري في المملكة.

وكان فرع بنك الصين في لندن مديرًا مشاركًا في بيع سندات "أرامكو" بقيمة 12 مليار دولار أمريكي في أبريل/نيسان الماضي.

وجاءت الدعوة إلى البنكين الصينيين، في الوقت الذي كان يعتقد فيه أن بنك الاستثمار الأمريكي وعملاق الخدمات المالية "غولدمان ساكس" قد عزز فرصتهما في إدارة الاكتتاب بشكل كبير، نتيجة لجهود ضغط مستمرة على مستوى عال.

وفشل "غولدمان ساكس" في تأمين دور بارز في عام 2017 عندما رشحت "أرامكو" في البداية شركات غربية كبرى لإدارة الاكتتاب.

ولكن تم تأجيل الطرح، في نهاية المطاف، بعد فشل ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في إقناع السوق بتبني تقييمه لـ"أرامكو" بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي.

وقد أدى نجاح بيع السندات -بعد أشهر من مقتل الصحفي "جمال خاشقجي"- الذي جذب أكثر من 100 مليار دولار إلى إقناع الأمير "محمد" بأنه قد يكون قادرًا على إنجاح عرض "أرامكو"، وكان "غولدمان ساكس"، المتعهد الرئيسي للسندات لطرح السندات.

وعرضت شركتا النفط الصينيتان المملوكتان للدولة "بتروتشاينا" و"سينوبك" شراء الحصة المطروحة، عندما أعلنت المملكة للمرة الأولى أنها تريد بيع 5% من "أرامكو" على أمل جمع 100 مليار دولار أمريكي.

كما أبدت الصناديق السيادية لروسيا واليابان وكوريا الجنوبية اهتمامها بأن تصبح مستثمرا أساسيا.

ومن شأن منح بنك صيني دورًا رائدًا في الاكتتاب العام أن يعزز توجه المملكة نحو بكين، ومن شأن ذلك أن يعزز الترابط الاقتصادي المتزايد بين السعودية وآسيا الذي تحتاجه لموازنة علاقتها الأمنية التي يكتنفها الغموض مع الولايات المتحدة وأوروبا وتقليص اعتمادها المتزايد على واشنطن في نضالها ضد إيران.

و تغيرت علاقات المملكة مع الدولة التي كانت حليفتها الرئيسية، حيث أصبحت الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على واردات الطاقة السعودية بسبب النفط الصخري والطاقة المتجددة.

على الجانب الآخر، مثل النفط السعودي العام الماضي نحو 12% من واردات النفط الصينية وتضاعفت حصته منذ ذلك الحين تقريبًا.

ودفعت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين المشترين الصينيين إلى خفض مشتريات النفط من الولايات المتحدة والبحث في مكان آخر.

ووقعت الصين والسعودية، في وقت سابق من هذا العام، صفقات بقيمة 28 مليار دولار أمريكي، بما في ذلك التزام سعودي لبناء مجمع للبتروكيماويات بقيمة 10 مليارات دولار في الصين لتكرير النفط السعودي ومعالجته.

كما استثمرت السعودية في أصول الطاقة في الولايات المتحدة.

وظهر الحديث عن الاستثمارات السعودية في مجال الطاقة في الصين لأول مرة قبل عامين في الوقت الذي ظهرت فيه أنباء عن احتمالية استثمار صيني مباشر في "أرامكو".

علاقة مضطربة

وفي الوقت نفسه، فإن العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة قد تعرضت للاضطراب بسبب شعور متزايد بأن الولايات المتحدة ستقلل بمرور الوقت من التزامها الأمني ​​تجاه الخليج وتصاعد التساؤلات في الكونغرس الأمريكي حول جدوى التحالف مع المملكة نتيجة حربها الكارثية في اليمن ودور الحكومة السعودية في مقتل الصحفي "جمال خاشقجي".

وفي هذا الصدد، يشير بعض المحللين إلى أن إحياء المملكة لاكتتاب "أرامكو" يعد حيلة سياسية وليس مجهودًا جادًا لبيع حصة في أصل يولد الجزء الأكبر من إيرادات الدولة.

وقد تزامن ذلك مع أحاديث حول خطط السعودية لخصخصة أصول الدولة الأخرى.

وقالت الباحثة في شؤون الخليج "كارين يونغ" في مقال لها في موقع "المونيتور" إن الاكتتاب العام في "أرامكو" بمثابة تذكير منتظم للعامليم في عالم التمويل الذين يعتمدون على الحكومة السعودية في الحصول على الرسوم، وللوصول إلى الصفقات، على أهمية البقاء موالين للرياض لضمان حصتهم في الصفقات المربحة.

وقالت "يونغ" إن طموح "أرامكو" في توسيع أنشطتها بما يشمل تكرير الغاز والبتروكيماويات يتماشى بدقة مع جهود الأمير "محمد" لتنويع الاقتصاد السعودي وجعله متوافقاً مع التغييرات، لكنها ذكرت أن توسيع قاعدة المساهمين في الشركة قد يعقد قدرة شركة النفط على تنفيذ خططها.

وأضافت: "أي نقاش حول الاكتتاب العام في أرامكو ينتهي دائمًا بنفس الملاحظة. إنه قرار سياسي، سيتعين على الشركة أن تكون مستعدة لقبوله. أسعار النفط لا تساعد، لأنها لا تزال تعاني من الانخفاض، على الرغم من التوترات السياسية المتصاعدة في الخليج".

وتردف: "إذا كانت الحكومة السعودية ترغب في الاحتفاظ بأرباح "أرامكو" وأن تضمن قدرتها استخدام موارد الطاقة لديها في ممارسة النفوذ السياسي في الوقت ذاته، فمن الأفضل لها عقد صفقة مع الصين لشراء حصة صغيرة في الشركة".

المصدر | جيمس دورسي - أوراسيا ريفيو