الجمعة 29 نوفمبر 2019 02:55 م

من العادي جدًا أن تجد في أيّ مكان بالعالم السلع الصينية، حتى في الدول المتقدمة، فالتنين الصيني استطاع النفاذ إلى أقوى اقتصادات العالم.

لكن في العالم الإسلامي، حيث تضعف المقاومة الاقتصادية المحلية، ويصير المواطن مرتهن لما يُصنع في الصين، قد تجد الحكومات نفسها أمام ضرورة خلق علاقات قوية مع المارد الصيني.

من هنا، تبدأ أول فصول فهم "الصمت الإسلامي" على تضييق بكين على أقلية الأويجور المسلمة، في إقليم شينجيانج.

ومع التسريبات الجديدة التي نشرها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، حول قيام السلطات الصينية بعمليات "غسيل دماغ" لمئات الآلاف من المسلمين المعتقلين، تتضاعف الأسئلة حول صمت دول إسلامية، حتى تلك التي رفعت صوتها بالدفاع عن قضايا دينية.

وفي وقتٍ حظرت فيه واشنطن إصدارات تأشيرات لمسؤولين صينيين لهم صلة بعمليات الاعتقال، وطالبت فيه ألمانيا المتحدة بإجراء تحقيق أممي، ودعت فيه باريس بكين بـ"وقف عمليات الاعتقال الجماعي التسعفية وإغلاق المعسكرات، إلّا أن التنديد لم يصل إلى حد وضع قرار للتصويت في مجلس الأمن أو إعلان قطيعة نهائية مع بكين.

ترّدد قد يفهم منه تنامي النفوذ الصيني في العالم، ومن ذلك "طرق الحرير الجديدة" التي تشارك فيها 123 دولة من كل قارات العالم، فضلا عن قدرة التنين الصيني على بناء تحالفات مع قوى عالمية، ترتكز أساساً على توفره على حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.

دفاعا عن الصين

في الثامن من يوليو/تموز 2019، وقعت 22 دولة، منها ألمانيا وفرنسا وسويسرا وبريطانيا واليابان وكندا، رسالة موجهة إلى مجلس حقوق الإنسان، انتقدت فيها الصين على سياساتها في إقليم شينجيانج، وطالبتها بوقف عمليات الاحتجاز الجماعي.

ردت هذه الأخيرة بـ"توبيخ" الدول الموقعة، واعتبرت الأمر تدخلا في شؤونها الداخلية، وقالت لاحقًا إن معسكرات الاعتقال، هي مجرد مراكز تعليم مهني، من أهدافها تعليم اللغة المندرينية، وإبعاد السكان عن التطرف الديني.

غير أن رد الفعل الأبرز لم يأتِ من بكين، بل من 37 دولة، وجهت هي الأخرى رسالة إلى الأمم المتحدة لدعم الصين.

كان أمرا عاديًا ورود أسماء مثل كوريا الشمالية وروسيا والفلبين وكوبا، لكن المثير أن الرسالة حملت توقيع السعودية والجزائر وقطر والإمارات وسوريا وعمان والكويت والسودان والبحرين، كلها دافعت عن الصين التي "حققت إنجازات لافتة في مجال حقوق الإنسان، واتخذت إجراءات لمكافحة الإرهاب" حسب تعبيرهم.

سحبت قطر لاحقا توقيعها رغبة منها في "الحفاظ على موقف محايد"، في حين دافعت الرياض عن موقفها، وقالت إن الرسالة "دعمت السياسات التنموية للصين فقط"، وأنه "لا يمكن أن تكون أيّ جهة قلقة بوضع المسلمين في العالم أكثر من السعودية".

وفي حين وجهت الصين شكرها للدول التي دعمتها، ومنها الإمارات، خلال زيارة قام بها ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، لبكين، صرّح فيها هذا الأخير أن بلاده "تثمن جهود الصين لحماية الأقليات العرقية"، وأن الإمارات مستعدة لـ"توجيه ضربة مشتركة للقوى الإرهابية المتطرفة" إلى جانب الصين.

وحتى بالنسبة لإيران وتركيا، الدولتان المسلمتان القويتان اللتان كثيراً ما خرجتا من المعسكر السعودي، فلا مواقف قوية منهما في هذا المجال.

قد يكون الحال أفضل بالنسبة لأنقرة، التي قالت في فبراير/شباط، إن معاملة الصين للأويجور "عار على الإنسانية"، لكن موقفها صار أكثر ليناً عندما زار الرئيس "رجب طيب أردوغان"، بكين بعد ذلك، وصرّح لوسائل الإعلام أن هناك "جهات تحاول استثمار قضية الأويجور لزعزعة العلاقات التركية-الصينية".

