الجمعة 5 يوليو 2019 12:46 م

وثقت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) تعمد السلطات الصينية فصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم ومعتقداتهم ولغتهم في منطقة شينغيانغ الواقعة في أقصى غرب البلاد، عبر ممارسات ممنهجة تهدف إلى "الإبادة الثقافية الجماعية".

وأورد تحقيق استقصائي، أجراه مراسل الهيئة "جون سودوورث"، أن الصين تجري حملة سريعة وواسعة النطاق لبناء "مدارس داخلية" للأطفال من مسلمي "الإيغور"، في ذات الوقت الذي يتم فيه احتجاز مئات الآلاف من البالغين في معسكرات عملاقة.

واستنادا إلى عشرات المقابلات التي أجراها "سودوورث" مع أفراد أسر من مسلمي الإيغور في الخارج، وثقت (BBC) أكثر من 400 حالة لطفل فقد والديه كليهما بسبب شكل من أشكال الاعتقال، سواء في المعسكرات، التي أعدتها السلطات الصينية لـ "تحويل هويتهم"، أو في السجون.

 

 

وأوضح مراسل الشبكة البريطانية أن السلطات الصينية تجري تقييمات رسمية لتحديد ما إذا كان أطفال المعتقلين بحاجة إلى "رعاية مركزية" عبر مدارسها الداخلية.

ولفت إلى أن المراقبة الأمنية والسيطرة الصينية المشددة في شينغيانغ، جعلت من جمع شهادات عائلات المعتقلين أمرا مستحيلا، حيث تتم متابعة الصحفيين الأجانب على مدار الساعة، لكن هكذا شهادات يمكن العثور عليها في تركيا، حيث فرت العديد من أفراد هذه العائلات.

وفي هذا الإطار، رصد "سودوورث" اصطفاف العشرات من مسلمي الإيغور في مدينة إسطنبول التركية؛ ليرووا قصصهم وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، حاملين صورا لأطفال، جميعهم في عداد المفقودين حاليا.

إحدى هذه الصور كانت لـ 3 بنات صغيرات، حملتها أمهن قائلة: "لا أعرف من الذي يعتني بهن، لا يوجد أي اتصال بهن على الإطلاق".

فيما حملت أم أخرى صورة  لثلاثة أبناء وابنة، وقالت وهي تمسح دموعها: "سمعت أنهم نُقلوا إلى دار للأيتام".

 

وعبر 60 مقابلة منفصلة، وثق مراسل الشبكة البريطانية تفاصيل عن اختفاء أكثر من 100 طفل في شينغيانغ، جميعهم من الإيغور، أكبر المجموعات العرقية في شينغيانغ، ذات الغالبية المسلمة.

ولطالما ارتبط الإيغور بعلاقات لغوية ودينية مع تركيا، إذ سافر الآلاف منهم إليها من أجل الدراسة أو ممارسة الأعمال التجارية، أو لزيارة أسرهم، أو للهروب من حدود الصين على خلفية إجبارهم على تحديد النسل والقمع الديني المتزايد ضدهم.

لكن على مدار السنوات الثلاث الماضية، وجد مسلمو الإيغور أنفسهم محاصرين بعد أن بدأت الصين في احتجاز مئات الآلاف منهم، ومن أقليات أخرى، في معسكرات عملاقة.

 

معسكرات احتجاز

 

وتقول السلطات الصينية إن هذه المعسكرات ليست سوى "مراكز تدريب مهني" يتلقى فيها الإيغور تعليما يهدف إلى "مكافحة التطرف الديني العنيف"، لكن الأدلة تشير إلى أن الكثيرين منهم محتجزون لمجرد تعبيرهم عن إيمانهم عبر ممارسة الصلاة أو ارتداء الحجاب، أو بسبب صلاتهم الخارجية بأماكن مثل تركيا.

وبالنسبة للإيغور في تركيا، فإن العودة إلى ديارهم تعني احتجازًا شبه مؤكد، إذ أن مجرد التحدث إلى الأقارب في الخارج بات خطيرًا للغاية بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في شينغيانغ.

وإزاء انقطاع الاتصالات بين هؤلاء الأقارب وأهلهم، عبر أحد الآباء عن خشيته من أن يكون بعض أولاده الثمانية تحت رعاية الدولة الصينية، قائلا: "أعتقد أنهم نقلوا إلى معسكرات تعليم الأطفال".

وفي السياق، يشير تحقيق الشبكة البريطانية إلى تقرير للباحث الألماني "أدريان زنز"، الذي يُعزى إليه الفضل على نطاق واسع في كشف المدى الكامل للاحتجازات الجماعية بحق المسلمين البالغين في شينجيانغ.

