الخميس 3 أكتوبر 2019 05:57 م

"انظر العصفور".. عبارة، طالما استخدما الآباء لإلهاء أطفالهم عن ما يرونها "محظورات"، لكنها تحولت، بتقادم الزمن، إلى نهج سياسي تتبناه أنظمة القمع الاستبدادية للإلهاء عن ما تواجه من "تهديدات"، وفي هذا الإطار جاءت تحليلات العديد من مراقبي الشأن السعودي لإعلان إدارة التجنيد بوزارة الدفاع عن فتح باب القبول في الجيش للنساء، للحصول على الرتب العسكرية لأول مرة.

فالإعلان عن دخول النساء إلى معترك الحياة العسكرية بالسعودية ليس جديدا في حد ذاته، كما أن مسار الإجراءات الخاصة بتمكين المرأة في المملكة وفقا لرؤية 2030 الاستراتيجية، التي يتبناها ولي العهد "محمد بن سلمان"، ليست جديدة أيضا، إلا أن توقيت الإعلان ومضمونه قدما مؤشر الإلهاء المفترض بحسب التحليلات.

أما من زاوية المضمون، فإن تجنيد النساء يجري للمرة الأولى بالنسبة لقطاعات القوات المسلحة السعودية بأفرعها الأربعة، ما يؤشر إلى رغبة في إحداث تغييرات بنيوية بجيش المملكة على المدى المتوسط والبعيد، إضافة إلى تلك الاجتماعية والاقتصادية وفقا لرؤية 2030.

وأما من زاوية التوقيت فقد جاء الإعلان عن قبول تجنيد النساء بعد أيام من بث قناة المسيرة، التابعة لجماعة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيين) مقاطع مصورة لأكبر عملية عسكرية أدارتها بمحور نجران، جنوبي المملكة، وأسفرت عن خسائر فادحة بصفوف القوات السعودية والقوات اليمنية المتحالفة معها، شملت مئات القتلى والجرحى.

ورغم محاولة المتحدث باسم التحالف ؛"تركي المالكي"، التشكيك في صدقية ما بثه الحوثيون، إلا أن تكبد قطاع النفط السعودي خسائر فادحة جراء الهجمات التي تعرضت لها منشآت شركة أرامكو، شرقي المملكة، في 14 سبتمبر/أيلول الماضي، يدعم ترجيح اقتراب قدرة الردع السعودية إزاء ميليشيات مدعومة إيرانيا من الصفر.. فماذا لو كانت المواجهة مع إيران مباشرة؟

  • هزيمة عسكرية

التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن غير قادر إذن على الحسم العسكري في اليمن، بل غير قادر على الدفاع عن عمق المملكة، وهو ما عبر عنه وزير الدولة للشؤون الخارجية، "عادل الجبير"، صراحة، قائلا لوكالة رويترز: "من الصعب للغاية رصد أجسام صغيرة تطير على ارتفاع 300 قدم"، في إشارة إلى طائرات الحوثيين المسيرة.

من هنا كانت مؤشرات انتقال السعودية من اعتماد القوة الخشنة بسياستها الخارجية إلى استراتيجية "دبلوماسية ناعمة"، عبر عنها "بن سلمان" في حواره الأخير مع برنامج "60 دقيقة"، على شبكة CBS الأمريكية، معلنا تأييد السعودية لصفقة نووية جديدة بين واشنطن وطهران، وقبوله للتفاوض من أجل حل سياسي مع الحوثيين.

لكن الوصول إلى لملمة "الهزيمة العسكرية" باتفاقات سياسية، تحمل الحد الأدنى من المتطلبات السعودية غير ممكن دون إسناد "غربي"، ويمثل ملف "تمكين المرأة" بالمملكة أحد المفاتيح المهمة لهكذا إسناد، إذ يظهر "بن سلمان" بصورة القائد الإصلاحي في مواجهة قوى التشدد الديني.

في هذا السياق جاء مضمون وتوقيت إعلان وزارة الدفاع السعودية، بشأن تجنيد النساء لأول مرة، غير أن 3 تهديدات أخرى، داخلية وخارجية، لا تزال عقبة أمام الاتجاه السعودي الجديد، أهمها وأصعبها يتمثل في "الصورة الحقوقية" للمملكة عالميا، والتي باتت ملطخة تماما بعد جريمة اغتيال الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي"، داخل القنصلية السعودية بإسطنبول، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، وتوالي التقارير الغربية بشأن تعذيب ناشطات حقوق المرأة السعوديات، مثل "لجين الهذلول"، بمعتقلات المملكة.

