الاثنين 2 ديسمبر 2019 03:35 م

للمرة الثانية خلال عامين، شهد النظام الإيراني اضطرابات كبيرة على مستوى البلاد ردا على الظروف الاقتصادية المتدهورة التي تشكل تحديا للنظام ولسياسة الأمن القومي الأساسية في الجمهورية الإسلامية المتمثلة في تمكين الحلفاء والوكلاء الإقليميين.

وعلى النقيض من الاضطرابات في عام 2017، كانت مظاهرات 2019 بمثابة رد فعل فوري على إعلان الحكومة أن أسعار الوقود ستزيد بنسبة 50% لأول 15 جالونا في الشهر، مع ارتفاع بنسبة 300% للمشتريات أعلى من الحصة المقررة.

وأوضحت الحكومة أن زيادة الأسعار تهدف إلى تحرير موارد الميزانية لزيادة التحويلات النقدية إلى 75% من الأسر ذات الدخل المنخفض في البلاد، وكان القرار، الذي تم تقديمه بالتوافق بين الفروع التنفيذية والبرلمانية والقضائية للنظام، متوافقا بشكل عام مع توصيات مجموعة واسعة من الاقتصاديين والهيئات الاقتصادية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، للتخفيف من عبء الدعم الحكومي. وعلى وجه الخصوص، شجع دعم الدولة السخي للوقود الاستخدام الزائد للبنزين، الأمر الذي استهلك خزائن الحكومة.

وبدا نطاق اضطرابات 2019 مشابها لما حدث في أواخر عام 2017، حيث خرجت مظاهرات متزامنة في أكثر من 100 مدينة وبلدة، وأكد البعض أن استخدام المتظاهرين للعنف كان أكثر انتشارا وشدة مما كان عليه في عام 2017.

وأظهرت وسائل الإعلام الحكومية ووسائل التواصل الاجتماعي إشعال النار في العديد من المباني، فضلا عن محطات الوقود ومراكز الشرطة، وغيرها من المنشآت في طهران وفي أماكن أخرى، وأغلق سائقو السيارات عمدا الطرق السريعة والطرق الرئيسية.

ومع ذلك، لم تكن المظاهرات تمتلك قاعدة عريضة مقارنةبانتفاضة عام 2009 التي شملت مئات الآلاف من المتظاهرين المناهضين للحكومة في طهران وغيرها من المدن الكبرى.

وكما في عام 2017، عبر المحتجون عن رأي مفاده أنه يمكن تحسين الأحوال الاقتصادية للإيرانيين إذا كانت الحكومة على استعداد لخفض الإنفاق على الحرس الثوري وتدخلاته الإقليمية، وهي السياسات التي أنتجت القليل من الفوائد الملموسة للجزء الأكبر من السكان. بالإضافة إلى ذلك، أشار المحتجون إلى أن آثار الصعوبات الاقتصادية الإيرانية يتحملها في المقام الأول الإيرانيون العاديون، بينما تبقى النخب وأجهزة أمن النظام دون مساس.

قواعد اللعب التقليدية

وفي خضم هذه الجولة الأخيرة من الاضطرابات، اتبع النظام نفس قواعد اللعب المستخدمة سابقا لسحق مظاهرات 2017 بنجاح، وتم قطع الاتصال بالإنترنت لتعطيل توسع الاحتجاجات. وسمحت الأجهزة الأمنية، مثل الحرس الثوري وميليشيات الباسيج، ببعض الاحتجاجات السلمية لكنها اختارت استخدام القوة في حالات العنف ضد المنشآت الحكومية والممتلكات العامة.

وكما فعل دائما عندما اندلعت الاضطرابات في الماضي، ألقى المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي" باللوم في الاحتجاجات على التحريض من قبل القوى الأجنبية وجماعات المعارضة في الخارج مثل منظمة "مجاهدي خلق" ومؤيدي نجل شاه إيران المخلوع.

وعلى نحوٍ غير معتاد، أظهر المرشد الأعلى بعض التفهم لغضب المتظاهرين رغم تهديداته بقمع أكثر شدة ضد أولئك الذين يرتكبون أعمال عنف، وصرح "خامنئي" في اليوم الثالث من الاضطرابات بأن عدم الرضا عن ارتفاع أسعار الوقود كان "مفهوما"، ومع ذلك، أشار في الوقت نفسه إلى أن قرار تخفيض دعم الوقود سيظل قائما.

وبدا أن تصريحاته تسببت في تقلص الاحتجاجات نسبيا، وبعد يومين، أعلن الرئيس "روحاني" الانتصار على الاضطرابات، وبدا أن تعليقات "خامنئي" المتفهمة قد عززت إدراك الكثير من الجمهور بأن الحكومة تواجه خيارات صعبة في مواجهة تأثير حملة "أقصى ضغط" التي فرضتها إدارة "ترامب"، وفي الوقت نفسه، قام النظام بحشد تجمعات مؤيدة كبيرة لتوضيح أن الغضب الاحتجاجب لم يكن محل إجماع بين الإيرانيين.

ضربة للمعارضة

ويمثل قمع النظام للاضطرابات ضربة للمعارضة، فعلى عكس الاحتجاجات الأخيرة في العراق ولبنان، لم تجبر الاحتجاجات في إيران الرئيس "حسن روحاني" أو أي مسؤول إيراني كبير آخر على الاستقالة، وأصدر زعماء جماعات المعارضة في المنفى بيانات دعم للمتظاهرين، وطالبوا الولايات المتحدة وغيرها من القوى بدعمها.

ومع ذلك، تصرف كل فصيل معارض من تلقاء نفسه، ما يوضح مرة أخرى مدى انقسام المعارضة الخارجية الإيرانية.

وعلى الرغم من الأدلة على تدني شعبية النظام لدى العديد من الإيرانيين، فقد كان هناك تقدم ضئيل بين زعماء المعارضة الخارجيين في تشكيل جبهة موحدة أو صياغة استراتيجية مشتركة لتحدي النظام.

ويبدو أن منظمة "مجاهدي خلق"، على وجه الخصوص، ترفض أي تعاون مع الجماعات الأخرى في المنفى، حيث تعتبر نفسها المجموعة الوحيدة القادرة على تقديم تحدٍ مستدام أو ناجح للنظام.

وكان للجولة الأخيرة من الاضطرابات الإيرانية أيضا تداعيات على إدارة "ترامب"، التي أصدرت عدة بيانات تضامن مع المحتجين، ودعت مرة أخرى النظام إلى تجنب استخدام القوة، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤول إيراني كبير اعتبرته المسؤول عن إغلاق الوصول إلى الإنترنت في إيران أثناء الاحتجاجات.

وأشار مسؤولو الإدارة ومؤيدو سياستها تجاه إيران إلى أن الاضطرابات تمثل نجاحا لحملة "أقصى ضغط"، حيث تثير الصعوبات الاقتصادية الإيرانية التحديات للنظام، ومع ذلك، فإن هدوء الاحتجاجات بعد 6 أيام، في غياب لأي تنازلات من النظام للمتظاهرين أو لمطالب الولايات المتحدة لتغيير السلوك الإيراني، قد يدحض مزاعم نجاح السياسة الأمريكية.

المصدر | كينيث كيتزمان | منتدى الخليج الدولي - ترجمة الخليج الجديد