الأربعاء 25 ديسمبر 2019 05:24 م

"لا تثق في الجيش حتى لو بدا في صف المتظاهرين، ولا تترك الشارع حتى تتم تلبية مطالب الاحتجاج كلها"..

هكذا تلخصت الخبرة التاريخية بموجة الربيع العربي الثانية في كل من السودان والجزائر ولبنان والعراق، ولا يزال حراكها مستمرا حتى نهاية 2019، الذي شهد تجدد آمال التغيير بالعالم العربي.

وكشف الحراك أن الدوافع وراء الثورات العربية عام 2011 لا تزال قائمة، بل تشكل قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، وأن الصراع الإقليمي بين قوى التغيير من جهة، والأنظمة القديمة والجيوش المدعومة من الإمارات والسعودية من جهة أخرى، لم يحسم بعد.

فرغم أن موجة الربيع الأولى آلت إلى الفشل؛ إما لأن الحكومات العربية قمعت الاحتجاجات بالقوة؛ أو لأن الجماهير العربية رأت ما حدث في ليبيا وسوريا واليمن وأرادت أن تتجنّب تفاقُم الأوضاع في بلدانها والانزلاق نحو حرب أهلية، لكن المشكلات التي كانت في جذر اندلاع الاحتجاجات ظلت ساكنة بانتظار لحظة انفجار جديدة.

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول، انطلقت مظاهرات ضخمة سِلمية في لبنان وأخرى شديدة الدموية في العراق، ولكل منهما أحزانه الخاصة، غير أن المتظاهرين فيها جميعا تجمعهم إحباطات عميقة متجذرة، تتعلق بالبطالة والفساد؛ إذ يرون في انتظارهم حياة صعبة، بينما تستأثر نُخَب سياسية بالسلطة والمال.

لكن ما يجعل 2019 مختلفا عن عام 2011 هو أن أطراف الحراك هذه المرة تدرك أن النجاح يعتمد على "النفس الطويل"، وأن الثقة في تأكيدات الجيوش على حماية إرادة الشعوب قد تؤدي إلى هزيمة ذاتية، حسبما ذكر "جيمسي دورسي" بموقع "لوب لوج" (مايو/أيار 2019).

  • الجزائر

في الجزائر، أشعل إعلان الرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقه" ترشحه لولاية خامسة الاحتجاجات؛ ليخرج عشرات آلاف الجزائريين في 22 فبراير/شباط الماضي رغم الحظر على المظاهرات المفروض من قبل السلطات منذ عام 2001.

وقبيل الجمعة السادسة من الحراك خرج رئيس الأركان الجزائري "أحمد قايد صالح" ليطالب بتطبيق المادة 102 من الدستور (الذي تنظم منصب الرئاسة حال مرض الرئيس)؛ ما نتج عنه حرب إعلامية كبيرة كترجمة لصراع بين فريق يدعم الجيش وآخر يدعم الرئيس وأنصاره، انتهت بتقديم "بوتفليقة" استقالته مُرغما في الأول من أبريل/نيسان.

ومثلما حدث عام 1999، حين تدخل الجيش لتسمية شخصية مقبولة نسبيا ما لملء الفراغ في قصر "المرادية" الرئاسي في الجزائر العاصمة، تدخل "قايد صالح" لتثبيت رئيس مجلس الأمة "عبدالقادر بن صالح" كرئيس مؤقت، حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة.

وقوبل "بن صالح" برفض من قبل المتظاهرين، الذين رفضوا كذلك إجراء انتخابات في ظل سيطرة النظام السابق على مفاصل الدولة.

لكن الجيش أصر على إجراء الانتخابات رغم مقاطعة الكثير من القوى السياسية لها لتجرى في النهاية في 12 ديسمبر/كانون الأول بمشاركة 5 شخصيات فقط يعتبرهم كثيرون من مخلفات نظام "بوتفليقة".

ورغم أن الانتخابات أفرزت رئيسا جديدا هو رئيس الوزراء الأسبق "عبد المجيد تبون" بنسبة 58.15% من الأصوات، إلا أن المحتجين واصلوا التواجد في الشارع، معربين عن رفضهم لقاطن قصر "المرادية" الجديد؛ ما يعني أن الصورة في الجزائر لم تكتمل بعد، وإن كانت خلقت شرعية جديدة لرئيس جاء بأصوات نحو 5 ملايين صوت.

