الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 01:44 م

اعتبر الخبير الاستراتيجي الأمريكي، المستشار السابق بوزارة الدفاع "أنتوني كوردسمان" الهجمات التي تعرضت لها منشآت نفطية سعودية تابعة لشركة أرامكو، المملوكة للدولة، السبت، مؤشرا لتلاشي التفوق الجوي التاريخي للولايات المتحدة بمنطقة الخليج.

جاء ذلك في تحليل نشره "كوردسمان" بالموقع الإلكتروني لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، الإثنين، وتناول فيه 5 آثار استراتيجية للهجمات التي تسببت في تقليص إنتاج السعودية من النفط بمقدار النصف تقريبا.

وأوضح أن الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية ذات التوجيه الدقيق دخلت جميعها في قائمة المخزون الإيراني وبدأت في التمدد إلى الحوثيين وحزب الله، وتوقع أن تتبع دول مثل كوريا الشمالية هذا الخط، إضافة إلى مناطق لمواجهات عسكرية أخرى مثل الهند وباكستان، إذ يمكن استخدام أنظمة هذه الأسلحة بمستويات منخفضة في مناطق "الحروب الرمادية" أو كذلك في النزاعات الأكثر حدة.

ويمكن ربط هكذا أنواع من الأسلحة بمجموعة واسعة من أشكال أخرى لهجمات غير التقليدية، سواء على الأرض أو في مياه الخليج، بحسب "كوردسمان".

ولفت إلى أن الهجمات الأخيرة (على ناقلات النفط) في الخليج أظهرت بالفعل أن هذه الخيارات تشمل التخريب، ودعم الوكلاء، وهجمات القوات الخاصة الصغيرة، والهجمات الإلكترونية، والعبوات الناسفة والقنابل، والصواريخ المضادة للسفن، والألغام الذكية، وما إلى ذلك.

ولا مجال في قواعد هكذا هجمات تلك للحديث عن قوانين، إذ أن الأهداف المدنية هي بالفعل جزء من طبيعة "الحرب الحديثة" حسب تعبير "كوردسمان".

تحد اقتصادي

وذكر المستشار السابق بوزارة الدفاع الأمريكية أن أحد أهم هذه الآثار يتمثل في ظهور مستوى جديد من الخطر الذي تشكله الحروب في منطقة الخليج على إمدادات الطاقة العالمية.

فالهجمات أحدثت أزمة -ولو محدودة- في صادرات النفط العالمية، وبات إصلاح المنشآت السعودية واستئناف الصادرات بالفعل من القضايا المهمة، لكن التحدي الأكثر خطورة، هو كيف يمكن إيقاف هجمات مستقبلية من هذا النوع، ما يعني أن المملكة أمام تحد استراتيجي على المديين القصير والطويل معا.

ولا تزال كيفية مواجهة التحدي قصير المدى غير واضحة، إذ لم تقدم السعودية وأرامكو أي بيانات تفصيلية عن مستوى الضرر الذي أحدثته الهجمات، كما أن هناك أسبابا وجيهة لعدم الكشف عن مستوى دقة الضربات التي ربما أحدثت تأثيرا طويل الأجل على أهداف رئيسية؛ إذ من شأن ذلك تمكين التخطيط لمزيد من الضربات بطرق تعزز مستوى الضرر بدرجة كبيرة وتطيل أوقات إصلاحه.

وإزاء ذلك بدا منطقيا تبديل عمليات النفط والغاز السعودية غير التالفة لتقليل التعرض لخطر ضربات لاحقة، وهي إجراءات من شأنها أن تحد من الإنتاج.

وأعلنت السعودية أنها علقت إنتاج حوالي 5.7 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، بما يعادل أكثر من نصف إنتاج المملكة، ويمثل 6% من إمدادات النفط اليومية في العالم، وبالتالي قفزت الأسعار بالفعل، ولذا سيتعين على المملكة عاجلاً أو آجلاً توضيح كل من حجم الضرر الفعلي لهجمات أرامكو والوقت الذي سيستغرقه إصلاحها.

إثبات المسؤولية

ويعد إثبات مسؤولية الطرف المخطط والمنفذ للهجمات ثاني الآثار الاستراتيجية لهجمات أرامكو بحسب "كوردسمان"، خاصة في ظل النزاع الكبير حول تحديد المسؤول عنها.

