الثلاثاء 3 ديسمبر 2019 06:34 م

تعد تركيا قوة جيوسياسية ناشئة، ولم تعد ذلك العضو الخجول في الساحة العالمية. وإلى الجنوب، عززت أنقرة وجودها في شمال شرق سوريا، وأعادت تحديد مكانها في الشرق الأوسط. وإلى الشمال، كثفت نفوذها وحضورها في البحر الأسود. وإلى الغرب مباشرة، زادت من أنشطة استخراج الغاز، حتى في المناطق الاقتصادية الخالصة التي تدعي دول أخرى امتلاكها لها؛ مما يعيد رسم خريطة القوى في البحر المتوسط. والآن، تذهب تركيا إلى أبعد من ذلك سعيا إلى إعادة تحديد علاقتها مع الغرب، بحثا عن سياسة خارجية أكثر استقلالية تؤهلها لتصبح قوة إقليمية عظمى. وستكون الخطوة التالية لأنقرة على مسرح قمة "الناتو" في لندن، الثلاثاء والأربعاء؛ حيث ستضغط على الولايات المتحدة وأوروبا للحصول على الدعم لأحد أعظم أولوياتها الجيوسياسية، وهي تأمين منطقة عازلة طويلة الأمد خاضعة لسيطرة تركيا في شمال شرق سوريا.

ومثل اجتماعات "الناتو" الأخيرة، تشهد القمة الحالية إثارة أسئلة أساسية حول أهمية الحلف وتماسكه ودوره في أمن أوروبا، في بيئة يختلف فيها الأعضاء حول أعباء الإنفاق الدفاعي للحلف، وحجم التهديد القادم من روسيا، لا سيما الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، الذي اكتسبت إشارته إلى "موت حلف الناتو دماغيا"، في مقابلة أجريت معه في أكتوبر/تشرين الأول، سمعة سيئة.

وقد بدأت تركيا، مثلها مثل العديد من الدول في حلف "الناتو"، تتحدى نطاق التحالف الذي دام 70 عاما، والذي ترى تركيا أن نشاطه محصور في أوروبا الشرقية، ويجب أن يبدأ في مواجهة التهديدات في آسيا الوسطى. وصعد الاقتصاد التركي خلال العقد ونصف العقد الماضيين، وخلال ذلك الوقت، أدى الغزو الأمريكي للعراق، وموجة الاحتجاجات المعروفة باسم الربيع العربي، إلى ظهور فراغات سلطة في الشرق الأوسط. وفي الأعوام الأخيرة، لا سيما منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، عزز الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" سيطرته على البلاد؛ ما مكن تركيا من متابعة أنشطتها السياسية بشكل أكثر فاعلية.

ولا ترى أنقرة قمة لندن كفرصة لمواجهة بعض القضايا الأساسية في منظومة الدفاع الغربي، لكن كوسيلة لتحقيق غايات تركية. ويسلط هذا الضوء على ما كان واضحا بشكل كبير في الآونة الأخيرة حول كون الأولويات والمصالح التركية لا تتماشى دائما مع مصالح باقي أعضاء الناتو. وتخطط تركيا لاستخدام القمة كمنصة لحشد الدعم الغربي لـ"المنطقة الآمنة" التي أنشأتها القوات المسلحة التركية على طول الحدود التركية في سوريا عبر عملية "نبع السلام" في أكتوبر/تشرين الأول.

  • المنطقة الآمنة

وتهدف المنطقة الآمنة، التي تسميها الحكومة التركية "ممر السلام"، إلى تحقيق هدفين على المدى القصير لأنقرة، وهما إعادة اللاجئين السوريين الذين ترغب تركيا في خروجهم، والحد من تأثير "وحدات حماية الشعب" الكردية (ي ب ك)، وهي منظمة تؤكد أنقرة أنها تابعة لـ"حزب العمال الكردستاني" (بي كا كا)، وهو جماعة معترف بها على نطاق واسع كمنظمة إرهابية. لكن على المدى الأطول، توفر المنطقة الآمنة عمقا استراتيجيا أكبر لتركيا. ويوفر التواجد التركي في شمال شرق سوريا نفوذا أكبر لتركيا في المسألة السورية، ويقيد انخراط الأكراد الأتراك مع حلفائهم المحتملين في بلاد الشام، ويمنح أنقرة نقطة أفضلية في صراعها الجيوسياسي ضد خصومها المتواجدين في الشرق الأوسط، وعلى الأخص روسيا والسعودية وإيران.

