السبت 4 يناير 2020 01:47 م

بعد 3 أيام من العام الجديد، استعد العالم لتصعيد دراماتيكي في التوترات بالشرق الأوسط بعد أن أسفرت غارة جوية أمريكية بطائرة مسيرة على مطار بغداد الدولي عن مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني "قاسم سليماني".

وعد المرشد الإيراني "علي خامنئي"، بالانتقام الشديد لمقتل "سليماني". ودافعت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن الضربة، قائلة إنها كانت تهدف إلى إحباط هجوم مخطط له كان يمكن أن يودي بحياة الأمريكيين، بينما دعا وزير الخارجية "مايك بومبيو" إلى تهدئة التوترات في أعقاب الهجوم.

خلق استهداف "سليماني" واحدة من أكثر النقاط المثيرة منذ حرب العراق والتي يمكن أن يكون لها تأثير عميق على خليط الولاءات الإقليمي، وخاصة في العراق، الذي سعى لتحقيق التوازن بين واشنطن وطهران.

ولفهم معنى مقتل "سليماني" بالنسبة للعراق والمنطقة ككل، تحدثت "فورين بوليسي" مع "دوغلاس سيليمان"، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في العراق حتى فبراير/شباط 2019. بعد 35 عامًا مع وزارة الخارجية، تقاعد "سيليمان" من الخدمة الخارجية في أبريل/نيسان وحتى الآن يشغل منصب رئيس معهد دول الخليج العربي في واشنطن. وقد تم تحرير هذه المقابلة من أجل الوضوح والإيجاز.

  • "فورين بوليسي": ماذا يعني هذا بالنسبة للعراق؟

"سيليمان": سيكون من المهم مشاهدة رد الفعل في العراق، لأن العراق متضارب للغاية بشأن الوجود الأمريكي. كما أنه متضارب للغاية بشأن الوجود الإيراني وخاصة تأثير إيران على الميليشيات الشيعية التي تسيطر الآن على أجزاء كبيرة من البلاد. سيكون من المثير للاهتمام أن نرى ماذا سيكون رد فعل الشباب العراقيين الذين كانوا في الشوارع خلال الأشهر الأربعة الماضية. هل سيدينون ببساطة هذا العمل الأمريكي أم سيسعون لاستخدام هذا كوسيلة للضغط على الحكومة لتقليص دور الميليشيات؟

أول شيء أود أن أوضحه هو أن أحد الأشخاص الذين قُتلوا، بالإضافة إلى "سليماني"، كان "أبو مهدي المهندس"، والذي عمل برتبة ملازم أول في قيادة قوة القدس الإيرانية في الداخل. وفي العراق هو القائد الفعلي لقوات "الحشد الشعبي". وكان يشرف على أفضل تكتيك لتنفيذ الأهداف الاستراتيجية لإيران في العراق وسوريا عبر إنشاء خط بري للاتصال، وسلسلة إمداد من إيران إلى العراق إلى سوريا وإلى لبنان لدعم نظام "الأسد" و"حزب الله" اللبناني.

ستكون وفاة "سليماني" خسارة كبيرة للغاية للميليشيات الموالية لإيران، كما أنها تخفف من القيادة والسيطرة المركزية على قوات "الحشد الشعبي". لذلك عندما أنظر إلى التهديدات المحتملة، أشعر بالقلق إزاء الميليشيات الفردية، خاصة أن بعضها كان قد تلقى تدريباً من إيران وتأثر بها، وشعرت أن هذا يمنحهم الآن حرية عمل فردية كاملة، حيث إن قوات الحشد الشعبي هم عدد من المجموعات المختلفة. وهذا هو الشغل الأول لزملائي في السفارة في بغداد وللأفراد العسكريين الأمريكيين وأفراد التحالف في القواعد العراقية في جميع أنحاء البلاد.