أما إيران، فلم يأت منها يوماً اهتمام بقضية الأويجور، بل إن وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، لم يثر هذا الموضوع خلال زيارته لبكين شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مشيدًا  فقط بما اعتبره دورا للصين في الحفاظ على السلم بالمنطقة.

أقلية الأويجور

ويقدر عدد الأويجور، بحوالي 12 مليونًا، جلّهم يعيشون في الصين.

ويربط "رشيد أوراز"، باحث اقتصادي بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، مواقف جلّ الدول العربية والإسلامية بالمشاكل الداخلية التي تعيشها، وبالشلل الكبير للمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، مشيراً إلى أن الأنظمة الإسلامية تحتاج إلى آليات لضبط مواطنيها، ولذلك تنسق غالبًا مع أنظمة سلطوية عالمية لهذا الغرض، وعلى رأسها الصين.

وفي السياق ذاته، يقول "أدريان زينز"، الخبير الألماني في الملف الصيني، إن "حكومات المنطقة الإسلامية في غالبها أوتوقراطية، وهي نفسها تنتهك حقوق الإنسان، ولا اهتمام لها بالقيم، بل فقط  ترغب أن تحافظ على نفسها".

التنين الصيني

وتشكّل المصالح الاقتصادية سبباً وجيهاً لسفر الكثير من حكام المنطقة الإسلامية إلى الصين، فالسعودية هي أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط، وقد بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين 63.3 مليار دولار عام 2018، بارتفاع نسبته 26.7% عن العام السابق.

بينما تصل القيمة الحالية للتبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات والصين إلى 43 مليار دولار، وبينها وبين تركيا إلى 26 مليار دولار، وبينها وبين إيران إلى 31.2 مليار دولار، في حين أضحت الصين مستثمرًا مهمًا في الجزائر، حيث فازت بالكثير من الصفقات العمومية.

غير أنه، ورغم الأهمية الكبيرة للمعاملات الاقتصادية، إلّا أن التبرير الاقتصادي يعطى غالبًا لأجل التغطية على الفشل السياسي، كما يقول "رشيد أوراز".

ويشير إلى أن الصين ليست قدرًا محتومًا على المنطقة الإسلامية، لأن هناك دولاً أخرى لديها المنتجات نفسها والفرق الوحيد هو الثمن، بل إن الاقتصاد الصيني القائم على التصدير، هو من يحتاج أكثر إلى دول المنطقة، لأنها دول استيراد، والاستثناء الوحيد إيران التي تحتاج السوق الصيني لأجل تصريف البترول بسبب العقوبات الأمريكية.

الوثائق المسربة

ويتعلّق التسريب بإرشادات خاصة من الحزب الشيوعي الصيني، تشرح كيفية التعامل مع حوالي مليون سجين في معتقلات بإقليم شينجيانج.

وحسب تقرير "ICIJ"، تطلق الصين على النزلاء اسم "طلاب"، ولا تسمح لهم بالخروج إلا لظروف قاهرة كالمرض، وتبقي عليهم في الاحتجاز سنة كاملة (لا تطبق دائمًا)، لكن يسمح لهم بالتواصل الهاتفي مع أسرهم، وحتى التواصل بالفيديو من حين لآخر حتى تطمئن أسرهم عليهم، وهو المبدأ الذي كثيرا ما تمّ تجاهله حسب شهادات لسجناء سابقين.

وتراقب السلطات سلوك المحتجزين عن طريق نظام بالنقاط، يقيّم مدى تحولهم الإيديولوجي، ومدى انضباطهم طوال مدة الاعتقال وتضع تعلميات صارمة لأجل دفعهم نحو "الطاعة".

ورغم أن الإرشادات تتحدث عن ضرورة ضمان سلامتهم، إلّا أن عددًا من المعتقلين توّفوا في المعتقلات بسبب سوء الأحوال المعيشية وغياب العلاجات الطبية، فضلا عن وجود حالات تعذيب واعتداء بالضرب واغتصاب وفق شهود عيان.

وتستخدم الصين نظامًا لجمع البيانات وللذكاء الاصطناعي لأجل اختيار الفئات المراد احتجازها.

ويعمل هذا النظام على جمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية الخاصة، ومن ذلك طريقة استخدام الهاتف الذكي.

كما تحمل الإرشادات توجيهات واضحة بالقبض على أفراد الأويجور الحاملين لجنسيات أجنبية، وتتبع الآخرين الذين يعيشون في الخارج، وبل والعمل على ترحيلهم إلى الصين باستخدام قنصليات الصين وسفاراتها، حسب التقرير.

المصدر | دويتشه فيله