السبت 7 سبتمبر 2019 01:04 م

في الوقت الذي يمر فيه الاقتصاد الأردني بأزمة، أصبح من الواضح أن عمّان تغير سياستها الخارجية. وفي يوليو/تموز، عينت المملكة الهاشمية سفيرا جديدا في قطر بعد عامين من قيامها بخفض علاقاتها مع الدوحة إثر تداعيات الأزمة الخليجية. وفي نفس الشهر، زار كبار المسؤولين الأتراك المملكة. وقد تكون هذه علامات على أن الأردن يهدف إلى تعميق علاقاته مع البلدين.

ورغم أن الأردن خفض علاقاته مع قطر عام 2017، إلا أنه لم يقطع العلاقات معها تماما، ولم ينضم إلى السعودية والإمارات والبحرين ومصر في حصارهم ضد قطر. ويبدو أن السعوديين كانوا يأملون في عكس ذلك. وفي الواقع، يُعتقد أنه كان هناك تواصل مستمر بين الأردن وقطر خلال أزمة الخليج التي استمرت لعامين حتى الآن.

وكدولة تهدف إلى لعب دور إيجابي في الشرق الأوسط من خلال استضافة اللاجئين وتقديم الوساطة عند الحاجة، سحب الأردن دعمه للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وبطبيعة الحال، لم يكن هذا الانسحاب ليرضي السعودية، لكن الحكومة الأردنية تفضل الدبلوماسية على المشاركة في حرب أدت إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم الآن. وأصبح هذا واضحا عندما استضافت الجولة الثانية من محادثات السلام اليمنية في وقت سابق من هذا العام.

وقال المعلق السياسي الأردني "أسامة الشريف"، لـ"لوب لوج": "منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، أصبح الأردن يدرك بشكل متزايد التغيّرات الإقليمية المتغيرة وآثارها المحتملة على استقرار المملكة، في وقت تكافح فيه عمّان ضد الظروف الاقتصادية المزمنة".

وأشار "الشريف" إلى أن الأردن استجاب لهذه الظروف عبر إعادة تنظيم السياسة الخارجية للمملكة تجاه حلفائها التقليديين، موضحا: "سارع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى إخراج بلاده من التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. كما حافظ على علاقات دبلوماسية مع إيران في أوج التوترات بين الرياض وطهران، بينما كان يتقرب إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حتى مع تدهور علاقات أنقرة مع الرياض والقاهرة. ويمكن قول الشيء نفسه عن قطر، حيث لم يقطع الأردن العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، وقام مؤخرا بتعيين سفير له هناك". 

  • القضية الفلسطينية

ويكمن أحد التحديات الرئيسية التي يتعامل معها الأردن في الوقت الحالي -والتي تعكس بشكل واضح تفاقم الخلافات بين عمّان والرياض- في مقاربته للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي مارس/آذار، وخلال مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي التاسع والعشرين الذي انعقد في الأردن، عارضت السعودية إلى جانب الإمارات ومصر توصية تدعو إلى وقف التطبيع مع (إسرائيل). ومع ذلك، رفض رئيس مجلس النواب الأردني "عاطف الطراونة" حذف التوصية من البيان الختامي للمؤتمر.

وتدور شكوك حول ما إذا كان السعوديون يضعون أعينهم بالفعل على دور الأردن كحارس للأماكن المقدسة في القدس. وقد صرح وزير الخارجية الأردني السابق "كامل أبو جابر"، لـ "لوب لوج"، قائلا: "يدرك السعوديون أنهم ليسوا منافسين للعائلة الهاشمية فيما يتعلق بتاريخ الإسلام. فالملك عبدالله يمثل الجيل الـ44 من آل النبي محمد، والسعوديون يعرفون هذه الحقيقة".

وأوضحت عمّان، الملتزمة بحل الدولتين، أنها لن تغير موقفها من القدس. وقال الملك "عبدالله"، في مارس/آذار، بعد أيام من عودته من زيارة للولايات المتحدة، إن القدس "خط أحمر" بالنسبة له، وأكد أنه "لا يمكن لأحد الضغط على الأردن في هذا الشأن".

ويبدو أن المسؤولين في الأردن يدركون أنه مع وجود أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني مسجل في البلاد، قد تكون المملكة الهاشمية أول دولة تعاني إذا نفذت إدارة "ترامب" خطتها للسلام التي طال انتظارها للشرق الأوسط. ويبدو أن هناك تخوفا من أنه إذا كانت الخطة تهدف لإجبار المزيد من اللاجئين الفلسطينيين على طلب اللجوء خارج الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، فلن يكون لديهم على الأرجح مكان سوى الأردن للذهاب إليه.

  • الأزمة الاقتصادية

وسيكون لهذا بدوره تأثير مدمر على المملكة؛ بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد. ويساوي الدين العام الأردني 95% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، ووصل معدل بطالة الشباب إلى 41%، وفقا لصحيفة "الإيكونوميست"، التي أشارت أيضا، في يونيو/حزيران، إلى أن أكثر من مليون من سكان الأردن، البالغ عددهم 10 ملايين، يقعون تحت خط الفقر.

ورغم أن الأردن تعامل مع الضعف الاقتصادي وارتفاع معدلات بطالة الشباب وارتفاع معدلات الفقر لبعض الوقت، فقد ساءت الأوضاع الاقتصادية في المملكة في الآونة الأخيرة بسبب تدفق اللاجئين وتراجع المساعدات الخارجية. وفي العام الماضي، أدت تدابير التقشف التي يدعمها صندوق النقد الدولي إلى احتجاجات واسعة النطاق في المملكة؛ ما أدى إلى استقالة رئيس الوزراء "هاني الملقي". وكانت السعودية والكويت والإمارات عقدت قمة في مكة المكرمة بحضور الأردن، وتعهدت الدول الثلاث بتقديم 2.5 مليار دولار للمملكة، لكن يبدو أن الأردن لم يتلق حتى الآن الكثير من هذا المبلغ.

وتعهدت الدوحة بتوفير 10 آلاف فرصة عمل، و500 مليون دولار من الاستثمارات في الأردن، وهي خطوة لا شك في أنها موضع تقدير من المسؤولين في عمّان. وحتى الآن، حصل 5 آلاف أردني بالفعل على تصاريح عمل في قطر. علاوة على ذلك، قالت تقارير هذا الأسبوع إن الملك "عبدالله" دعا أمير قطر "تميم بن حمد" لزيارة المملكة، وأن الأخير "رحب" بالدعوة، وهي علامة أخرى على التقارب في العلاقات بين عمّان والدوحة.

وقال "أبو جابر": "لم يرغب الأردن أبدا سوى في علاقات ممتازة مع جميع دول الخليج، بما في ذلك قطر. ومن الطبيعي أن تعزز قطر والأردن علاقاتهما في هذا الوقت".

وقد أظهر الأردن حرصه على الحفاظ على علاقاته مع جميع دول المنطقة. ومع ذلك، فقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن هناك مناطق تختلف فيها عمّان والرياض فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية، خاصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومن المرجح أن يكون التحالف الأردني القطري التركي المحتمل أكثر اتساقا مع الفلسطينيين في تعامله مع هذا الصراع. ويبقى أن نرى ما مدى فعالية هذا التحالف في النهوض بالقضية الفلسطينية.

المصدر | عبد العزيز كيلاني - لوب لوغ