السبت 2 نوفمبر 2019 12:05 ص

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كان ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، في وضع لا يحسد عليه، في ظل ترقب ومتابعة بصدمة واستياء للتسريبات حول تفاصيل عملية اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، في قنصلية بلاده في إسطنبول.

إلا أنه وبعد مرور عام، بات "بن سلمان" أكثر ارتياحا، وهو ما ظهر جليا في نسخة هذا العام من مؤتمر "دافوس الصحراء"، مقارنة بنسخة العام الماضي، التي لم تحظ بنجاح مع انسحاب عدة مشاركين بسبب قضية "خاشقجي".

هذا الارتياح، جعل "دوتشيه فيليه"، لتصوير ما جرى هذا العام في "دافوس الصحراء"، بأنه بمثابة مرآة لصورة "بن سلمان" بعد عام من مقتل "خاشقجي".

ونقلت تقارير، أنّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، رجّحت بأن يكون "بن سلمان" الذي يتمتع بنفوذ واسع في دوائر صنع القرار في الحكومة السعودية، أمر بتنفيذ عملية القتل.

ويعتبر مؤتمر "دافوس الصحراء"، الذي يعرف رسميا، باسم "مبادرة الاستثمار في المستقبل"، بمثابة الحدث الاستثماري السنوي الرئيسي للمملكة.

وانطلق المؤتمر في 2017 بمبادرة من "بن سلمان"، بعد توليه منصب ولي العهد في السنة نفسها.

  • أكتوبر 2018

العام الماضي، وكلما أُميط اللثام أكثر عن ملابسات وحيثيات الجريمة كلما تزايد الغضب، ضد "بن سلمان".

وكان على المتنفذ الأول في مملكة "آل سعود"، تحمل الانتقادات والاستياء الذي لطخ صورة البلاد ككل، ووصل إلى حد مقاطعة نسخة 2018، من مؤتمر "دافوس الصحراء"، التي نظمت بعد الجريمة بمدة قصيرة.

الاستياء من "بن سلمان"، لم يتوقف عند سحب جهات ودول لمشاركتها، التي كانت مقررة في نسخة 2018، من مؤتمر "دافوس الصحراء"،  حيث تناقلت وسائل إعلام صورا يظهر فيها ولي العهد السعودي "منعزلا ومنبوذا"، وسط زعماء العالم، خلال مشاركته في قمة العشرين بالعاصمة الأرجنتينية بعد حوالي شهرين من مقتل الصحفي السعودي.

وذهبت التوقعات إلى التنبؤ بأن هذه الجريمة "قد تكون نهاية المستقبل السياسي لولي العهد الشاب".

  • أكتوبر 2019

لكن الغضب تناقص على ما يبدو، وتغلبت المصالح الاقتصادية والصفقات المهمة على المواقف الناقدة للرياض، وانطلقت نسخة هذا العام من المؤتمر في أجواء مختلفة عن سابقتها، لدرجة أن بعض المراقبين ذهبوا إلى اعتبار المؤتمر "انتصارا لولي العهد".

ومن أبرز المشاركين في نسخة هذا العام رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي"، ورئيس البرازيل "جايير بولسونارو".

كما ألقى العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني"، خطابا في المؤتمر.

وبعدما قاطعت إدارة الرئيس الأمريكي؛ "دونالد ترامب"، النسخة الماضية، بدت ممثلة بشكل مهم هذه السنة، فقد قاد وزير الخزانة الأمريكي "ستيفن منوتشين"، وفداً أمريكيا بارزا يضم "جاريد كوشنير"، صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره الذي تجمعه علاقات وطيدة بالرياض، ويوصف بأنه مهندس "صفقة القرن".

من أبرز الشخصيات المشاركة أيضا في المؤتمر هذه السنة رئيس البنك الدولي؛ "ديفيد مالباس".

كما تشارك شخصيات أخرى، كانت قد سحبت مشاركتها العام الماضي، ومن بينها رؤساء مؤسسات "كريدي سويس" و"بلاكستون" و"بلاك روك".

وحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد وصل الإقبال الكبير على المؤتمر هذه السنة، إلى حد حجز فنادق الرياض بالكامل.

وقال المنظمون، إنّ نحو 300 متحدث من 30 دولة، بينهم مسؤولون أمريكيون ورؤساء مصارف وصناديق مالية سيادية، حضروا الحدث السنوي الذي يهدف إلى إبراز المملكة كوجهة استثمار ديناميكية.

  • مقاطعة مستمرة

من جهة أخرى، استقرت بعض الجهات على رأيها فيما يخص مقاطعة المؤتمر، ومن أبرز الوجوه في هذا السياق، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبر".

وعلى صعيد ألمانيا، تعتبر شركة "زيمنس" أبرز المقاطعين هذه السنة، فبعدما سحبت مشاركتها السنة الماضية في آخر لحظة استجابة للضغوط بسبب مقتل "خاشقجي"، لم تسجل أصلا للمشاركة في نسخة العام الحالي، لكن وسائل إعلام ألمانية تحدثت عن إمكانية مشاركة بتمثيل أدنى من الشركة من خلال فرعها للشرق الأوسط.

يشار إلى أن الرؤساء التنفيذيين لـ"دويتشيه بنك"، و"جيه بي مورغان تشيس"، و"بلاك روك إنك"، ورئيسة بورصة نيويورك "ستيسي كنينغهام"، والرئيس التنفيذي لبورصة لندن "ديفيد شويمر"، غابوا عن المنتدى في نسخته الثانية.

ويعتبر البعض أن "ترامب"، كان له الفضل في فك عزلة "بن سلمان"، بعد العزلة التي تسببت فيها قضية "خاشقجي".

