الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 06:33 م

استهدفت الهجمات التي وقعت في 14 سبتمبر/أيلول بصواريخ كروز وطائرات بدون طيار منشآت معالجة وتكرير النفط الخام في "بقيق" وحقول "خريص"، التابعة لشركة النفط العربية السعودية "أرامكو"؛ ما تسبب في تعطيل إنتاج 5.7 ملايين برميل يوميا من النفط الخام في الوقت الحالي، أي ما يعادل 5% من إجمالي الإنتاج العالمي اليومي. ورغم أن المتمردين الحوثيين في اليمن سرعان ما أعلنوا مسؤوليتهم، إلا أن الولايات المتحدة أكدت أن الهجمات لم تنطلق من اليمن، وتم تنفيذها بمساعدة إيرانية. ويبدو أن التفاصيل التي صدرت في أعقاب الهجمات تثبت على الأقل ادعاء الولايات المتحدة بأنها تم شنها من خارج اليمن.

  • الحسابات الإيرانية

وإذا كانت إيران هاجمت بالفعل أهدافا مباشرة في المملكة، فسيمثل هذا تصعيدا جريئا في جهودها للحفاظ على مكانتها السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط والخليج العربي وتعزيزها. ويأتي هذا التصعيد في إطار الجهود الإيرانية الساعية إلى التخفيف من الضغوط الأمريكية المتزايدة عليها. وأظهرت إيران، عبر الهجمات الأخيرة، أنها مستعدة للرد بقوة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، في محاولة لكسر الحلقة الحالية من العقوبات الثقيلة على النفط والاقتصاد.

ومع إلقاء الولايات المتحدة باللوم على إيران، ارتفعت احتمالات استهداف الولايات المتحدة أو حلفائها للأهداف المرتبطة بإيران عسكريا، إن لم تكن استهداف إيران نفسها، بشكل كبير. وفي الساعات التي تلت الهجوم، صرح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بأن الولايات المتحدة كانت تنتظر التحقق النهائي من تورط إيران قبل أن تقرر كيفية الرد.

ومما لا شك فيه أن الإيرانيين يفهمون أن مثل هذه الهجمات قد تثير ردا عسكريا أمريكيا، لكن من الواضح أنهم على استعداد لقبول هذا الخطر، وربما يحسبون أن "ترامب" لن يكون على استعداد لخوض نزاع عسكري خطير ومضر للغاية في فترة ما قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020. وإلى جانب هذه الهجمات، يسعى الإيرانيون أيضا إلى قيادة مفاوضات موازية، معظمها من خلال الأوروبيين، لتقديم طريق بديلة نحو وقف تصعيد يمكن أن يسلكها الأمريكيون.

  • ليس هجوما حوثيا

بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمنشآت، وتركيز الدفاع الجوي السعودي على اليمن، وزوايا التأثير، وتقارير التحليق فوق الكويت، والحطام المستعاد من صاروخ كروز تم تدميره، من المرجح أن الهجمات جاءت من الأراضي العراقية أو الإيرانية، أو كليهما معا. ومن الممكن أيضا أن تكون بعض الطائرات بدون طيار تم إطلاقها من البحر. وبغض النظر، تشير هذه التفاصيل إلى تورط إيران و/أو وكلائها المباشرين في العراق؛ ما يزيد من خطر التصعيد. وخلص المسؤولون الأمريكيون، في مايو/أيار، إلى أن الهجوم السابق على محطات الضخ السعودية جاء من العراق. ورغم حادث مايو/أيار، لم يحدث سوى جزء بسيط من الأضرار مقارنة بالتدمير الذي أحدثه هجوم 14 سبتمبر/أيلول، إلا أنه يعيدنا إلى التفكير في كيف يمكن استخدام العراق كقاعدة انطلاق لشن هجمات على البنية التحتية النفطية السعودية.

ويقلل أي هجوم بهذا الحجم من احتمال أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إجراء محادثات هادفة مع إيران على المدى القصير. وقد اتخذ البيت الأبيض بالفعل موقفا متشددا عموما من إيران، وستكون الولايات المتحدة غاضبة لدرجة لا تسمح لها بالتراجع في أعقاب هذا الهجوم الكبير. ولن ترغب واشنطن في إظهار الضعف من خلال السماح لطهران بإملاء الأحداث، وستكون قلقة من أن الرد الناعم للغاية سيرسل رسالة قد تشجع الدول الأخرى التي لديها نزاعات معها، مثل كوريا الشمالية، على التصرف بشكل استفزازي هي الأخرى. إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة، باعتبارها المهيمنة عالميا، لها مصلحة حيوية في الحفاظ على التدفق الحر للتجارة وموارد الطاقة.

  • القرارات المنتظرة

تواجه الولايات المتحدة الآن قرارا صعبا. وقد تحسب واشنطن أن أي هجوم بهذا الحجم على البنية التحتية النفطية في السعودية يتطلب استجابة عسكرية لإثبات الردع. لكن حتى الآن، لم يكن "ترامب" مستعدا لاتخاذ إجراءات من شأنها تصعيد الالتزامات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ حيث تسعى واشنطن إلى تحويل تركيزها ومواردها إلى غرب المحيط الهادئ وأوروبا. لذلك، من المحتمل أن تسعى الولايات المتحدة إلى الالتزام بالرد من خلال حلفائها المحليين، مع التركيز بشكل إضافي على ردود أفعال الرياض وأبوظبي.

لكن تردد السعودية نفسها في أخذ موقف أكبر في الصراع الكبير واضح بالفعل. وتتفق المخابرات السعودية والأمريكية حتى الآن على أنه تم استخدام صواريخ "كروز" في الهجوم، لكن المملكة لم تصل إلى حد التوافق مع التقييم الأمريكي بأن إيران وفرت نقطة انطلاق للهجوم. وتعكس استجابة الرياض الحذرة رغبتها في تجنب حدوث نزاع أوسع في الخليج.

وإذا كان الهجوم جاء من اليمن، فستواجه الرياض خيارا أسهل، وإن كان لا يزال مكلفا، بزيادة الضغط على الحوثيين هناك. ولن تتطلب هذه الحلقة من مسلسل المواجهة تعديلا استراتيجيا؛ لأن السعوديين منخرطون بشدة هناك بالفعل. ولكن مع وجود أدلة تشير إلى أن الهجوم صادر من العراق أو إيران، يواجه السعوديون الآن قرار دعم رد عسكري أمريكي. ورغم ترددها الواضح في تأجيج صراع أوسع، يصارح الهجوم المملكة بحقيقة الضعف الواضح لبنيتها التحتية للنفط والغاز، وهو ما قد يدفع الرياض لدعم الرد العسكري الأمريكي المحتمل، على الرغم من مخاطر إشعال نزاع أوسع ربما تكون السعودية أكبر المتضررين منه على الإطلاق.

((4))

المصدر | ستراتفور