  • السودان

في السودان، اندلعت الاحتجاجات يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2018 في بعض المدن بسبب ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتدهور حال البلد على كلّ المستويات. وقابل نظام "عمر البشير" الاحتجاجات بعنف وصل إلى حد استعمال الرصاص الحيّ من قبل قوات الأمن؛ ما تسبب في سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين.

ومع استمرار الحراك، أعلن الجيش السوداني، في 11 أبريل/نيسان 2019، خلع "البشير" من منصبه، وبدء مرحلة انتقالية تنتهي بإقامة انتخابات لنقل السلطة.

وفي المقابل، طالبت المُعارضة بحل المجلس العسكري الانتقالي، وتكوين مجلس مدني جديد بتمثيل عسكري محدود لإدارة البلاد خلال الفترة المقبلة، وجدّد مطالبه بتشكيل حكومة مدنية انتقالية من قبل كفاءات.

وبعد سجال بين الطرفين، تخللته مجزرة فض اعتصام المحتجين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية بالخرطوم (3 يونيو/حزيران 2019)، اتفق الطرفان على تشكيل مجلس للسيادة بقيادة القائد الأعلى للجيش "عبدالفتاح البرهان" وحكومة انتقالية برئاسة "عبدالله حمدوك".

  • العراق

وفي العراق، خرج الآلاف إلى شوارع بغداد ومدن عدة في جنوب العراق، منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، احتجاجاً على الفساد والبطالة وسوء الخدمات الحكومية، وأطلقت عليهم قوات الأمن الذخيرة الحية، لكن ذلك لم يثنهم عن التظاهر الاحتجاجي حتى اقتراب 2019 على نهايته.

وأطلقت شرطة مكافحة الشغب الرصاص الحي خلال التظاهرات حتى تخطت أعداد القتلى الـ 475 وفق إحصاء المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق، الأربعاء (18 ديسمبر/كانون الأول).

 

وإزاء ذلك، اضطرت المرجعية الدينية الشيعية في العراق بمدينة كربلاء إلى إعلان دعمها مطالب المتظاهرين، ودعا "أحمد الصافي"، ممثل المرجعية، إلى "تدارك الأمور قبل فوات الأوان"، قائلاً إنه "على الحكومة النهوض بواجباتها وبذل ما في وسعها لتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل والابتعاد عن المحسوبيات في الوظائف العامة واستكمال ملفات المتهمين بالتلاعب بالأموال العامة وسوقهم إلى العدالة".

 

كما دعت المرجعية رئيس الوزراء "عادل عبدالمهدي" إلى الاستقالة، وهو ما استجاب له الأخير، مع استمرار الاحتجاجات المناهضة لبقاء الطبقة السياسية العراقية برمتها.

 

  • لبنان

 كما لا يزال الحراك اللبناني متواصلا منذ سلسلة الاحتجاجات الشعبية في 17 أكتوبر/تشرين الأول، إثر فشل الحكومة اللبنانية في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق.

فبمجرد إقرار مجلس الوزراء فرض حزمة ضرائب جديدة، منها زيادة الرسوم على المشتقات النفطية والسجائر، وفرض رسم 6 دولارات على الاتصال بواسطة تطبيق واتساب، بدأت الاحتجاجات ليلاً في بيروت ومحافظات أخرى، وتخلّلها قطع للطرقات وتحطيم واجهات محال ومباني ومصارف.

وأعلن المحتجون إضرابا مفتوحا حتى استقالة الحكومة، ورفضوا تعليقه بعد إعلان التراجع عن فرض ضرائب على الاتصالات في ذات يوم اندلاع الاحتجاجات.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" يعلن بعد اجتماع مجلس الوزراء من القصر الجمهوري عن ورقة إصلاحات جديدة. رفضها المحتجون.

ودخل مجموع من مؤدي حزب الله اللبناني، حليف إيران الرافض لاستقالة الحكومة، إلى ساحة رياض الصلح في بيروت واشبتكوا مع المتظاهرين، فيما ظهر زعيم الحزب "حسن نصر الله" في كلمة متلفزة باليوم التالي (25 أكتوبر/تشرين الأول) متهما أجهزة استخبارات أمريكية بالدخول على خط التظاهرات، ومتساءلا عن الجهات الممولة للاحتجاجات.