كان رد فعل المسؤولين العراقيين في أول 15 ساعة مثيرا للاهتمام. فقد أدان الرئيس "برهم صالح" الهجوم ولكنه دعا إلى الهدوء والعقلانية، وطلب رئيس الوزراء "عادل عبدالمهدي" أن يجتمع البرلمان للنظر في مسألة القوات الأمريكية في البلاد وقال في بيان إنه يعتقد أن هذا الهجوم الأمريكي ينتهك الشروط التي تنص على وجود القوات الأمريكية في البلاد.

ما أتوقعه هو على الأرجح تصويت في البرلمان العراقي لمطالبة القوات الأمريكية بالمغادرة أو احتمال مغادرة جميع القوات الأجنبية أو مغادرة قوات التحالف. هناك العديد من العراقيين الذين لا يريدون حدوث ذلك، لأنهم يفهمون أنه إذا غادرت القوات الأمريكية العراق، فهذا يعني بكل تأكيد أن الأعضاء الـ16 الآخرين في التحالف العسكري الذي ما زال يساعد العراقيين في قتال تنظيم "الدولة الإسلامية" سوف يغادرون أيضا.

لذا فإن عواقب مطالبة القوات الأمريكية بالرحيل قد تكون حرجة للعراق وقد ينتهي بها الأمر بشكل أساسي إلى تسليم السيطرة الأمنية على الفصائل المؤيدة لإيران داخل الأجهزة الأمنية. لذا، مرة أخرى، إن المخاطر كبيرة بالنسبة للعديد من الأكراد والسنة والشيعة العراقيين، وخاصة أولئك الذين يدعمون المتظاهرين الذين كانوا في الشوارع طوال الأشهر الأربعة الماضية، والذين يريدون رؤية حكم أفضل وتدخل إيراني وميليشياتي أقل في حياتهم.

  • "فورين بوليسي": ماذا يعني هذا بالنسبة للحلفاء السنة للولايات المتحدة في المنطقة؟ ما هو موقفهم الآن بينما تخطط إيران لردها؟

"سيليمان": أنا مهتم بالحلفاء الأمريكيين في المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات، لأنهم أهداف سهلة نسبياً لهجمات الوكلاء الإيرانيين. لذلك قد ترى هجمات من الحوثيين في اليمن عبر الحدود على السعودية. من المحتمل أن ترى هجمات من قوات الحشد المتحالفة مع إيران في العراق على السعودية. وهناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل الأذى في المنطقة. لذلك أعتقد أن دول الخليج ضعيفة إلى حد ما.

إذا نظرت إلى ما حدث في المنطقة على مدار الأشهر الستة الماضية، فإن ما أراه هو سلسلة من الاستفزازات، فإيران تستفز حلفاء الولايات المتحدة لمحاولة زيادة التكلفة عليهم و على الإدارة الأمريكية بقرار ترك الصفقة النووية الإيرانية وقرار فرض عقوبات اقتصادية.

لقد واجهت إيران ما يسمونه حملة المقاومة القصوى. لذلك شاهدتم استيلاء على سفن خارج مضيق هرمز مباشرةً، وأسقطت طائرة أمريكية بدون طيار، وشاهدنا هجمات من داخل اليمن على السعودية على مطار مدني وبعض مرافق البنية التحتية المدنية. ثم في وقت مبكر من الخريف، كانت الهجمات الإيرانية على البنية التحتية النفطية السعودية. لم يثر ذلك أي استجابة أمريكية. وأعتقد أن الإيرانيين كانوا يتوقعون أن يكون هناك نوع من الرد الأمريكي المفرط على بعض تلك الخطوات.

هناك أيضًا وجود عسكري أمريكي كبير في جميع دول مجلس التعاون الخليجي تقريبًا. وفي العديد من تلك المواقع، ليس لدينا فقط جنود وبحارة ومارينز وطيارون، ولكن لدينا أيضًا عائلات وأطفال أعضاء في الخدمة الأمريكية، ناهيك عن أسر وأبناء الدبلوماسيين الأمريكيين ورجال الأعمال الأمريكيين والعاملين في المنظمات غير الحكومية وغير الربحية.

هناك الكثير من الأمريكيين الذين يعيشون في السعودية والإمارات والكويت وأماكن أخرى في المنطقة. وبالتالي فإن عدد الأهداف التي تحمل علامة أمريكية يصبح أكبر بكثير وأكثر سهولة وأنت تنظر إلى المنطقة. أود أن أقول أيضًا أن هناك احتمالًا لشن هجمات على (إسرائيل) من لبنان أو من غرب سوريا، الأمر الذي سيكون أكثر صعوبة بعض الشيء. وتترافق إدانة (إسرائيل) عمومًا مع إدانة الولايات المتحدة من إيران.

  • "فورين بوليسي": تقول الإدارة الأمريكية إنها علمت أن إيران كانت تخطط لشن نوع من الهجوم الكبير ضد الولايات المتحدة وأن هذا كان وقائيًا. ما رأيك في هذا الادعاء، وهل تعتقد أننا سنرى أي معلومات مخابراتية حول هذا التهديد؟

"سيليمان": أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية بالنسبة للولايات المتحدة رفع السرية عن المعلومات ذات الطبيعة الاستخباراتية بسبب حساسية الطريقة التي يتم جمعها بها. لذلك بصراحة لا أتوقع أكثر من ملخص تقريبي لما استطعنا الحصول عليه.

ومع ذلك، فإن "سليماني" و"المهندس" والعناصر الموالية لإيران في قوات الحشد الشعبي وقوة القدس يخططون بنشاط ويهاجمون القوات الأمريكية ويطلقون صواريخ على منشآت دبلوماسية أمريكية في العراق لفترة طويلة جدًا. والكثير من هذه الميليشيات، وخاصة كتائب "حزب الله"، كانت في الفترة ما بين عامي 2006 و 2011 تقاتل ما اعتبروه الاحتلال الأمريكي للعراق. ادعاء الإدارة موثوق، لكن بدون التفاصيل، من الصعب توضيح ما إذا كان الرد يتناسب مع التهديد.

  • "فورين بوليسي": قال وزير الخارجية "مايك بومبيو" إنه يريد تقليل التصعيد. بناءً على تجربتك، ما الذي تعتقد أنه يجري الآن في وزارة الخارجية؟

"سيليمان": أعتقد أن ما يجري في وزارة الخارجية في الوقت الحالي هو خطوة للتأكد من أن موظفينا في المنطقة يتمتعون بالحماية وبعيدين بقدر الإمكان من الأذى.

سيكون من الصعب للغاية إجراء نقاش ثنائي أمريكي – إيراني في الوقت الحالي. أعتقد أن الأمر سيتطلب جهدا من الجهات الدولية الفاعلة الأخرى. وإن تغريدة الرئيس "ترامب" هذا الصباح بأن إيران لم تفز أبداً بأي حرب أو فقدت فرصة المفاوضات، قد تثير الشك في طهران حول استعداد الولايات المتحدة للدخول في نوع من المفاوضات التي قد تؤدي إلى تأجيل الصدام.

بخلاف ذلك، هناك صدمة للنظام لا يلزمها بالضرورة أن تؤدي إلى مزيد من الصراع، وإذا أدرك المجتمع الدولي وإدارة "ترامب" والإيرانيون هذا الأمر، فقد ينتهي بهم الأمر إلى دفع حلول للمشاكل الأخرى في المنطقة التي لم يتم حلها لفترة طويلة.

  • "فورين بوليسي": يبدو أنك أكثر تفاؤلاً بعض الشيء من الآخرين الذين يقولون "هذه هي الحرب العالمية الثالثة".

"سيليمان": أنا دبلوماسي متفائل.. تفاؤلي أكثر على المدى المتوسط. إذا كان بالإمكان اتخاذ إجراءات كافية لإثناء إيران عن الانتقام وثني الولايات المتحدة عن اتخاذ المزيد من الخطوات التصعيدية، فقد يكون هناك مجال لبعض المناقشة مع الكثير من المساعدة الدولية التي يمكن أن تحركنا في الاتجاه الصحيح والابتعاد عن الصراع.

المصدر | فورين بوليسي - ترجمة الخليج الجديد