الاثنين 30 سبتمبر 2019 10:08 م

في الاجتماع السنوي لمجموعة العشرين في "أوساكا" باليابان في يونيو/حزيران، كان ولي عهد المملكة العربية السعودية "محمد بن سلمان" يبتسم أمام الكاميرات بينما يحتل موقع الصدارة بين الرئيس "ترامب" ورئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي"، في صورة جماعية مصممة بعناية.

وكان "بن سلمان" يبتسم ابتسامة عريضة وهو يجلس مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" كما صافح الرئيس الكوري الجنوبي "مون جاي إين" بفرح، بعد أن أبرم البلدان اتفاقات وعقود بقيمة 8.3 مليار دولار.

وكان التعامل الدافئ من قادة العالم مع "بن سلمان" إشارة واضحة إلى أن الأمير الشاب، الذي تحمله وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وتقارير الأمم المتحدة المسؤولية عن القتل الوحشي للصحفي "جمال خاشقجي"، قد تم الترحيب به مرة أخرى، وإن كان على مضض، في المجتمع الدولي. ولم يكن ذلك ممكنا دون دعم "ترامب" ووزير خارجيته "مايك بومبيو".

في حماية "ترامب"

ويصادف يوم الأربعاء المقبل مرور عام على مقتل "خاشقجي"، كاتب العمود في "واشنطن بوست"، على أيدي عملاء سعوديين في قنصلية السعودية في إسطنبول.

وعلى أثر هذه الجريمة، فإن "بن سلمان"، الذي صعد إلى السلطة واعدا بتغيير اجتماعي واقتصادي جذري في واحدة من أكثر دول العالم أهمية من الناحية الاستراتيجية، والذي أشاد به كتاب بارزون ومديرون تنفيذيون أمريكيون باعتباره يبشر بمستقبل مشرق للمملكة العربية السعودية، سرعان ما أصبح منبوذا.

ومع ذلك، تجاهل "ترامب" و"بومبيو" هذه الانتقادات الدولية، وشددا على أهمية علاقات واشنطن مع المملكة.

وبالنسبة لـ "ترامب"، فقد تم تقييم تلك العلاقة مقابل الدولار، ورغم أنه قد وصف الشرق الأوسط مرارا وتكرارا بأنه مكان "شرير"، فقد غض الطرف عن وفاة "خاشقجي" باعتباره حدثا مؤسفا لكنه لا يستحق تكلفة التخلي عن سوق مربحة.

وقال "ترامب" لشبكة "إن بي سي نيوز"، في يوليو/تموز: "لا أحب أن يقول لي شخص أحمق إنه لا يجب علينا التعامل معهم. وإذا لم يتعامل السعوديون معنا فسوف يذهبون إلى الروس أو الصينيين".

وقد أعلن "بومبيو"، الذي لم يكن بهذه الصراحة الفاضحة التي امتاز بها رئيسه، عن وعود بأن تحقق الولايات المتحدة في وفاة "خاشقجي" وأن تحمل جميع الأطراف المسؤولية.

لكن هذه الوعود لم تتحقق إلى اليوم.

وقال "ديفيد أوتاواي"، الخبير في شؤون الخليج العربي في مركز "ويلسون" للأبحاث في واشنطن: "بصرف النظر عن أي تعهدات، كانت استراتيجية بومبيو منذ البداية تتمثل في إنقاذ العلاقات الأمريكية السعودية وإعادة تأهيل سمعة محمد بن سلمان في واشنطن كحليف قيِّم ضد إيران".

وقال "أوتاواي" إن المسؤولين السعوديين كانوا يلعبون نفس اللعبة، على أمل أن الجدل حول مقتل "خاشقجي" سيموت مع الوقت، أو سيتم نسينانه لصالح أحداث أخرى أكثر إلحاحا، مثل الهجوم الصاروخي الإيراني على منشآت النفط السعودية هذا الشهر.

وردا على تلك الهجمات، التي يقول مسؤولون أمريكيون إنها انطلقت من إيران، عزز "ترامب" تواجد القوات الأمريكية في السعودية للدفاع عن حقول النفط.

ونجح "بومبيو" في تحقيق هدفه المتمثل في تثبيت العلاقات الأمريكية السعودية، وإعادة "بن سلمان" إلى الحظيرة الدولية، وتلاشت عناوين الأخبار حول مقتل "خاشقجي"، وتتم محاكمة المسؤولين السعوديين المزعوم تورطهم في الجريمة خلف أبواب مغلقة.

وقد أصبح "بن سلمان" نفسه تدريجيا أكثر لا مبالاة، وفي حديثه أمام الكاميرا في برنامج تابع لمؤسسة "بي بي إس" في سبتمبر/أيلول، تحمل مسؤولية القتل كزعيم لبلده، لكنه لم يعترف بأي دور مباشر في عملية القتل.