وحقق الجيش التركي بالفعل السيطرة العسكرية على المنطقة العازلة بشكل فعال، لكن لتأسيس سيطرة طويلة الأجل، تحتاج تركيا إلى الشرعية والدعم المؤسسي، وبالطبع كمية كبيرة من الأموال تبلغ أكثر من 27 مليار دولار وفقا لتقديرات أنقرة. وفي قمة "الناتو"، تعتزم تركيا تقديم اقتراح بعقد مؤتمر للمانحين لتأمين الأموال اللازمة لبناء مستشفيات وملاعب كرة القدم و6 آلاف منزل و11 مسجدا و9 مدارس، وتسهيلات أخرى؛ للمساعدة في توطين أكثر من نصف اللاجئين السوريين في تركيا، البالغ عددهم 3.6 ملايين شخص.

وفي حين حصلت أنقرة بالفعل على أموال قطرية للمنطقة الآمنة، فإن الدعم الغربي يظل جزءا لا يتجزأ من الشرعية السياسية المطلوبة. وبينما يخطط حلف "الناتو" لزيادة وجوده الدفاعي في حوض المتوسط، تعتقد تركيا أن الشمال السوري يجب أن يكون مجال اهتمام كبير للحلف. وبالنسبة لأنقرة، يعتبر شمال شرقي سوريا نقطة دفاعية مهمة للحلف في مواجهة القوات الروسية المتمركزة في سوريا. وبخلاف ذلك، تضغط أنقرة على أعضاء "الناتو" للاعتراف بالهجمات الإرهابية التي تشنها المنظمات الكردية على تركيا ضمن إطار الدفاع المشترك للحلف، على غرار الاحتجاج الأمريكي بالمادة 5 لقانون الحلف بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وهي تشعر بالاستياء من رفض أعضاء "الناتو" القيام بذلك. وعلى النقيض من ذلك، اعترض الاتحاد الأوروبي والكونجرس الأمريكي على الهجمات التركية على "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، التي يمثل "ي ب ك" عمودها الفقري، بل واتهموا تركيا بمحاولة تغيير تركيبة سكان شمال شرقي سوريا، الذي يحظى بأغلبية كردية، عبر الهندسة الديموغرافية.

  • لعبة الكر والفر

وفي الحقيقة ستكون أوروبا مترددة في دعم "المنطقة الآمنة" التي تسيطر عليها تركيا. وتبدو أنقرة، التي تتوقع تجاهلا معتادا من أوروبا لمطالبها، على استعداد لتصعيد الأمور ضد القارة العجوز، مستغلةً نقاط الضعف المؤسسية في "الناتو" والاتحاد الأوروبي لتحقيق ما تريده في شمال شرقي سوريا. ومن المرجح أن تمارس أنقرة الضغط على الغرب للاعتراف بقوات "قسد" كمنظمة إرهابية، وتمويل مشاريع إعادة تركيا للاجئين على طول "ممر السلام" السوري.

وتخطط الحكومة لتنفيذ هذه الاستراتيجية القسرية من خلال طريقتين. أولا، تعتزم تركيا التهديد بعدم المشاركة في مهمات "الناتو" الرئيسية في دول البلطيق وبولندا. ومن شأن مثل هذا القرار أن يعطل عمليات صنع القرار الأساسية في "الناتو" التي يجب أن تتم بالإجماع. ورغم أن تهديد تركيا لن يوقف أجندة "الناتو" في أوروبا الشرقية، لكنه يعد مؤشرا على الانهيار البطيء للمنظمة الدفاعية الغربية، وعلامة على الأولويات التركية الجديدة التي لم تعد تتماشى مع أولويات دول "الناتو"، أو على الأقل أولويات الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية التي ترى أن أمن البلطيق ضد روسيا هو الأولوية الأولى على أجندة الحلف.