وقدم "الحريري" استقالته من منصبه في 29 أكتوبر/تشرين الأول، بينما تواصلت الاحتجاجات المطالبة بإنهاء نظام الطائفية السياسية وإنهاء وجود الطبقة السياسية الحالية بالبلاد.

وألقى "نصر الله" خطابا آخر في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني محذرا فيه من "الفوضى"، مشددا على أن "المقاومة ستبقى قادرة على دفع الرواتب إذا لم تستطع الحكومة الوفاء بها"، في إشارة إلى قيام حزب الله بمهام الحكومة حتى في حال سقوطها.

 

الاحتجاج

 

عندما تراجعت أسعار النفط في العام 2014، خسرت حكومات كثيرة في العالم العربي أداةً فعّالة تستخدمها في تهدئة المظالم الاقتصادية لمواطنيها، ولم تستوعب هذه الحكومات أن منظومة الاقتصاد الريعي التي كانت تُبقيها في السلطة، بدعمٍ من أسعار النفط المرتفعة وشبكات المحسوبيات، لم تعد قابلة للاستمرار.

ولذا كانت الحالة الاقتصادية قاسما مشتركا في تأجيج مشاعر الغضب والاحتجاج بالحراك الجماهيري، وهو ما بدا جليا في لبنان، الذي اشتعلت مظاهراته إثر محاولة لرفع الضرائب.

وأضيف إلى نار الوضع الاقتصادي بنزين "الأمل" الذي أعادته الانتخابات الرئاسية التونسية، وصعود "قيس سعيد" من وسط الجماهير إلى سدة السلطة دون قاعدة حزبية، حتى عاد من جديد شعار الثوار الأثير "الإجابة تونس".

وفي السياق، قال رئيس مركز عمران للدراسات، الدكتور السوري "عمار قحف"، إنه "في ظل كل الانتكاسات في حركة التغيير الديمقراطي بالشرق الأوسط، تسطع التجربة التونسية بمزيد من التفاؤل والأمل"، مشيرا إلى أن "انعكاسات انتخاب الرئيس الجديد (بتونس) إيجابية في كل الأوساط الثورية العربية"، وفقا لما نقلته وكالة "الأناضول".

ويعد تأجج الموقف الرافض من الطبقة السياسية ثالث وقود داعم لحراك الربيع العربي الثاني، وهو ما أشار إليه محرر شؤون الشرق الأوسط "جيرمي بوين"، في تحليل بموقع BBC عربي، متحدثا عن "غضب مشترك تعبر جذوره الحدود جامعة بين الشباب الطامحين إلى الإطاحة بقادة فاسدين وغير أهل للثقة"، حسب تعبيره.

ويرى "بوين" أن 2019 هو عام تجدد الربيع العربي، الذي أسفر حتى الآن عن استقالة اثنين من رؤساء الوزراء في كل من لبنان "سعد الحريري"، والعراق "عادل عبدالمهدي".

 

قواسم مشتركة

 

ويمثل غياب الثقة بجميع القادة السياسيين ووصوله نقطة اللاعودة قاسما مشتركا بحراكات الربيع الثاني، إذ يلمس المواطنون في مختلف أرجاء العالم العربي أن لا الحكومات ولا قوى المعارضة عملت على تحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية الموعودة، ويعتبرون أن الطرفَين عاجزان عن الوفاء بهذه الوعود، لذلك يريدون بصورة أساسية أن يبدأوا من الصفر مع سياسيين جدد وأحزاب سياسية جديدة بالكامل.

ورغم راديكالية الطرح، لكن سلمية الاحتجاجات ظلت قاسما مشتركا آخر رغم عسف الأنظمة التي تقف في مواجهتها، واستعدادها للجوء سريعاً إلى العنف ضد المتظاهرين، خاصة في السودان والعراق، حيث استخدم الجيش آلة القتل، لكن المحتجين رفضوا اللجوء إلى العنف بأي طريقة.