وقال "بن سلمان": "أتحمل كل المسؤولية، لأنه حدث أثناء وجودي على رأس المسؤولية".

ودافع مسؤولو وزارة الخارجية، وكلهم تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم، عن "بومبيو"، مشيرين إلى قيود السفر التي أمر بها العام الماضي على 21 شخصا على صلة بقتل "خاشقجي"، وكما قال أحد المسؤولين، لقد دفع وزير الخارجية من أجل "عملية قضائية عادلة وشفافة دون تأخير".

لكن العديد من النقاد سخروا من إجراءات وزارة الخارجية باعتبارها عديمة الجدوى، نظرا لأن المشتبه بهم من غير المحتمل أن يخاطروا بالسفر إلى الولايات المتحدة.

وقال معارض سعودي يقيم في الولايات المتحدة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، متذرعا بالخوف من الانتقام، إن الحكومة السعودية نجت من تبعات مقتل "خاشقجي" لأن إدارة "ترامب" تقف إلى جانب "بن سلمان".

وقال المعارض: "أعتقد أنهم أفلتوا من العقاب".

محاكمة سرية

ولم تفعل إدارة "ترامب" الكثير لإلقاء الضوء على نظام العدالة السعودي الغامض، وبعد مرور عام على وفاة "خاشقجي"، لم يتم إدانة أي مسؤول سعودي واحد أو معاقبته.

وتستمر محاكمة 11 مسؤولا سعوديا، وهي محاكمة بدأت في أوائل يناير/كانون الثاني ولم يسمح للصحفيين أو الجمهور بحضورها، بينما تم السماح للدبلوماسيين الأجانب بالحضور بشرط ألا يكشفوا عن تفاصيل الإجراءات، ومن بين الحضور كان هناك ممثلون عن الولايات المتحدة وبعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى تركيا، وفقا لمسؤولين سعوديين.

ولم تحدد الحكومة السعودية هوية المدعى عليهم. وحصلت "أغنيس كالامارد"، خبيرة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، على قائمة من مصادر حكومية شملت "ماهر مطرب"، وهو ضابط مخابرات سعودي يزعم أنه كان القائد الميداني للعملية، و"صلاح الطبيقي"، أخصائي تشريح الجثث المتهم بتقطيع جثة "خاشقجي"، و"أحمد العسيري"، النائب السابق لرئيس وكالة الاستخبارات السعودية.

ويُقال إن 5 من المدعى عليهم، من بينهم "المطرب" و"الطبيقي"، يواجهون عقوبة الإعدام، وفقا لتقرير "كالامارد" عن مقتل "خاشقجي"، الذي صدر في يونيو/حزيران.

لكن "سعود القحطاني"، أحد كبار المساعدين السابقين لـ"بن سلمان"، المتهم بالمساعدة في التخطيط للعملية التي أدت إلى مقتل "خاشقجي" وإقناع المشاركين في المؤامرة بأن الصحفي كان يمثل تهديدا كبيرا للأمن القومي للمملكة، ليس من بين المدعى عليهم في المحاكمة، وفقا لـ"كالامارد" وغيرها من الأشخاص المطلعين على الإجراءات.

ورفضت الحكومة السعودية الإجابة على أسئلة حول وضعه أو مكان وجوده منذ الإعلان عن فصله من وظيفته كمستشار إعلامي لولي العهد.

وأدى استبعاد "القحطاني" إلى اتهامات بأن الحكومة السعودية تحاكم المسؤولين عن التنفيذ من المستوى الأدنى، لاسترضاء منتقدي المملكة الدوليين، وكتبت "كالامارد" في تقريرها أن "المحاكمة الجارية في السعودية لن تقدم مساءلة يمكن الثقة بها".

مخاوف تحققت

وتصور إدارة "ترامب" مقتل "خاشقجي" على أنه جريمة لم يتم حلها.

وقال مسؤول بوزارة الخارجية: "نواصل البحث عن كل معلومة يمكننا أن نوسع من خلالها معرفتنا بالمشاركين ودورهم في هذا العمل الوحشي".

لكن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لم تغير تقييمها منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأن "محمد بن سلمان" هو من أمر بقتل "خاشقجي"، وفقا لمسؤولين أمريكيين، وهذا التقييم، الذي نشرته "واشنطن بوست" لأول مرة، يعد أوثق ما خرج من الحكومة الأمريكية بشأن الحادث، وزعم "ترامب" خطأ أن وكالة الاستخبارات المركزية لم تتوصل إلى هذا الاستنتاج، وألمح إلى أن الأمر كان لا يزال قيد التحقيق.

