السبت 30 نوفمبر 2019 08:03 ص

العراق: مجزرة الناصرية مقابل حرق القنصلية؟

توصيف السفير الإيراني للمتظاهرين العراقيين بعملاء الخارج قول مليء بالمفارقات البائسة!

لو كان بالعراق سلطات وطنيّة لما أرسلت مختصين بارتكاب المجازر للانتقام من المتظاهرين العراقيين بالناصرية.

حرق القنصلية أيضاً تدمير رمزيّ ليافطة كبرى تمارس بها إيران هيمنتها على المنطقة كراعية للمذهب الشيعي.

ما عادت قنصلية إيران تمثل «بعثة دبلوماسية على أرض العراق» بل رمزا لدولة يعتبرها العراقيون مسيطرة على بلادهم ومتحكمة بشؤونها.

*     *     *

مثّل حرق المتظاهرين العراقيين ليلة الأربعاء الماضي لقنصلية إيران في مدينة النجف مشهدا رمزيّا كبيرا لما حمله من رسائل سياسية عديدة، برفعه المعنى السياسي للاحتجاجات من طابعها المتعلق برفض النهب المنظم للثروات العراقية على يد النخبة الحاكمة إلى ربط هذا الفساد المعمم بالنفوذ الخطير لطهران في البلاد والمنطقة.

يمثّل النفوذ الأجنبيّ الذي يحتكر القرار السياسي للسلطات العراقية بكافة مكوناتها إعلاء لمصالح إيران الخاصة على مصالح البلد الذي تسيطر عليه، يقوم على تخديمه نظام هرميّ للفساد يبدأ من أعلى المناصب السلطوية وينتهي بعناصر الميليشيات العسكريّة التي تتلقى أوامرها مباشرة من الجنرال قاسم سليماني رغم أن مرتباتها تخرج من الخزانة العراقية.

يشكّل حرق القنصلية أيضاً تدميرا رمزيّا لليافطة الكبرى التي تمارس فيها إيران هيمنتها على المنطقة باعتبارها راعية المذهب الشيعي.

وبالتالي فحين تجيء الضربة من الشيعة العراقيين أنفسهم، وفي مدينة النجف المقدسة التي هي موطن مزارات ومقامات شيعية مهمة فإنها تقوم بتفكيك المخزون الأيديولوجي لإيران والأحزاب المناصرة لها.

إثر ذلك وصف العميد إيرج مسجدي، سفير إيران في العراق، المتظاهرين العراقيين بالمندسين وعملاء الخارج، فيما انتقد مراسل التلفزيون الإيراني السلطات لأنها «كانت تشاهد ما يحدث ولا تفعل شيئا».

والحقيقة أن السلطات العراقية «فعلت شيئا»، حيث نظم رئيس الحكومة عادل عبد المهدي «خلايا أزمة»، وكلّف الفريق الركن جميل الشمري، الذي كان قائدا لعمليات البصرة خلال المعالجة الدموية لها عام 2018، على رأس إحداها إلى الناصرية (مسقط رأس عبد المهدي) في يوم الأربعاء نفسه حيث قامت قواته باستخدام الرصاص الحيّ ضد المتظاهرين مما أدى إلى سقوط 32 قتيلا وأكثر من 230 جريحا.

إضافة إلى المجزرة التي حصلت في الناصرية جرت أخرى أصغر في النجف، فيما كانت وزارة الخارجية العراقية تتهم «غرباء» بالمسؤولية عن الحادثة وتعتبرها «دليلا واضحا لما يحمل هؤلاء من أجندات بعيدة عن المطالب الوطنية»، والحقيقة أن الواقعة لا يمكن فهمها من دون ربطها بالمسألة الوطنية المشتعلة في العراق.

فمن الواضح أن القنصلية الإيرانية ما عادت تمثل بالنسبة للعراقيين «بعثة دبلوماسية على أرض العراق» كما أشارت الخارجية، بل رمزا لدولة يعتبرها العراقيون مسيطرة على بلادهم ومتحكمة في شؤونه الكبرى والصغرى.

من حق السلطات العراقية أن تدافع عن البعثات الدبلوماسية بالتأكيد، لكنها، لو كانت سلطات وطنيّة حقا، لما أرسلت المختصين بارتكاب المجازر للانتقام منهم، ولما قبلت توصيف السفير الإيراني لهم بعملاء الخارج، وهو قول مليء بالمفارقات البائسة.

المصدر | القدس العربي