  • سيناريو مقنع

سيكون لزاما على "بن سلمان" تقديم "إغلاق مقنع" لقضية "خاشقجي" أمام الرأي العام الدولي، خاصة في ظل غياب أي رواية سعودية رسمية بشأن مصير جثة الكاتب الصحفي المغدور حتى الآن، ولا تشي التطورات بأي مؤشر على حدوث ذلك، إذ اكتفى ولي العهد السعودي، في حوار CBS، بتأكيد تحمله المسؤولية السياسية عن وقوع الجريمة عبر مسؤولين حكوميين تحت إدارته، مع مواصلة إنكاره أي صلة له بالجريمة.

هذا الإنكار لن يكون مقنعا في قضية "لجين" وأخواتها أيضا، خاصة في ظل نقل شهادات متواترة لهن عن مشاركة المستشار السابق بالديوان الملكي، "سعود القحطاني"، المقرب من "بن سلمان"،  في تعذيبهن.

لكن "بن سلمان" بدا ماضيا في تسويق رواية "العملاء المارقين" أيضا في قضية الناشطات المعتقلات، وهو ما عبر عنه في حواره مع الشبكة الأمريكية، مؤكدا أن التعذيب ضد مبادئ الإسلام، وأنه سيتابع التقارير بشأن وقائعه في المعتقلات السعودية بنفسه.

وإذا كان ولي العهد السعودي يعتمد في هكذا تسويق بالأساس على غياب الدليل القطعي على "صدور الأمر" بالتعذيب منه شخصيا، فإن الاطئمنان إلى غياب مماثل للدليل في قضية "خاشقجي" محل شك كبير، خاصة في ظل امتلاك وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA لتسجيلات تشير تقارير غربية متواتر إلى تضمنها إثباتا بـ "الآمر" بقتل الصحفي السعودي المغدور.

ولم يحل دون الإقرار الرسمي بمحتوى هذه التسجيلات سوى موقف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الذي دافع مرارا عن "بن سلمان"، بحجة حاجة الولايات المتحدة الاقتصادية للشراكة مع السعودية من جانب، وإلى صورة "قائد المملكة الإصلاحي" الذي يمكن النساء ويدعم الاعتدال من جانب آخر.

وإزاء ذلك، أشار تحليل لصحيفة لوفيغارو، أمس الأربعاء، إلى أن "بن سلمان" يريد ضمان غلق ملف قضية "خاشقجي" قبل هزيمة محتملة لـ "ترامب" بالانتخابات الرئاسية المقبلة.

وربطت الصحيفة الفرنسية بين هذا التوجه وبين مقتل "عبدالعزيز الفغم"، الحارس الشخصي للعاهل السعودي "سلمان بن عبدالعزيز"، في 29 سبتمبر/أيلول الماضي، ورجحت أن يكون "بن سلمان" وراء "اغتيال" الحارس؛ في ظل تهافت الرواية الرسمية بشأن مقتله في "شجار" مع أحد أصدقائه. 

وبحسب "لوفيغارو" فإن صعود "بن سلمان" من ولاية العهد إلى منصب الملك هو ضمانه الوحيد في مواجهة سيناريو هزيمة "ترامب" بالانتخابات، والاعتراف الرسمي بمضمون أدلة التسجيلات الخاصة باغتيال "خاشقجي" من جانب البيت الأبيض.

ويعزز من ترجيح هكذا تحليل سعي الكونغرس الأمريكي للضغط باتجاه كشف محتوى مكالمات "ترامب" مع عدد من زعماء العالم، بعد جدل واسع أثارته مكالمة له مع الرئيس الأوكراني؛ "فلاديمير زيلينكسي"، واعتبرها الديمقراطيون تحريضا لتشويه منافسه المحتمل بالانتخابات المقبلة "جو بايدن".

فإذا أصبح "بن سلمان" ملكا، فلن يمكن عزله على الأرجح، ومن هنا جاء ترجيح لوفيغارو لتفسير المؤامرة في مقتل "الفغم".