ثانيا، ستواصل تركيا تهديداتها بإطلاق أزمة هجرة كبيرة، محذرةً من أنها سترسل ما يقرب من 6 ملايين لاجئ إلى الممرات الجنوبية لأوروبا. ورغم أنه من غير الواضح إلى أي مدى تستطيع تركيا متابعة هذا التهديد بالفعل، فإن أورويا ستنظر إلى فتح "بوابات فيضان اللاجئين" إلى أوروبا على أنه هجوم متعمد على الاستقرار السياسي للقارة. ويعد هذا الخيار "خيارا نوويا" من المرجح أن تظل أنقرة مترددة في استخدامه، لكن أوروبا لن تكون راغبة في المراهنة على تردد تركيا في تنفيذ تهديداتها. وكانت للهجرات الجماعية من الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأفريقيا أثر تدميري على أوروبا؛ حيث ساهمت في صعود الحركات اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة والكارهة للإسلام، وفتتت بشكل عملي وحدة الاتحاد الأوروبي وأجبرت القارة على إعادة النظر مبادئها المؤسسية، مثل سياسات الحدود المفتوحة وضمان المساعدة الإنسانية.

ولا يعد هذا الافتراق بين سياسات تركيا والسياسات الغربية أمرا جديدا أو غريبا؛ حيث تميل تركيا في الوقت الراهن للنأي بنفسها تدريجيا عن الجهود الغربية، والسعي إلى تحقيق مصالحها الخاصة حتى لو جاء ذلك على حساب تعاونها الأكبر مع أوروبا والولايات المتحدة. وببساطة، لن تكون تركيا وشركاؤها الغربيون على نفس الصفحة في الوقت الراهن بالنظر إلى وجود عدد لا يحصى من المصالح المتباينة. وتواجه تركيا وضعا عدائيا متزايدا على حدودها مع سوريا، في ظل تواجد منافسيها من الروس والسوريين والأكراد والإيرانيين. وبدلا من أن تحظى تركيا بدعم حلفائها في حلف "الناتو" لتأمين عمقها الاستراتيجي في سوريا، فإنها تلقت انتقادات واسعة النطاق بدلا من ذلك.

بالتزامن مع ذلك، فإن خطوات عدة تسببت في زيادة استياء تركيا تجاه الغرب مثل الإدانة الأمريكية والأوروبية، والعقوبات المقترحة على أنقرة بشأن أنشطة التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، والعقوبات الأمريكية المقترحة بسبب شراء تركيا نظام الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400"، والتعريفات الأمريكية الجديدة على صادرات الصلب التركي، والتدقيق الأمريكي في أنشطة بنك مملوك للدولة التركية متهم بمساعدة إيران على تجنب العقوبات. وتتماشى التحركات التركية في شرق البحر المتوسط، ​​والاستحواذات الدفاعية من روسيا، مع هدف أنقرة الاستراتيجي المتكثل في الاستفادة من نفوذها وقوتها المتنامية في المنطقة.

ورغم ذلك، من غير المرجح أن تنجح حملة الضغط التركية على "الناتو" بشكل كامل، لكن لن يكون هذا مهما في النهاية؛ حيث سيكون لجهود تركيا الهادفة إلى عرقلة خطة دفاع الحلف في دول البلطيق وبولندا آثارها السياسية الخطيرة إلى حد كبير. ويعد التهديد بالسماح بتدفق المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي تهديدا قديما، ومن الأفضل تركه كتهديد. لكن الأمر الجدير بالملاحظة هو قرار تركيا بتجربة قوتها الناشئة داخل "الناتو"، على خلفية الخلل الحادث في المنظمة. ومع بدء المزيد من الدول في طرح الأسئلة حول هوية الحلف والإطار الذي يجمع أعضاءه، ستواصل تركيا استغلال هذه الشقوق لتحقيق أهدافها الجيوسياسية. ولم تعد تركيا ترى حاجة كبيرة للتوافق مع التوقعات الأوروبية والأمريكية، في حين يبدو أنها جمعت ما يكفي من القوة ضد الاتحاد الأوروبي الضعيف ودفعت "الناتو" إلى تحمل ما يلزم من العبء.

المصدر | كارولين روز - جيوبوليتيكال فيوتشرز / ترجمة وتحرير الخليج الجديد