فالضربات التي استهدفت منشآت نفطية في منطقتي خريص وبقيق -بما في ذلك منشآت المعالجة الرئيسية- كانت بعيدة المدى، وفق معايير البلدان النامية، إذ  تقع خريص -وهي الموقع الأقرب إلى الحدود اليمنية- على بعد 770 كيلومترًا (480 ميلًا) من الحدود وأكثر من 805 كيلومترًا (500 ميلًا) من مناطق إطلاق مناسبة يسيطر عليها الحوثيون، فيما تبعد بقيق عنها بنحو 200 كيلومتر (125 ميل) إضافية.

وإزاء ذلك يبدو زعم الحوثيين بأنهم المسؤولين عن هجمات أرامكو عبر إطلاق 10 طائرات مسيرة معقولا من الناحية الفنية إلى حد ما، فمن المعروف أنهم حصلوا على أنظمة هجوم يمكن أن تطير حتى مسافة 1500 كيلومتر (930 ميل).

ومن المفترض أن هذه الطائرات تحتوي على مستويات دقة  بنظام GPS، وقد تكون لديها قدرة طيران معقدة تجمع بين تفادى الدفاعات السعودية وأنظمة التوجيه التي يمكنها أن تحدد موقع هدف معين بدقة عبر استخدام شكل من أشكال التوجيه المبرمج.

ولا يتطلب التحكم بهكذا طائرات أقمارا اصطناعية أو أنظمة مراقبة واستطلاع معقدة من ذلك النوع الذي تملكه إيران، إذ يمكن أن يسهم تحليق طائرات مسيرات صغيرة (غير مسلحة) إلى "استطلاع" الطريق، دون أن تثير قلقًا كبيرًا حتى إذا تم اكتشافها.

ويكاد يكون من المستحيل تأمين المنشآت المدنية من قدرة العامل أو الزائر على استخدام الهاتف الخلوي للحصول على إحداثيات GPS دقيقة، حيث أصبحت تغطية الأقمار الاصطناعية التجارية الآن جيدة جدًا، وهناك العديد من الطرق لتوفير الصور المطلوبة للتوجيه المبرمج.

ولم يكشف أي مصدر رسمي بعد عن تقدير لمستوى دقة وحجم وطبيعة الرؤوس الحربية شديدة الانفجار وطبيعة أنظمة التوجيه المستخدمة فعليًا في هجمات أرامكو، ومع ذلك، فمن الواضح أن طائرات مسيرة وصواريخ كروز ذات رؤوس ذكية بما يكفي لضرب الهدف بدقة كبيرة يمكن أن تصبح "أسلحة ذات فاعلية كبيرة" إذا كانت موجهة ضد بنية تحتية حرجة أو تجارية أو نقطة عسكرية.

ورغم ذلك، هناك أسباب وجيهة للشك في ادعاء الحوثيين، وهو ما دفع وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" ومسؤولين أمريكيين آخرين إلى اتهام إيران بالوقوف وراء الهجمات.

ولا يملك الحوثيون حدا أدنى من القاعدة التقنية المتقدمة، ويعتمدون بشكل واضح على الطائرات المسيرة المستوردة وصواريخ كروز، وليس من الواضح إن كان لديهم القدرة على إدارة مجموعة معقدة من الهجمات شبه المتزامنة على مدى مثل هذه المسافات الطويلة.

ويرى "كوردسمان" أن طهران ربما لم تنفذ هجمات أرامكو تقنيا، لكن من المشكوك فيه أن يكون الحوثيون قد نفذوها دون مساعدة إيرانية.

وعلى الرغم من أن التفاصيل الكاملة لا تزال غير واضحة، إلا أن صور الأقمار الاصطناعية الخاصة بالهجمات، والتي نشرتها الولايات المتحدة تُظهر أنه تم شن 19 غارة على منشآت أرامكو وضرب 17 هدفًا بالفعل، كما صرح الخبراء الأمريكيون بأن هناك ضربات أخرى لم تكن قريبة من الهدف.

وتثبت الصور أن شن الهجمات جرى باستخدام بعض صواريخ كروز على الأقل وكذلك بعض الطائرات المسيرة، وربما كانت جميعها بصواريخ كروز.

كما تكشف الأقمار الصناعية أن المنشآت السعودية في بقيق وحدها تعرضت لأضرار من الناحية الشمالية الغربية وليس من الجنوب كما هو متوقع إذا كان مصدر الهجمات من اليمن.

وفي السياق، أشار الخبير الاستراتيجي الأمريكي إلى نفي كل من إيران والعراق أي انطلاق لهجمات أرامكو من أراضيهما، في مقابل مواصلة المتحدث باسم الحوثيين "يحيى سريع" تهديداته قائلا: "نحن نؤكد للنظام السعودي أن يدنا الطويلة يمكن أن تصل إلى أي مكان نريد، ومتى نريد"، مشيرا إلى استخدام طائرات مسيرة "معدلة بمحركات نفاثة" في الهجمات.

