الثلاثاء 26 فبراير 2019 12:02 ص

قد تكون هذه أكثر المشاهد المدهشة في السياسة العالمية منذ اتفاق مولوتوف - ريبنتروب بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي. ففي الوقت الذي تصعد فيه بكين من اضطهادها للإيغور المسلمين، ذهب ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" إلى الرئيس الصيني "شي جين بينغ" ليحتفي به في رحلته إلى الصين الأسبوع الماضي.

ويقال إن أكثر من مليون مسلم من "الإيغور" محتجزون في معسكرات الاعتقال و"إعادة التثقيف" الصينية، حيث يتم الإبلاغ عن حالات الضرب والاغتصاب الجماعي ضد المعتقلين. لكن ولي العهد -الإسلامي السني البارز- وقع ما يقرب من 30 مليار دولار من الاتفاقيات التجارية مع الصين، وأشاد بالعلاقة الطويلة الخالية من المشاكل بين البلدين، وتعهد بدعم مبادرة "الحزام والطريق"، وأعلن أن السعودية تحترم حاجة الصين إلى حماية أمنها الداخلي بطريقتها الخاصة.

ولم تكن المملكة العربية السعودية هي القوة الإسلامية الوحيدة التي راقبت الصين في صمت. فقد سقطت باكستان أيضا في بئر الصمت بشكل غريب فيما يتعلق بمعسكرات الاعتقال التي تنتشر الآن في "شينجيانغ". وهنا قد نستغرب أن البلد التي تظهر نوبات الغضب القاتلة بسبب محنة المسلمين في "كشمير"، الخاضعة لسيطرة الهند، تبقى هادئة بشكل صارم إزاء القمع الديني الهائل الذي تمارسه الصين.

وفي علامة أخرى على الأخوة الجديدة الغريبة بين الإسلام ومضطهديه، تعهدت السعودية بمبلغ 10 مليارات دولار للمساعدة في بناء مصفاة في ميناء "جوادر" الباكستاني، لأجل تسريع نقل نفط الخليج عبر "أوراسيا". ومن بين أمور أخرى، ستسهل المصفاة على الصين تغذية المركبات التي تنقل المحتجزين المسلمين إلى معسكرات الاعتقال.

وبالنسبة للأمريكيين، فإن الشيء الأكثر خطورة في التقارب الصيني السعودي ليس هو الرياء الواضح تماما. حيث يمكن للإنسان أن يكون مرنا بشكل مدهش حول مبادئه عندما تتغير اهتماماته. لكن ما يهم أكثر هو ما يخبرنا به هذا عن حسابات واشنطن في الشرق الأوسط. والنتيجة ليست جيدة.

لقد كان البيت الأبيض يأمل في الحصول على مساعدة ضد إيران، حيث كان ينتظر أنه في مقابل دعم الولايات المتحدة لأجندة الإصلاح الاقتصادي لولي العهد، فإن المملكة ستقف بقوة مع الولايات المتحدة. لكن في حين يبقى صوت الرئيس هو الغالب، تنتج السياسة الخارجية عن التفاعل بين البيت الأبيض والكونغرس والمصالح المختلفة الراسخة في السلطة التنفيذية.

السعودية تفقد إيمانها بواشنطن

ويهدد رد فعل الكونغرس القوي على القتل السعودي لـ"جمال خاشقجي"، بالإضافة إلى تشكيكه في استراتيجية الرياض في اليمن، بإفشال سياسة "ترامب" في الشرق الأوسط. ومع انسحاب الولايات المتحدة من حرب اليمن، ومع سعي الكونغرس لفرض عقوبات على السعوديين المقربين من ولي العهد بسبب أدوارهم المزعومة في مقتل "خاشقجي"، فقد البعض في النخبة السعودية إيمانهم بإمكانية وجود شراكة استراتيجية مستقرة مع الولايات المتحدة، وهم قلقون من أن الرئيس "ترامب" لا يستطيع أن يخدمهم وحده.

ويسعى ولي العهد الآن إلى تعزيز العلاقات مع باكستان والصين، وكذلك روسيا، في الوقت الذي يبحث فيه عن بدائل للتحالف الأمريكي. وإذا كان هذا يعني غض الطرف عن معاناة ملايين المسلمين في الصين، فليكن ذلك؛ فقد قام "آل سعود" بخيارات أصعب من قبل.

لكن من المؤكد أن نهج الكونغرس سيفشل إذا اقتصر على ذلك. فبدون استراتيجية شاملة، فإن فرض عقوبات على السعوديين بسبب مقتل "خاشقجي" يصبح "تقية أخلاقية"، وليس سياسة خارجية، حيث يتعلق الأمر بكيفية شعور الأمريكيين تجاه أنفسهم، وليس بإحداث تغيير في الرياض. ويرجع ذلك الفشل جزئيا إلى أنه في عالم اليوم متعدد الأقطاب، فإن التعبيرات الأخلاقية من واشنطن أصبحت أقل أهمية مما كانت عليه قبل 20 عاما. وعندما ترفض واشنطن أمرا، يمكن للسعوديين الذهاب إلى بكين، كما فعل ولي العهد، أو إلى موسكو أو نيودلهي. 

ومن السهل أن يتم إضاعة الوقت في التقلبات والمناقشات حول سياسة الشرق الأوسط، لكن الأخبار الحقيقية هي أنه بعد قرابة عقدين من هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ما زالت الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية شرق أوسطية تتمتع بدعم سياسي مستقر. فقد شاهدنا استراتيجية إدارة "أوباما" تجاه إيران، واستراتيجية إدارة "ترامب" المتوافقة مع السعودية و(إسرائيل)، واستراتيجية إدارة "بوش" لتعزيز الديمقراطية، واستراتيجية مد الأيدي إلى المعتدلين، واستراتيجية الترهيب والترغيب، ولا يمكن لأي منها أن تحشد ما يكفي من الدعم الثابت لتوجيه تدخل الولايات المتحدة في المنطقة على المدى الطويل.

وقد لا يكون عدم وجود إجماع استراتيجي هو نهاية العالم. فليس بالضرورة أن تكون نهاية التخبط كارثة. لكن في الوقت الحالي يبدو أن "محمد بن سلمان" لم يكن يبيع الإيغور وحدهم في رحلته عبر آسيا في الأسبوع الماضي. بل كان يبيع الولايات المتحدة. وإذا لم يستطع الأمريكيون اتباع سياسة متماسكة وموحدة في الشرق الأوسط، فسوف تبدأ السعودية التحوط في رهاناتها.

المصدر | وولتر روسيل - وول ستريت جورنال