الثلاثاء 31 ديسمبر 2019 06:52 ص

ربما يميز الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، أنها تأتي بعد 100 يوم أو تزيد قليلا، من تظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي، المطالبة برحيل الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي". 

وربما يكون المقاول "محمد علي" الذى حرك الشارع المصري قبل شهور، عبر كشف وقائع فساد بمليارات الجنيهات في مؤسستي الرئاسة والجيش المصري، هو الوجه الجديد لهذا الحراك، الذي يواجه اختبارا صعبا، خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

ذكرى تاسعة لثورة لم تحقق بعد المرجو منها، "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وميدان للتحرير، وسط القاهرة، بات تحت القبضة الأمنية، وثوار خلف الأسوار، وصحافة قيد الحجب، ووطن يرزح تحت حكم الطوارئ.

تأهب أمني

يبدو أن النظام المصري الحاكم، يعيش لحظة استفاقة بعد تظاهرات سبتمبر/أيلول، وسط مخاوف من انكسار جدار الخوف الذي بناه "السيسي"، منذ الانقلاب العسكري منتصف العام 2013.

في أكتوبر/تشرين الأول 2018، قال "السيسي"، في كلمة متلفزة، إن مصر لن تعود لما قبل 7 أو 8 سنوات، في إشارة إلى ثورة يناير/كانون الثاني التي أطاحت بحكم الرئيس "حسني مبارك".

وتشهد البلاد خلال الشهور الأخيرة، حالة تأهب أمني، بدا جليا في إطلاق حملات اعتقال ضارية طالت الآلاف، وتوسع في اعتقال الفتيات، والأكاديميين، والحقوقيين، والصحفيين، خاصة من تيارات ليبرالبية ويسارية.

وقبل أن يلملم 2019 أوراقه، تعرض المحامي الحقوقي "جمال عيد"، مدير "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"(مستقلة)، لاعتداء نفذته الشرطة المصرية.

يروي "عيد" عبر "فيسبوك"، مرفقا صورة له وهو غارق في مواد الطلاء، قائلا: "حوالى 10 أو 12، طرحوني أرضا، بعضهم كان يشل حركتي، بعضهم يضرب، بعضهم يغرقني بالطلاء، بعضهم يهدد الناس بالمسدسات حتى لا تساعدني، بعضهم يصورني، وكل ذلك عبر تعليمات الباشا (الضابط) الذي معهم".

وتزامنت حالة التصعيد الأمني، مع تعديل وزاري محدود لم يطل الوزارات السيادية، وحركة محافظين موسعة سيطر عليها لواءات جيش وشرطة، وتغييرات في أجهزة المخابرات والحرس الجمهوري والديوان الرئاسي، في محاولة لترتيب بيت الحكم من الداخل، ورأب الصدع الذي سمح بعودة المتظاهرين لميدان التحرير، استجابة لدعوات "علي".

وثيقة وعمل وطني

ثمة مشهدان ينبئان عن حراك للمعارضة المصرية، ربما يكون مقدمة لفعاليات قد تحرك الماء الراكد، نحو اصطفاف لقوى يناير؛ في محاولة لاستعادة روح التحرير، وإرباك نظام "السيسي".

الأول وثيقة "محمد علي" لتوحيد القوى المعارضة، قبل أسابيع من الذكرى التاسعة لثورة يناير/كانون الثاني، وتتضمن 8 مبادئ عامة و11 بندا للأولويات على تغيير النظام الحاكم بمصر، والإفراج عن السجناء السياسيين.

وتسعى الوثيقة للدخول في مرحلة انتقالية على أسس توافقية وتشاركية بين كافة التيارات الوطنية المصرية من أجل إنقاذ مصر، عن طريق المشروع الوطني الجامع الذي يشمل اتخاذ إصلاحات اقتصادية عاجلة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، والعمل على الانتقال الديمقراطي وإصلاح دستوري شامل، وصولا إلى انتخابات ديمقراطية تنافسية.

الثاني تدشين "مجموعة العمل الوطني المصري"، التي تضم رموزا سياسية في الداخل والخارج، وتدعو إلى وقف الممارسات القمعية، وتغيير الأوضاع الكارثية التي تتعرض لها البلاد، في ظل منظومة الحكم العسكري الدكتاتوري.

وقالت المجموعة، في بيان تأسيسها: "سوف نقوم بالتعبير عن الموقف السياسي من مختلف القضايا كلما اقتضت الضرورة واضعين نصب أعيننا الإجماع الشعبي، آملين أن نعبر بأمانة وصدق عن ثوابت شعبنا ورفضه للممارسات القمعية وتطلعه للتغيير الجذري والشامل للأوضاع الكارثية التي تتعرض لها مصرنا العزيزة".

مستقبل الحراك

لم تشهد مصر إلى الآن أي دعوات لافتة حاشدة للتظاهر والاحتجاج أو الاحتفاء داخل البلاد لإحياء الذكرى، لكن هناك تململ واسع في عدة قطاعات مهمة وحيوية في البلاد، بسبب السيطرة الهائلة لـ"السيسي" وأبنائه وعدد محدود من الدائرة اللصيقة به على كافة مقدرات الأمور.

وتحمل التغييرات الجارية في المشهد السياسي والإعلامي، إشارات إلى وجود صراع أجنحة بين الأجهزة الأمنية المصرية، إضافة إلى تزايد معدلات الانتحار في الشارع المصري، وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وإصرار الحكومة على رفع الدعم وزيادة أسعار كافة الخدمات والمرافق، ما يعني أن الشارع المصري لا يحمل ودا أو تأييدا للنظام الحاكم، وأنه قابع على فوهة بركان.

ولا شك في أن اشتعال جذوة الربيع العربي مجددا في السودان والجزائر ولبنان والعراق، قد يكون محفزا نحو استعادة أجواء يناير، شريطة اصطفاف حقيقي بين رفقاء الثورة، وإبداع آليات جديدة للحراك، الذي سيوجه حتما آلة أمنية شرسة، وقبضة حاكمة قوية، باتت تفتش هواتف المواطنين قبل منازلهم بحثا عن معارضيها.

الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني، مطلع العام الجديد 2020، في اختبار صعب، وفي مواجهة غير متكافئة، وقد تمر مرور الكرام كسابقاتها من المناسبات الثورية، لكنها تحمل نذر قلق للنظام حتى لو كانت صامتة، خشية تجدد الأمل، ومولد موجة ثانية، قد تطيح برئيس لم يتعظ بمن سبقوه.

المصدر | الخليج الجديد