كما حذرت روسيا من أن الولايات المتحدة قد تتسرع في تحديد المسؤول عن هجمات أرامكو، وقالت إن الهجمات الأمريكية على إيران -في هذا الإطار- ستكون "غير مقبولة".

أما وزير الخارجية البريطاني "دومينيك راب" فقال: "فيما يتعلق بالمسؤول، فإن الصورة ليست واضحة تمامًا".

وعلق "كوردسمان" على ردود الأفعال تلك بالإشارة إلى أنه "قد لا يكون من الممكن إثبات ما يرضي العالم تمامًا بشأن المسؤول عن الهجمات على نحو ما تعرضت له ناقلات نفطية مؤخرا من هجمات بالخليج"، وهو ما اعتبره تحديا استراتيجيا طويل المدى أمام السعودية.

وأضاف: "يمكن للإيرانيين الاستمرار في الادعاء بأن الحوثيين فعلوا ذلك، وحتى إذا اعترفوا بتزويدهم بالأسلحة والتدريب، فيمكنهم دائمًا أن يزعموا أن الحوثيين اتخذوا قرارًا بالهجوم من تلقاء أنفسهم"، الأمر الذي يجعل هجمات، كتلك التي تعرضت لها منشآت أرمكو، طريقة جيدة للاستهداف دون تحديد خط واضح للمسؤولية، وطريقة منخفضة التكلفة والمخاطر لإلحاق أضرار جسيمة.

ولفت إلى أن توجيه ضربات لإيران يعني -في الوقت الحالي على الأقل- تصعيدا ضد دولة مسؤوليتها عن هجمات أرامكو لا تزال غير مؤكدة وغير مثبتة، بما يعني أن حصول هكذا ضربات على دعم من الأمم المتحدة غير محتمل.

تطوير التسلح

ويرى الخبير الاستراتيجي الأمريكي أن تطوير تسلح الأذرع الموالية لإيران في المنطقة يمثل أحد أهم آثار هجمات أرامكو أيضا، إذ توفر الطائرات المسيرة خيارات صاروخية عالية الدقة يمكن توجيها بأنظمة صغيرة يصعب تحديد مواقعها واستهدافها، وهو ما أظهره نجاح استهداف المنشآت النفطية السعودية.

وسيكون هكذا نجاح بمثابة حافز كبير لإيران وحزب الله وغيرهما من القوى لتطوير قدرات تسلح تشمل صواريخ بالستية موجهة بدقة.

ضعف الردع

وفي حال قررت السعودية، أو حتى الولايات المتحدة، توجيه ضربات لإيران، بمعزل عن التأييد الأممي، فإن القدرة على الردع الناجع تظل تحديا استراتيجيا آخر يواجه كليهما، بحسب "كوردسمان".

فهكذا ضربات محتملة ستكون موجهة إلى الحوثيين في اليمن كخيار أول، لكن الخيارات في هذا الشأن معقدة وغير مؤكدة، وهو ما يكشفه تاريخ الضربات الجوية السعودية والإماراتية في اليمن، والتي غالبا ما انطوت على وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

أما الخيار الثاني فهو توجيه الضربات لإيران، ما يعني المزيد من التهديد لصادرات وواردات النفط الخليجية نتيجة القتال، واحتمال إطلاق هجمات جديدة على المنشآت النفطية السعودية والخليجية أو مناطق الضعف الرئيسية تتمثل في محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه -مصدر كل مياه الشرب في الخليج العربي تقريبًا-، في ظل واقع ينفي تمام أي قدرة سعودية على الردع.

واختتم الخبير الاستراتيجي الأمريكي تحليله بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بتفوق كبير في القدرة على توجيه الضربات الجوية الدقيقة، لكنها تواجه إشكالية إزاء أسئلة منها: كيف يمكن استخدامها فعليًا؟ من وماذا وفي أي حالة سيكون الهدف؟ إلى أي مدى ستكون على استعداد للتصعيد؟ من هم الشركاء الاستراتيجيون الحقيقيون والجديرون بالثقة؟ وكيف تتعاون معهم بشكل أفضل؟ وما مدى استعدادها للمخاطرة بالتورط في حرب جديدة كبرى؟ لافتا إلى أن هذه الأسئلة الجادة واضحة للغاية، لكن إجاباتها ليست كذلك.

المصدر | الخليج الجديد + مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن