الأربعاء 18 سبتمبر 2019 10:50 ص

هاجمت طائرات بدون طيار يوم السبت 14 سبتمبر/أيلول منشأتين نفطيتين كبيرتين في المملكة العربية السعودية، ما أدى إلى اشتعال النيران فيهما وتعطيل صادرات المملكة إلى السوق الدولية.

وكان يعتقد في الأصل أن الهجمات كانت من عمل المتمردين الحوثيين في اليمن، لكن المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم وزير الخارجية "مايك بومبيو"، قالوا إن اليمن لا يمكن أن يكون مصدرا للطائرات بدون طيار واتهموا إيران بالوقوف وراء العملية، وقد صرح الرئيس "دونالد ترامب" بأن الولايات المتحدة مستعدة للعمل العسكري.

من جانبها، كانت السعودية حريصة على عدم إلقاء اللوم الكامل على إيران وأعلنت أن الأسلحة الإيرانية استخدمت في الهجمات لكنها استبعدت النظرية القائلة بأنها انطلقت من اليمن.

بغض النظر عن أصل الطائرات بدون طيار وهوية مرتكبيها، يجب اعتبار هذه الهجمات بمثابة عامل تغيير في السياسة الداخلية السعودية وفي الشؤون الإقليمية والدولية، فالسعودية هي أكبر منتج للنفط في العالم وتعطيل إمداداتها النفطية هو ضربة مباشرة لاقتصادها، وللاستقرار الاقتصادي والسياسي الإقليمي، ولمصير الرخاء والرفاهية العالميين.

وتعد المملكة أيضًا نقطة ارتكاز في السياسة العربية، حيث تشارك في الحفاظ على النظام العربي الراهن وتقود تحالفا يخوض حربًا في اليمن وتؤثر التطورات الاستراتيجية في الخليج العربي والبحر الأحمر، وتوفر الموارد المالية لعدد من الدول العربية، من بين أمور أخرى.

وأصبح استقرار السعودية اليوم وصحة اقتصادها في خطر، خاصة أن المنطقة من حولها تعامي بالفعل من مشاكل لا حصر لها، وقد طلب المركز العربي بواشنطن العاصمة من زملائه الباحثين التعليق على الضربات وتداعياتها على السعودية والمنطقة والمجتمع الدولي وفيما يلي وجهات نظرهم حول هذا الموضوع.

هل تعيد السعودية النظر في حرب اليمن؟

لا تعد الحرب السعودية في اليمن وآثارها المتعدية التي انتقلت عبر الحدود إلى الأراضي السعودية أمرا جديدا، ومع ذلك، فإن الضربات غير المسبوقة التي تبناها الحوثيون ضد المنشآت النفطية في بقيق وخريص من الواضح أنها نقطة تحول في اللعبة من حيث الهدف الاستراتيجي والدقة والأثر العالمي.

ويعد استهداف مجمع بقيق النفطي، على وجه الخصوص، عملا متطورا للغاية يتطلب مهارات تكنولوجية لم تكن حاضرة في الهجمات السابقة على السعودية خلال السنوات الأربع الماضية، وقد سارع الخبراء إلى الإشارة إلى أن المهارات التقنية والمعدات التي من المرجح أن تكون ضالعة في هذا الهجوم ليست متاحة بسهولة للحوثيين أو لأطراف أخرى في اليمن.

تفرض هجمات بقيق سلسلة من التحديات الخطيرة على الحكومة السعودية، وتحديداً على مؤسستها الدفاعية، يتعلق أول هذه التحديات بهوية الجناة، وإذا كان هناك دليل لا جدال فيه على أن أطرافا في إيران أو العراق كان لها يد في التخطيط أو تنفيذ هذا الهجوم، فإن على السعوديين التكيف مع عولمة حربهم في اليمن.

وربما تدفع هذه التطورات المملكة لإعادة النظر في الحرب وأساسها المنطقي وعواقبها، ولكن يبقى أن يجد القادة السعوديون الطريقة المناسبة لإخراج أنفسهم من هناك بطريقة سليمة.

ثانياً، تثير الغارات على المنشآت النفطية السعودية تساؤلات جدية حول موثوقية الدفاعات السعودية ضد الأعداء، المحليين والأجانب، وكأكبر مشترٍ للأسلحة في العالم، يتعين على المملكة أن تفسر مدى ضعف منشآتها النفطية الحيوية على الرغم من إنفاق مئات المليارات من الدولارات على الأسلحة، خاصة من الولايات المتحدة.

فمع 67.6 مليار دولار في الإنفاق العسكري في عام 2018، أي 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، كان بإمكاننا أن نتوقع أن المنشآت النفطية السعودية الحيوية ستكون أكثر أمانا، خاصة ضد أنظمة الأسلحة البدائية نسبيا مثل الطائرات بدون طيار.

ثالثًا، أدى هذا الهجوم إلى حدوث أكبر اضطراب في تدفق النفط من المملكة العربية السعودية منذ عقود، ومن المتوقع أن يكون التعافي أصعب وأبطأ بكثير مما توقعه السياسيون.

ويتوقع الخبراء المطلعون على الأمور في بقيق أن الأمر قد يستغرق شهورا طويلة لإصلاح كافة الأضرار، وسيكون لهذا الاضطراب تأثيرا طويل المدى على كل من الأسواق السعودية والعالمية، بما في ذلك بعض الآثار الخطيرة المحتملة على السياسية السعودية الداخلية، ولا يزال تأثير هذه الأزمة على الخطط الاقتصادية السعودية، بما في ذلك طرح أسهم أرامكو، غير واضح.

كيف تنظر دول الخليج لهذا التطور؟

سوف يراقب القادة في جميع دول الخليج الرد الأمريكي عن كثب بحثًا عن أي علامة على حدوث تغيير في السياسة تحولا عن الافتراض طويل الأمد المتمثل في أن الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها في المنطقة في حالة وقوع هجوم خارجي.

ومع ذلك، فإن سلسلة الهجمات الأخيرة على البنية التحتية للطاقة والشحن في المنطقة قد ركزت العقول على مخاطر وتكاليف الصراع في الخليج، ومن غير المرجح أن يكون هناك أي حماس حقيقي في عواصم الخليج للضربات العسكرية الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية، لذلك سيركز الاهتمام بدلاً من ذلك على نوع الرد الذي تقرر الولايات المتحدة اتباعه.

في الوقت نفسه، يستمر الصدع المستمر داخل مجلس التعاون الخليجي في تقويض قدرة دول الخليج على تقديم جبهة موحدة ضد المعتدين الخارجيين.

قد يستغل صناع السياسة في عواصم الخليج وداخل الحكومة الأمريكية الذين يرغبون في رؤية نهاية لصدع دول مجلس التعاون الخليجي المستمر منذ 27 شهراً، قد يستغلون الفرصة خلال اجتماعات هذا الأسبوع في واشنطن لإعادة طرح فكرة التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط ومضاعفة جهودهم لحل الأزمة الخليجية.

وقد كان من المقرر مناقشة الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع بين أمير الكويت الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح" والرئيس "دونالد ترامب" في 12 سبتمبر/ أيلول، لكن الاجتماع تم تأجيله بسبب مرض أمير الكويت.

وفي الماضي، كانت دول الخليج تتقارب مع بعضهما البعض في مواجهة الضغوط الخارجية، وسيكون من المفيد معرفة ما إذا كان هذا صحيحًا في هذه المناسبة، أو ما إذا كان تصميم القيادة في الإمارات على مواصلة حملتها السياسية ضد قطر سيتجاوز الاعتبارات الأخرى.

ماذا هي التداعيات الإقليمية المحتملة للحادث؟

سيكون أول تداعيات هذه الهجمات هو انهيار نظرية الأمن السعودي في كل من عناصرها، بما يشمل دور مشتريات الأسلحة المتقدمة والثقيلة في صناعة الأمن، ومدى فاعلية الضمان الأمني الأمريكي، وسوف يتجاوز هذا الأمر السعودية إلى الإمارات التي تطور الخلاف السعودي معها بعد انسحابها المعلن من اليمن، ومن المرجح أن تبدأ الإمارات حوارًا منفصلاً مع إيران حتى لا تتعرض لهجمات الحوثيين.

