الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 07:15 م

في العام الماضي، أعربت منظمات حقوق الإنسان والحكومات الغربية عن غضبها بعد أن نشرت تقارير معلومات حول "حملة تطهير" من قبل الحكومة الصينية في إقليم شينجيانج غربي الصين. ومثل احتجاز ما يقرب من مليون مسلم، معظمهم من أقلية "الإيجور"، تحت ستار مكافحة التطرف والإرهاب داخل المجتمعات الإسلامية في الصين، صدمة لدى الكثيرين في الغرب. وشملت أجندة الرئيس "شي جين بينج" الهادفة لـ"تصيين الإسلام"، أي صناعة نسخة صينية من الدين في بلاده، إجراءات مثل حظر الأذان وهدم قباب المساجد والمآذن، ومنع المنتجات الغذائية "الحلال"، وتجريم الكتابة باللغة العربية.

ومن الطبيعي الافتراض بأن الحكومات في العالم العربي والإسلامي ستتحدث دفاعا عن حقوق المسلمين في شينجيانج. ومع ذلك، على الأقل رسميا، لم تصرح جميع حكومات الدول ذات الأغلبية المسلمة تقريبا بأي شيء ضد الصين وسياساتها فيما يتعلق بالإيجور، بل دافع الكثير منهم عن بكين فيما يتعلق بسجلها في مجال حقوق الإنسان في "شينجيانج".

وكان لدى هذه الحكومات الكثير من الحوافز لتجنب إدانة انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانج، وفي مقدمتها العلاقات الاقتصادية القوية بين الصين ومعظم الدول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وكان من شأن انتقاد الصين أن يعرض العلاقات المتعمقة لهذه الدول مع بكين للخطر في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد؛ حيث تعد الصين قوة صاعدة بشدة. علاوة على ذلك، اتخذ المسؤولون السعوديون والمصريون خطوات مثل تسليم الإيغور إلى الصين، وإصدار بيانات لإظهار الدعم لحملة بكين "لمكافحة التطرف" في شينجيانج.

وردا على رسالة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقّعت عليها 22 حكومة منتخبة ديمقراطيا وتضمنت إدانة السلطات الصينية لاحتجازها عددا كبيرا من مواطنيها المسلمين في معسكرات "إعادة التعليم" و"إعادة التأهيل"، وقعت 37 حكومة، بما في ذلك جميع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، خطابا بديلا في 12 يوليو/تموز أعربت فيه تلك الدول عن دعمها القوي لبكين في هذه القضية. وأظهرت هذه الدول الـ37 التزامها بالامتناع عن إصدار انتقادات أو أي إدانة لمعاملة بكين للإيجور باعتبارها مسألة صينية داخلية.

  • تراجع قطر

ومع ذلك، كما ذكرت "بلومبرج" في أغسطس/آب، فإن قطر سرعان ما غيرت موقفها وقامت بحذف نفسها من خطاب 12 يوليو/تموز. وقال المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة: "مع مراعاة تركيزنا على التسوية والوساطة، نعتقد أن المشاركة في الرسالة المذكورة أعلاه من شأنه أن يهدد أولويات سياستنا الخارجية الأساسية. وإننا نحن نود أن نحافظ على موقف محايد، وأن نقوم بدورنا في تقديم خدمات الوساطة والتسهيل".

وعلى الرغم من أن القيادة في الدوحة امتنعت عن انتقاد الصين صراحةً بشأن ملف شينجيانج، إلا أن قرار قطر برفع اسمها من الخطاب الداعم لبكين كان في حد ذاته بيانا. وحاز قرار الدوحة الثناء من نشطاء الإيجور ومنظمات حقوق الإنسان في الغرب، في خضم انتقاداتهم القوية لحكومات الدول ذات الأغلبية المسلمة؛ بسبب صمتها عن "حملة التطهير" الصينية في شينجيانج، فضلا عن دفاعهم عن الصين.

وكما كتب "جيمس دورسي"، فإن الاختلاف بين قطر وباقي دول المجلس الخليجي "يقول الكثير عن المقاربات المختلفة جوهريا بين قطر ومنتقديها الرئيسيين، الإمارات والسعودية، في خضم السير نحو نظام عالمي جديد غير ليبرالي ناشئ تُداس فيه حقوق الأقليات". وفي الواقع، كان هذا التراجع من جانب الدوحة مثالا على تحول قطر من كونها مجرد "عضو عادي في مجلس التعاون الخليجي"، وكيف أصبحت الإمارة واثقة بشكل متزايد في قدرتها على سياستها الخارجية خارج المدار الجيوسياسي للسعودية. وبالنسبة للقطريين، جعل الانسحاب الرسالة الموقعة من 36 دولة أخرى سردية الدوحة فيما يتعلق بالحقوق والعدالة الاجتماعية أكثر مصداقية.

وبينما تقع قطر تحت الحصار المفروض من قبل جيرانها العرب المباشرين بالإضافة إلى مصر، روج المسؤولون في الدوحة لهذا العداء كنتيجة للسياسة الخارجية القطرية التي تعزز الانفتاح والتعددية والشمولية في الشرق الأوسط الكبير. وهكذا، من خلال حذف نفسها من هذه الرسالة التي أعربت عن دعم سجل الحكومة الصينية في مجال حقوق الإنسان، كانت قطر ترسل رسالة مفادها أن أفعالها توافق حديثها فيما يتعلق بمثل هذه القضايا، وأن القيم والأفكار والمعايير هي ما تشكل سياسة الدوحة الخارجية.

  • حدود النفوذ

لكن إلى أي مدى ستذهب قطر لتحدي الصين في محنة مسلمي الإيجور؟ حسنا، لا يزال يتعين علينا أن نرى. ومما لا شك فيه أن هناك توازنا يتعين على قطر أن تحققه بين مصالحها مع الحكومات الغربية التي وقعت الرسالة المزعجة للأنظمة الاستبدادية، ومصالحها في تعزيز الشراكات مع الحكومات غير الغربية في البلدان مثل الصين وروسيا والهند وغيرها. ومع ذلك، فإن مثل هذه العلاقات الاقتصادية الوثيقة، حيث أصبحت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لقطر في العام الماضي، لم تمنع الإمارة من تصحيح موقفها وسحب توقيعها على الرسالة التي تدافع عن "معسكرات إعادة التأهيل" في شينجيانج.

وفي النهاية، توجد العديد من الأسئلة المفتوحة حول الدوافع الحقيقية لتبديل قطر موقفها من انتهاكات حقوق الإنسان في الصين في شينجيانج. ويشك بعض المحللين في أن الغرض من ذلك هو تعزيز علاقاتها مع الحركات الإسلامية العالمية. ومع ذلك، فقد أكسب قرار قطر الإمارة المزيد من رصيد النوايا الحسنة في الغرب، وقد يؤدي في النهاية إلى الضغط على بكين لإعادة النظر في سياساتها، خاصة إذا اعتقدت حكومات أخرى في العالم الإسلامي، لأي سبب، أن الوقت قد حان للتخلي عن دفاعها عن الجهود التي تبذلها الحكومة الصينية لـ "تصيين" الإسلام.

المصدر | جورجيو كافييرو - إنسايد أرابيا