ففي السودان قتل الجيش وأصاب المئات من المعتصمين أمام مقر قيادته بالخرطوم في 3 يونيو/حزيران الماضي، فيما لا تزال آلة القتل العراقية مستمرة، إذ قُتل ما لا يقل عن 460 شخصًا وجُرح الآلاف خلال المظاهرات المستمرة منذ نحو شهرين، وفقا لأحدث تقارير المفوضية العراقية العليا لحقوق الإنسان.

ورغم ذلك، تمكن المحتجون، عبر الثبات على سلميّتهم، من الحصول على دعم داخلي وخارجي واسع والحفاظ عليه، وفي نهاية المطاف، اضطُرّ الجيش في البلدَين إلى إعارتهما آذاناً مصغية ولو جزئيا.

وتوصل المجلس العسكري السوداني إلى اتفاق مع قيادة ائتلاف "الحرية والتغيير" لتشكيل مجلس للسيادة وحكومة انتقالية، وفي العراق قدم "عبدالمهدي" استقالته من رئاسة الوزراء.

ويعد رفض المتظاهرين للطائفية السياسية القاسم المشترك الثالث بين حراكات الربيع العربي الثاني، باعتبارها تُفضي بصورة شبه حتمية إلى حكمٍ غير ديمقراطي، وقد ظهر ذلك جليا في لبنان، إذ طالب المحتجون بنظام جديد لا يقوم على المحاصصة الطائفية ويتجاوز نخب الفساد القديمة.

كما استهدف المحتجون في فعالياتهم كافة الأطراف الداعمة للطائفية السياسية، خارجيا، وعلى رأسها إيران، وداخليا، وعلى رأسها "حزب الله" اللبناني.

بدا ذلك جليا في العراق، إذ أضرم محتجون النار في هيئات دبلوماسية تخص طهران في مدينتي النجف وكربلاء، فيما اشتعلت مواجهات ميدانية بين أنصار "حزب الله" والمحتجين في ساحة رياض الصلح ببيروت.

آفاق المستقبل

وعن آفاق حراك الربيع الثاني، يرى "ديفيد هيرست"، مدير تحرير موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أنه لا نجاح لحراكات لبنان والعراق والجزائر والسودان إلا عبر بوابة مصر، قائلا: "مع كل التقدير لحجم وأهمية كل من السودان والجزائر، فإن مصر هي الاختبار الحقيقي للثورة في الشرق الأوسط".

فمصر، التي كانت المكان الذي سُحقت فيه الموجة الأولى من الربيع العربي، يتوقع "هيرست" هو أن تكون هي ذات المكان الذي يُقضى فيه على الديكتاتورية التي جاءت بعد الربيع الأول.

وبحسب هكذا تحليل، فإن "هيرست" يرجح تنامي "إرهاصات الحراك" التي أطلق شرارتها المقاول والفنان المصري المعارض "محمد علي"، داعيا الجماهير، في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، إلى التظاهر الاحتجاجي ضد الرئيس العسكري "عبدالفتاح السيسي" ونظامه.

أما "أليساندرو برونو وجورجيو كافييرو" فيولي تحليله شطر الموقف  الخليجي من حراك الربيع الثاني، وتحديدا المحور السعودي الإماراتي؛ "لأن استمرار حشود الجزائريين والسودانيين وتصميمهم على منع الأنظمة العسكرية من حكم بلادهم، يعني أنهم قد يكونون على طريق التصادم مع دول الخليج الغنية بالنفط، التي تنظر إلى تطلعاتهم الديمقراطية باعتبارها تهديدا لمستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط"، وفقا لما أورده موقع "إنسايد أرابيا".

وفي هذا الإطار، سلط "العربي زيتوت"، الدبلوماسي الجزائري السابق، الضوء على ظاهرة خوف الملكيات الخليجية من الثورات، وهو خوف ينبع من إيمانها بأن إضفاء الطابع الديمقراطي على أي نظام في المنطقة "سوف يسقطها، لأنها بلا قاعدة شعبية حقيقية".

فهل يجهض المحور السعودي الإماراتي الربيع العربي الثاني مجددا كما جرى في 2013؟ أغلب تقديرات الخبراء تشير إلى حسم الإجابة في 2020.

المصدر | الخليج الجديد