من ناحية أخرى، من المرجح أن يتسع الشق في دول مجلس التعاون الخليجي مع استمرار عمان والكويت - التي استقبلت مؤخرا وزير الخارجية الإيراني - في الابتعاد عن موقف المواجهة مع إيران فما ستصبح البحرين على حافة الهاوية.

بعبارة أخرى، مع تراجع السعودية، سوف تصبح إيران أكثر ثقة من نفسها وستزيد من نفوذها في اليمن وسوريا والعراق، وربما في مناطق أخرى، وبالتالي، قد تزيد روسيا من رهاناتها على إيران كحليف غير معلن في المنطقة وتحديداً في سوريا.

بالإضافة إلى ذلك، قد لا يكون هناك أي تأثير لتهديدات وإعلانات وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" بعد عدم الرد على إسقاط إيران لطائرة أمريكية بدون طيار في يونيو/حزيران الماضي، ومع هذا الموقف الأمريكي غير الملتزم تجاه أمن دول مجلس التعاون الخليجي مثل الإمارات والكويت والبحرين، سوف ترى هذه الدول أنه من الأفضل لها أن تبتعد عن أي تحالفات من شأنها أن تضر بها في النهاية.

وأخيرًا، لن يكون غريبًا جدًا إذا نجحت إيران في دفع رئيس الوزراء العراقي "عادل عبدالمهدي"، غير الملتزم بالمصالح الإيرانية، إلى الاستقالة، وتعيين "هادي العامري"، صديق إيران رئيس وزراء جديدا للبلاد.

هل تستفيد الولايات المتحدة مما حدث؟

يختبر الهجوم غير المسبوق على البنية التحتية النفطية السعودية العلاقات الأمريكية السعودية والتزام البيت الأبيض بردع إيران عسكريا، وفي حسابات التكلفة/الفائدة الخاصة به، لا يرى "ترامب" أي مصلحة في الانجرار إلى حرب مع إيران نيابة عن المملكة العربية السعودية لأن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الشرق الأوسط، الذي يفيد الآن الأسواق الآسيوية بشكل أساسي.

وقد أدت هذه الهجمات على "أرامكو" أيضًا إلى الضغط على الاقتصاد الصيني، وهو ما قد يخدم هدف "ترامب" النهائي في حربه التجارية مع بكين.

ويبدو أن الخط الأحمر الوحيد لـ"ترامب" حتى الآن هو الخسائر البشرية الأمريكية، وسيكون البيت الأبيض مرتاحا في حال دفعت المملكة العربية السعودية ثمن مقاربة "أقصى ضغط" الأمريكية ضد طهران، لكن يبدو أن "ترامب" يرمي الكرة في الملعب السعودي حول ما إذا كان الانتقام من النظام الإيراني مطلوبًا أم لا.

وهذا لا يعني أن البيت الأبيض يترك قرار الحرب والسلام بيد الرياض، لكنه يُظهر أن واشنطن تريد من الرياض أن تأخذ زمام المبادرة في هذا الاتجاه، في وقت تقف فيه القيادة السعودية في موقف دفاعي.

وفي حين يشعر المتشددون في طهران بالقلق من المحادثات الأمريكية الإيرانية المحتملة بعد إقالة "جون بولتون" مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، فإن هذه الهجمات تجعل من الصعب ترتيب الاجتماع بين "ترامب" ونظيره الإيراني "حسن روحاني" في نيويورك خلال هذا الشهر.

علاوة على ذلك، استهدفت (إسرائيل) مؤخرًا الوكلاء الإيرانيين بينما كانت طهران تستهدف شركاء واشنطن في الخليج؛ ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة وإيران غير مهتمتين ببدء حرب مباشرة.