  • استثمارات ضئيلة

وعلى الرغم من هذه المشاركة، لم تتجاوز قيمة الاستثمارات التي أعلنت عنها السعودية، خلال المؤتمر، الـ20 مليار دولار، في حين بلغت العام الماضي عن استثمارات بقيمة 56 مليار دولار انتزعت "أرامكو" أغلبها.

والجمعة، نقلت "رويترز" عن الباحث الكبير في مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية البريطانية؛ "نيل كويليام"،  الذي حضر المنتدى، قوله: "كان الإعداد لهذه النسخة من مبادرة مستقبل الاستثمار يوحي كما لو أن المملكة على وشك أن تشهد تحسنا مع بدء المستثمرين في إلقاء نظرة أخرى على الفرص، بالرغم من أن الكثيرين فضلوا أن يظلوا بعيدين عن الأضواء".

وأكد بعض المشاركين، الذين تحدثوا بشرط عدم نشر أسمائهم، أن حالة عدم الارتياح استمرت فيما يتعلق بمقتل "جمال خاشقجي".

وقال مسؤول تنفيذي يعمل في أوروبا: "لا أعتقد أن أيا منا يشعر بأن جميع الأمور عادت إلى طبيعتها.. لا تزال هناك الكثير من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها".

لكنه أضاف أن المنطقة مهمة للتقنيات التحولية.

  • عين على "أرامكو"

ويأتي مؤتمر "دافوس الصحراء"، ومبادرات أخرى أطلقها ولي العهد السعودي، في إطار تنويع اقتصاد المملكة أكثر، وتشجيع الاستثمار فيها، لكن هذه الإجراءات تصطدم أحيانا بقرارات أو أحداث كمقتل "خاشقجي"، وقبلها حملة احتجاز المئات من رجال الأعمال السعوديين منهم أمراء في فندق "الريتز كارلتون"، الفخم في 2017 وغيرها.

كما أن الغموض يلف مستقبل أكبر وأهم شركة في المملكة "أرامكو"، التي تخطط، حسب قناة "العربية"، لطرح أسهمها للاكتتاب العام في الرابع من ديسمبر/كانون الأول المقبل، على أن يبدأ التداول في السوق المالية المحلية بعد أسبوع من ذلك.

وقالت القناة نقلا عن مصادر (لم تسمها)، إنّ هيئة سوق المال السعودية ستعلن عن تفاصيل اكتتاب "أرامكو"، الأحد المقبل، وستحدّد "النطاق السعري" لطرح الشركة العملاقة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

ولطالما شكلت مسألة قيمة أسهم الشركة موضوع جدل خاصة بعدما استهدف هجوم في وقت سابق من هذه السنة منشأتين تابعتين للشركة لتسبب بخسائر ضخمة للاقتصاد السعودي.

  • إجراءات سطحية

ويواصل الأمير السعودي، حملة انفتاح غير مسبوقة في المملكة، تندرج ضمن خطته الاقتصادية الطموحة 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل في المملكة وخفض الاعتماد على النفط.

لكن القرارات الجريئة التي اتخذها في إطار هذا الانفتاح كالسماح للنساء بقيادة السيارة ورفع وصاية الرجل عليها في عدد من المجالات وإقامة حفلات فنية مختلطة وإطلاق فيزا سياحية، وإن حظيت بترحيب من البعض، إلا أنها ووجهت بانتقادات تعتبرها إجراءات سطحية، تهدف إلى تجميل واجهة المملكة وليس إصلاحات حقيقية.

وإن كان الانفتاح الذي يقوده "بن سلمان"، غير مسبوق، فالقمع الذي يواجَه به منتقدوه يوصف من معارضيه بأنه "غير مسبوق" أيضا.

إذ يتزايد عدد معتقلي الرأي الذين يزج بهم في سجون المملكة لمجرد انتقادهم لقرار من قرارات الأمير الشاب أو حتى شخصيات أو مؤسسات قريبة منه.

  • صمت وتواطؤ

من جانبها، وصفت المقررة الأممية المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء "أجنيس كالامارد"، بعض مشاهد من المنتدى بـ"الصمت والتواطؤ"، في إشارة لاذعة منها حتى للصحفيين الذين يديرون حلقات النقاش داخل المنتدى.

كما انتقدت في تغريدة لها عبر حسابها بموقع "تويتر"، تجاهل كما قالت "صراخ من تعرضوا للتعذيب.. ودون أن يزعجهم مقتل جمال خاشقجي".

وقبل أيام، أعربت "كالامارد" عن أسفها الشديد إزاء ما اعتبرته "تردد الأمين العام أنطونيو غوتيريش" وآخرين داخل المنظومة الأممية عن المضي قدما في التحقيقات التي أجرتها في مقتل "خاشقجي".

وقالت "كالامارد" في مؤتمر صحفي عقدته بالمقر الدائم بالأمم المتحدة بنيويورك: "بعد التحقيقات التي أجريتها في مقتل خاشقجي، خلصت إلى أن هناك ترددا من قبل الأمم المتحدة في اتخاذ موقف شجاع ودفع هذه التحقيقات خطوة إلى الأمام".

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول 2018، قتل "خاشقجي" داخل قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول، وباتت القضية من بين الأبرز والأكثر تداولا في الأجندة الدولية منذ ذلك الحين.

وعقب 18 يوما على الإنكار، قدمت خلالها الرياض تفسيرات متضاربة للحادث، أعلنت المملكة مقتل "خاشقجي" إثر "شجار" مع أشخاص سعوديين، وتوقيف 18 مواطنا في إطار التحقيقات، دون الكشف عن مكان الجثة.

المصدر | الخليج الجديد + دوتشيه فيليه