الاثنين 9 سبتمبر 2019 04:57 ص
  • لا سلام في أفغانستان ما لم تعترف «طالبان» بواقع فرض نفسه ولا يمكنها تكرار سيناريو سيطرتها على البلاد.
  • يُخشى أن التجربة التي مرّت بها الحركة لم تدفعها إلى تعديل توجّهاتها أو رؤيتها السياسية المنغلقة.
  • تريد »طالبان» العودة إلى الحكم في كابول وباتفاق مع أميركا من دون أي تنازلات أو اشتراطات على سلوكها.

*     *     *

أوقف الرئيس الأميركي المفاوضات مع حركة «طالبان»، عشية جولتها العاشرة، وبرّر قراره بأن الحركة تواصل القتل لتعزّز موقفها التفاوضي. كانت المعلومات توالت أخيراً عن وشك التوصّل إلى اتفاق.

لكن تكثيف «طالبان» هجماتها ووقوع عدد كبير من القتلى والجرحى جميعهم من الأفغان، باستثناء جندي أميركي واحد، جعل دونالد ترامب يلغي اجتماعاً سرّياً كان سيجمعه مع الرئيس الأفغاني أشرف غني وقادة رئيسيين في الحركة.

وقد حاولت واشنطن طوال الأسبوعين الأخيرين تجاهل الهجمات لإنقاذ الاتفاق المرتقب، لكن مستوى العنف زاد فدفع عسكريين ودبلوماسيين سابقين إلى التحذير من أن التطورات تُنذر بتجدّد الاضطرابات في أفغانستان، وأن «طالبان» تنشط متسلّحة بصمت واشنطن.

كان الأسبوع الأخير دموياً جداً؛ إذ برهنت «طالبان» على قدرتها على التحرّك من قندوز شمالاً إلى غزنة في الوسط إلى إقليم لغمان شرقي كابول إلى فرح غرباً.

وبات مؤكداً أن العنف سيزداد في المرحلة المقبلة، خصوصاً ضد الجيش والأمن الأفغانيين، وظلّت «الهدنة» مع الأميركيين غامضة، ما أتاح التكهّن بأن «طالبان» تغيّرت وتريد السلام لكن بتكتيكاتها الخاصة.

غير أن ترمب أعاد عقارب ساعة المفاوضات إلى المسألة الأساسية: ضرورة وقف إطلاق النار خلال المفاوضات، وإلا «فإنهم (طالبان) لا يمتلكون الوسائل للتفاوض على صفقة مجدية».

كانت المفاوضات تعقّدت في جولاتها الأولى ثم انقطعت لفترة طويلة، بسبب رفض «طالبان» البحث في وقف لإطلاق النار أو ضمان لانسحابات أميركية هادئة. في هذه الأثناء تغيّرت القيادة في الحركة، كذلك الإدارة في البيت الأبيض، فتبلورت اقتناعات جديدة ومقاربات أكثر براغماتية لدى الطرفين.

فالحركة أرادت استثمار فشل التدخل الأميركي في إقصائها وتحجيم قدرتها على التحرّك في نحو 80 بالمئة من المناطق، وواشنطن استخلصت أن وجودها 18 عاما في أفغانستان لا يمكن إنهاؤه إلا بـ«اتفاق سلام» يحقق لها هَدفَيْها:

- خفض عدد القوات الأميركية تمهيداً لسحبها.  

- ضمان الاستقرار واستمرار الدولة التي أُنشئت عقب الغزو عام 2001.

لم تُنشر مسودة الاتفاق المبدئي، وتركّزت التسريبات القليلة على ما يتعلّق بالوجود الأميركي، وعلى ضمانات تعهّدتها «طالبان» بعدم تمكين أي جماعات متشدّدة كتنظيمي «الدولة» و»القاعدة» من استخدام أفغانستان ملاذاً أو منطلقاً لأنشطتها.

وتبرّع بعض التحليلات بالقول -بلا أي دليل- أن هذا التعهّد يعكس مراجعة أجرتها الحركة لخياراتها. غير أن هذه المراجعة لم تتضمّن أي نوع من الاعتراف بالحكم الحالي في أفغانستان، رغم إلحاح المفاوض الأميركي.

لم توافق «طالبان» على الانضمام إلى العملية السياسية الجارية أو على حوار مع الحكم الحالي؛ وإذ تشارك في حوار يُجرى في النرويج بين أطراف أفغانية فهي ستلتقيهم بصفتهم الشخصية لا الحكومية.

لذلك كان من الطبيعي أن يثير هذا الموقف السياسي المتشدّد، معطوفاً على التصعيد العسكري، المخاوف من أن التجربة التي مرّت بها الحركة لم تدفعها إلى تعديل توجّهاتها أو رؤيتها السياسية المنغلقة، بل إنها تريد العودة إلى الحكم في كابول، وباتفاق مع أميركا من دون أي تنازلات أو اشتراطات على سلوكها.

ولا يعني ذلك سوى تصعيد الحرب داخل أفغانستان، مع ما يرافقها من تحوّلات تمسّ تركيبة جيشها وأمنها وحكومتها ودستورها، فضلاً عن مواجهات اجتماعية تتعلّق بالحريات والمكاسب النسبية التي حصلت عليها المرأة الأفغانية.

لا يمكن أن ينشأ سلام في أفغانستان ما لم تعترف «طالبان» بأن ثمة واقعاً آخر فرض نفسه، ولا يمكنها تكرار سيناريو سيطرتها على البلاد كما في عام 1996. فإمّا أن تتعايش مع هذا الواقع، أو تجازف هذه المرّة بتفعيل سعي العديد من الإثنيات إلى تقسيم البلاد.

  • عبدالوهاب بدرخان - كاتب صحفي لبناني
المصدر | العرب القطرية