وقد استنفد البيت الأبيض جميع خيارات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي ضد النظام الإيراني، وبالتالي لا يوجد شيء يمكن القيام به أقل من الهجوم العسكري الأمريكي، ويتردد "ترامب" في اتخاذ هذا القرار بينما يواجه الاقتصاد الأمريكي تضخمًا وشيكًا في خضم دورة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وعندما يستقر الغبار، من الصعب تخيل كيف يمكن أن تظل العلاقة بين "ترامب" والقيادة السعودية قوية بعد هذا الهجوم.

ماذا يمكن أن يكون رد الفعل الدولي؟

تعد صادرات النفط السعودية أساسية لتوفير الهيدروكربونات للاقتصاد الدولي، حيث تشكل ما بين 10 و 12% من الإمدادات اليومية، وتذهب معظم الإمدادات السعودية إلى القوى الاقتصادية الشرقية في اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند، بينما تدخل معظم مشتقات النفط في الصناعات التحويلية والأسمدة والمنسوجات وغيرها من الصناعات في جميع أنحاء العالم. 

وسوف تعاني كل هذه المجالات من ارتفاع أسعار النفط بسبب الهجمات، ومع حصول الاقتصاد النفطي السعودي على ضربة قوية تمنعه من استغلال الأسعار المرتفعة، فمن المحتمل أن تتقلص الاستثمارات السعودية في قطاعات مختلفة من الاقتصاد الدولي، بما في ذلك الأدوات المالية الأساسية للمملكة في الاقتصادات الغربية المتقدمة، مما يتسبب في حدوث تباطؤ، وارتفاع في عجز الموازنة، وانخفاض النمو في كل مكان.

على الرغم من احتمال تأجيل هذه العواقب في الوقت الحالي، فإن آثارها المضاعفة ستتسرب ببطء إلى الاقتصادات المحلية والدولية. وتشمل هذه الآثار التجارة والمبيعات العسكرية ومشروعات التنمية والقروض والمنح والتحويلات البنكية، وعناصر أخرى من الاقتصاد المعولم.

بالإضافة إلى تأثير ارتفاع أسعار النفط والميزانيات والاستثمارات السعودية والتباطؤ في الاقتصاد العالمي، هناك احتمال واضح صعب بأن المملكة ستحد من عدد المغتربين الذين يدخلون سوق العمل.

ومع تباطؤ اقتصادها، سيتبعها آخرون في الجوار، ومع اعتماد كل من القطاعين العام والخاص في المملكة والمنطقة على الهبات الحكومية التي ستتقلص نتيجة انخفاض إنتاج النفط سينهي كلا القطاعين حتما عقود العمل لمئات الآلاف، إن لم يكن الملايين من المغتربين، وسيكون لذلك تأثير مدمر، خاصة على الاقتصادات الأقل تقدماً التي تعتمد على التحويلات المالية الأجنبية.

ومن المحتمل أن تشهد بلدان مثل الهند وباكستان وبنغلاديش والفلبين واليمن ومصر تدفقات من العمال العائدين إلى الوطن والذين قد لا يكون لديهم وظائف أو مصادر دخل، ما قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واضطرابات سياسية.

قد يقول البعض إن هذا سيناريو المتشائم قد لا يتحقق، لكن يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن ما سبق، والعديد من المصائب الأخرى التي لم يرد ذكرها هنا، هي احتمالات واضحة لتصاعد الصراع، وهي ليست مجرد احتمالات نظرية لأن السعودية متورطة في الصراع بالفعل.

وفي الواقع، ربما كانت الهجمات على منشآت النفط السعودية مجرد عملية عسكرية رداً على الحرب على اليمن بهدف زيادة ألم والمملكة.

وفي هذا الصدد، سيكون من الجيد للمجتمع الدولي أن يتذكر أن الحرب الاقتصادية لا يمكن أن تؤثر على بقعة في الاقتصاد العالمي دون أخرى، لكنها يمكن أن يكون لها آثار مدمرة في جميع أنحاء العالم.

المصدر | المركز العربي واشنطن دي سي