 

المدارس الداخلية

 

ورسم تقرير "زنز" صورة لحملة صينية غير مسبوقة للتوسع ببناء المدارس الداخلية في شينغيانغ، وتعزيز قدرتها على رعاية بدوام كامل لأعداد كبيرة من الأطفال في نفس الوقت الذي تقوم فيه ببناء معسكرات اعتقال تستهدف ذات المجموعة العرقية (الإيغور).

وبحسب الوثائق المتاحة للجمهور، رصد الباحث الألماني أن عام 2017 وحدة شهد زيادة في إجمالي عدد الأطفال المسجلين برياض الأطفال في شينجيانغ بأكثر من نصف مليون.

وأظهرت أرقام البيانات الحكومية أن الإيوغور وأطفال الأقليات المسلمة الأخرى يشكلون أكثر من 90٪ من هذه الزيادة.

كما تشير البيانات إلى أن السلطات الصينية أنفقت، في جنوب منطقة شينغيانغ وحدها، أكثر من 1.2 مليار دولار على بناء رياض الأطفال وتطويرها، عبر إضافة مساحات "سكن" كبيرة.

ويبدو أن التوسع التعليمي في شينغيانغ بات مدفوعا بنفس الروح التي تكمن وراء الحبس الجماعي للبالغين، الأمر الذي يؤثر بشكل واضح على أطفال الإيوغور، سواء كان آباؤهم في المعسكرات أم لا.

ففي أبريل/نيسان من العام الماضي، نقلت السلطات 2000 طفل من القرى المحيطة بشينغيانغ إلى مدرسة داخلية عملاقة، بحسب الباحث الألماني، الذي استعرض صورا لأقمار اصطناعية تظهر أن تسارع إنشاء هذه النوعية من المدارس في هذه المنطقة يزيد بثلاث أضعاف عن المعدل الوطني الطبيعي في عموم الصين.

 

 

 

هندسة ثقافية

 

وبينما تثني الدعاية الحكومية على المدارس الداخلية بوصفها "تحافظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام"، يشير "زنز" إلى هدف أبعد لها، وهو "توفير السياق المثالي لإعادة هندسة ثقافية مستدامة لمجتمعات الأقليات".

فكما هو حال معسكرات البالغين، تفرض لوائح المدارس الداخلية عقوبات صارمة على كل من الطلاب والمعلمين إذا تحدثوا بأي لغة محلية، أو أي لغة قومية أخرى غير الصينية.

وذكر الباحث الألماني، في تقريره، أن صحفيي وسائل الإعلام الحكومية الصينية امتدحوا المدارس الداخلية، بقولهم إنها "تسمح لأطفال الأقليات بتعلم عادات حياة أفضل، ونظافة شخصية أفضل مما لو كانوا في المنزل"، وأن بعض هؤلاء الأطفال باتوا يشيرون إلى معلماتهم بكلمة "ماما".

ووجد "زنز" وثيقة حكومية واحدة توضح بالتفصيل مختلف الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة"، بحسب التوصيف الصيني، مشيرا إلى توجيه رسمي صدر إلى مكاتب التعليم في شينغيانغ يفرض عليها الاهتمام باحتياجات أطفال أولياء الأمور في المعسكرات على سبيل الاستعجال.

 

أسوار مكهربة

 

كثير من هذه المدارس تعج بأنظمة المراقبة وأجهزة الإنذار والأسوار المكهربة، ما دفع "زنز" للتساؤل: "هل تسعى السلطات الصينية (بذلك) إلى استباق أي إمكانية من جانب الإيغور لاستعادة أطفالهم بالقوة؟".

 

 

واعتبر الباحث الألماني أن الحرص على إبقاء الآباء والأمهات منفصلين عن أطفالهم دليل واضح على أن حكومة شينغيانغ تحاول أن تربي جيلًا جديدًا معزولًا عن لغته وجذوره الأصلية ومعتقداته الدينية"، واصفا ذلك بأنه "إبادة ثقافية جماعية".

وبسؤال مراسل (BBC) لأحد المسؤولي الصينيين عن ما يحدث لأطفال أولياء الأمور الذين نُقلوا إلى المعسكرات، أجاب: "إنهم في المدارس الداخلية (..) نحن نوفر لهم الإقامة والطعام والملابس (..) وقد أخبرنا كبار المسؤولين بأننا يجب أن نعتني بهم جيدًا".

بينما عبرت إحدى الأمهات في تركيا عن يأس شديد واستياء عميق، بقولها: "لقد انفصل الآلاف من الأطفال الأبرياء عن والديهم (..) لماذا يصمت العالم عندما يعرف هذه الحقائق؟".

المصدر | الخليج الجديد + BBC