وقبل وفاة "خاشقجي" بفترة طويلة، كان مسؤولو المخابرات قلقين بشأن صعود "بن سلمان" السريع في القيادة السعودية، وقبل أن يصبح ولي العهد وريثا للعرش، رأوا أنه يمثل تهديدا مباشرا لـ"محمد بن نايف"، الذي كان يدير وزارة الداخلية السعودية، وكان شريكا مقربا بشكل استثنائي لمسؤولي مكافحة الإرهاب في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

واعتبر بعض مسؤولي الاستخبارات "محمد بن سلمان" تهديدا لعلاقاتهم بهيكل السلطة السعودي، وشككوا في أنه سيتصرف وفقا للمصالح الأمريكية، ورأوا أنه شخص غير منضبط ومتهور، وكانوا يعتقدون أنه كان لديه ميل مفرط لتبسيط ديناميات القوة في الشرق الأوسط.

وأبدى مسؤول استخباراتي أمريكي في حديث خاص مخاوف مراقبي السعودية الآخرين قبل أن يصبح "بن سلمان" وليا للعهد، وأبدى المسؤول قلقه من أن يضلل "بن سلمان" صهر الرئيس وكبير مستشاريه "جاريد كوشنر"، الذي تم تكليفه بوضع استراتيجية سلام في الشرق الأوسط.

وعقد "بن سلمان" و"كوشنر" اجتماعات خاصة أثارت قلق المسؤولين الأمريكيين، ويشعر بعض الأمريكيون بالقلق من أن "بن سلمان" قد حاول التأثير على "كوشنر" والتحكم في سياسة الولايات المتحدة.

ومنذ ذلك الحين، يعتقد بعض المسؤولين أن مخاوفهم قد تحققت، فالولايات المتحدة متورطة في مواجهة متوترة مع إيران، العدو الرئيسي للمملكة العربية السعودية، ويواصل "بن سلمان" حربه الدموية في اليمن، التي تسببت في معاناة إنسانية ذات أبعاد تاريخية.

دعم "ترامب" المكلف

وساعدت إدارة "ترامب" في إعادة تأهيل صورة "بن سلمان" على الساحة العالمية، لكن هذا الدعم جاء بثمن سياسي.

وبعد مقتل "خاشقجي" انتقد جمهوريون في الكونغرس الإدارة بسبب دعم الولايات المتحدة للحرب السعودية في اليمن.

وفي أبريل/نيسان، اضطر "ترامب" إلى استخدام حق النقض ضد قرار من الحزبين لوقف التدخل العسكري الأمريكي في اليمن. 

وقال "بروس ريدل"، المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والمراقب منذ فترة طويلة للعلاقات السعودية الأمريكية: "إن رد الفعل ضد المملكة واشنطن غير مسبوق"، وأضاف: "كان لدى المشرعين بالفعل مخاوف بشأن الحرب في اليمن، وكذلك بعض حملات بن سلمان الأخرى، بما في ذلك الحصار المفروض على قطر، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، حملته القمعية ضد منافسيه السياسيين في الرياض تحت ستار مكافحة الفساد، لكنهم تراجعوا عن اتخاذ أي إجراء".

لكن مقتل "خاشقجي" حطم السد، وقال "ريدل": "أعتقد أن ترامب لم يكن ليواجه هذه المعارضة القوية في الكابيتول هيل بدون قضية خاشقجي".

ومن شأن مشروع قانون الإنفاق الدفاعي المعلق في الكونغرس أن يقيد مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى المملكة، حيث يطلب من الإدارة تقديم تقرير علني عن وفاة "خاشقجي"، وإذا بقيت هذه الأحكام، فقد يواجه "ترامب" الحاجة إلى استخدام حق النقض "الفيتو" ضد قانون الإنفاق العسكري.

وبينما يبدو "بن سلمان" على المدى القصير جاهزا للظهور مرة أخرى، تبقى التوقعات طويلة الأجل للمملكة مرتبكة وغامضة، وقال المعارض السعودي: "لم تعد السعودية قضية وطنية أمريكية لجميع الأطراف، لكنها مرتبطة الآن بدعم ترامب فقط، وبمجرد أن يخسر ترامب، أو تنتهي ولايته، يبدو أن الضغط على السعودية سيكون قاسيا".

وفي الوقت نفسه، لم تتلاش جريمة قتل "خاشقجي" تماما من الذاكرة، فلا يزال مقتله بمثابة صرخة حاشدة لناشطي حقوق الإنسان، وتبقى قصته مصدر إلهام مستمر للصحفيين والناشطين.

قد يرغب "ترامب" في نسيان "خاشقجي"، لكن العالم لن يفعل.

وقد قال "ريدل": "يطارد شبح خاشقجي السعودية حتى يومنا هذا".

المصدر | شين هاريس وجون هودسون - واشنطن بوست