  • انتفاضة مكبوتة

يحتاج "بن سلمان" أيضا إلى إسناد غربي في مواجهة تهديد ثالث، يتمثل في انتفاضة مكبوتة للأمراء المعارضين له من الأسرة المالكة (آل سعود)، والتي اعتادت مشاركة الحكم في عهد الملوك السابقين، وفق صيغة أفقية لتوزيع المناصب، قبل صعود ولي العهد إلى سدة السلطة، بعد إزاحته لولي العهد السابق "محمد بن نايف"، ليصبح الحاكم الفعلي للبلاد، ويقر قبضة مركزية في إدارة الدولة بعيدا عن صيغة حكمها القديمة.

وبلغت هذه المركزية إلى حد دفع العديد من المراقبين للحديث عن انتقال المملكة من الحقبة السعودية إلى الحقبة "السلمانية"، خاصة بعد سجن وتعذيب العديد من الأمراء في حملة اعتقالات شنتها السلطات، في  4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، بزعم مكافحة الفساد.

ويمثل ملف "تمكين المرأة" هنا مدخلا للإسناد الغربي المنشود أيضا، إذ طالما انتقدت تقارير غربية "بن نايف" لحرصه على علاقة وطيدة بالمؤسسة الدينية التقليدية (السلفية) بالسعودية، رغم الإشادة بإنجازاته الأمنية خلال توليه وزارة الداخلية.

ويقدم "بن سلمان" نفسه باعتباره القائد الذي يتجه بالسعودية بعيدا عن توجهات التيار السلفي الوهابي بالمملكة، وعن صيغة الحكم التوافقية معه.

  • تراجع الاقتصاد

أما رابع التهديدات أمام "بن سلمان"، فيتمثل في التراجع الاقتصادي الذي أظهرته البيانات الحكومية الأخيرة، وتوقع وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية، في 27 سبتمبر/أيلول الماضي، لانكماش الناتج المحلي السعودي بنحو 0.4% هذا العام، متأثرا في الأساس بهجمات أرامكو، والمخاطر الجيوسياسية أمام تأمين نقل النفط بالخليج على خلفية التوتر بين الرياض وطهران.

وفي الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، انخفضت الصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية) بنسبة 6% إلى 156.6 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات 5.5% إلى 86.2 مليارا، كما هبطت قيمة الصادرات النفطية للسعودية بنسبة 6% إلى 121.4 مليار دولار.

ولذا يعول "بن سلمان" على خطة حكومية لدعم عمل المرأة، بعد عقود اتُهمت فيها المملكة بتقويض عمل النساء وتهميش دورهن، ضمن "رؤية 2030"، التي تعتمد على إدخال النساء إلى سوق العمل وجذب الاستثمارات للتعويض عن تراجع أسعار النفط.

وفي هذا الإطار، أعلن مكتب النائب العام السعودي في وقت سابق أنه سيعين نساء في وظيفة محقق للمرة الأولى، كما أعلنت دائرة الجوازات أنها تلقت 107 آلاف طلب لتولي 140 وظيفة شاغرة ومخصصة للنساء في المطارات والمعابر الحدودية.

ويتطلب جذب الاستثمارات تشجيع السياحة، وهو ما ربطه "بن سلمان" بوضوح في خطته، عبر إعلان الحكومة مؤخرا أن السلطات لن تطالب الأجنبيات بارتداء "العبايات"، لأنها تخلت عن قواعدها "الصارمة" الخاصة بزي المرأة الأجنبية، وفقا لما أورده موقع بلومبرغ الأمريكي.

ومن شأن هكذا قرار إحداث تحول اجتماعي كبير تفرضه السلطات، إذ سيبدو مشهد السائحات الأجنبيات يتجولن في شوارع الرياض دون عبايات أمرا مثيرا للجدل.

لم يعد أمام "بن سلمان" الكثير من أوراق اللعب بعد فضيحة اغتيال "خاشقجي" وتطورات اليمن، غير أن ملف الإصلاحات الخاصة بتمكين النساء لا تزال ورقته الأهم في مواجهة تهديدات سلطته.. فهل يربح؟ ربما تحمل الأيام التالية لانتخابات الرئاسة الأمريكية الخبر اليقين. 

المصدر | الخليج الجديد