الاثنين 13 يناير 2020 03:07 م

أدت وفاة السلطان "قابوس بن سعيد"، في 10 يناير/كانون الثاني الجاري، بعد ما يقرب من 50 عاما من حكم عُمان، إلى خروج أحد أبرز الحكام "المعتدلين" من المشهد تماما، فيما تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في صراع آخر في الخليج العربي.

وخلال وجوده في السلطة منذ أن أطاح بوالده في انقلاب شبه دموي في يوليو/تموز 1970، قاد السلطان "قابوس" سلطنة عُمان خلال فترة من التحديث الاجتماعي والاقتصادي السريع، حتى في الوقت الذي كان يسيطر فيه تماما على مفاتيح السلطة السياسية العمانية.

وأثارت مركزية السلطة في عهد "قابوس"، إلى جانب رفضه تسمية خليفته علنا، تكهنات مستمرة حول أمر الخلافة بعد وفاته.

وتوفي "قابوس" في عمر 79 عاما، لكن على الرغم من ذلك، سارت عملية الانتقال إلى السلطان الجديد، "هيثم بن طارق آل سعيد"، ابن عم "قابوس"، بسرعة وسلاسة، تمامًا كما توقع المسؤولون العمانيون.

وكان "هيثم" واحدا من 3 أشقاء اعتبرهم مراقبو الشأن العماني منذ فترة طويلة هم المرشحون المحتملون للخلافة، وهو من مواليد 1954، ويمثل انتقالا دقيقا بين الأجيال، حيث اكتسب خبرة أكثر من 30 عاما في صنع السياسة في الوظائف الحكومية العليا.

وفي بداية حياته المهنية، عمل "هيثم" لمدة 16 عاما في وزارة الخارجية العمانية، بما في ذلك أمينا عاما لها لمدة 8 أعوام، بين عامي 1994 و2002.

ومنذ ذلك الحين، شغل منصب وزير التراث الوطني والثقافة، وارتفع ملفه الشخصي بشكل أكبر عام 2013، عندما عينه "قابوس" رئيسا للجنة المكلفة بتطوير "رؤية عمان 2040"، وهي الخطة الاقتصادية اللاحقة لـ"رؤية 2020"، التي أطلقها "قابوس" عام 1995، كأول "الرؤى" طويلة المدى التي تهيمن الآن على المشهد الاقتصادي في جميع دول الخليج الـ6.

وبصفته عضوا بارزا ومن ذوي الخبرة في العائلة المالكة العمانية، وحفيد السلطان السابق، "تيمور بن فيصل"، الذي حكم ما كان في ذلك الوقت سلطنة مسقط وعُمان من 1913 إلى 1932، سوف يسعى "هيثم" إلى وضع بصمته في بلدٍ أصبح مرادفا لـ"قابوس"، ومجتمعٍ لم يعرف أي حاكم آخر في الغالب.

بعد الاستيلاء على السلطة في وقت خطير بالنسبة لسلطنة عمان، في منتصف تمرد مدعوم من قبل الماركسيين آنذاك لمدة 10 أعوام في مقاطعة "ظفار" الجنوبية الغربية، شرع "قابوس" في برنامج شخصي للغاية لبناء الأمة بعد أن هزم التمرد عام 1975.

وشمل هذا جولات "لقاء الشعب" السنوية، حيث كان السلطان ومستشاروه يقضون أسابيع في السفر عبر عُمان والجلوس مع العمانيين من جميع الخلفيات لسماع ومعالجة أي مظالم أو قضايا لديهم، وكذلك إعادة تأهيل المعارضين السابقين وإعادة إدماجهم، بما في ذلك "يوسف بن علوي"، الوزير العماني المسؤول عن الشؤون الخارجية منذ عام 1997، الذي كان عضوا نشطا في جبهة تحرير "ظفار" في الستينات.

وتباينت الرواية الوطنية التي ظهرت مع مرور الأعوام في عهد "قابوس" مع فترة الظلام التي سبقتها، ما جعل استيلاء "قابوس" على السلطة عام 1970 نقطة انطلاق للنهضة العمانية.

وفي حين أن الطبيعة الحاسمة والسريعة للانتقال من "قابوس" إلى "هيثم" قد تجاوزت قلق المراقبين الخارجيين من غموض عملية الخلافة، فإن السلطان الجديد سيجد حتما أنه من الصعب تكرار ممارسة السلطة السياسية الكاريزمية التي تمتع بها "قابوس" كـ"والد" للأمة.

ومن خلال بناء قصة عمانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بتراثه القيادي، فإن عملية تسمية "هيثم" سلطانا من قبل "قابوس" تعد محاولة لمنح السلطان الجديد شرعية فورية.

ومع ذلك، في مرحلة ما، ربما عاجلا أم آجلا، من المرجح أن يواجه "هيثم" العديد من التحديات الاقتصادية نفسها التي تراكمت في الأعوام الأخيرة من حكم "قابوس"، وبدون الهالة الواقية من "التبصر" التي كان يراها معظم العمانيين حول "قابوس".

وأثار الغضب العام من الأداء الاقتصادي البطيء وتصورات الفساد احتجاجات في عام 2011، خلال الربيع العربي، وربما يحدث ذلك مرة أخرى، وقد تتسبب حقيقة أن "هيثم" كان هو نفسه رجل أعمال نشطا، ويرتبط مع "المدينة الزرقاء"، وهو مشروع ضخم فاشل اشترته الدولة بشكل مثير للجدل بعد أن واجه صعوبات عام 2012، قد يجعل من الصعب عليه أن يبقى فوق النقد إذا ارتفعت التوترات.

وفي إطار الشؤون الإقليمية، تعهد "هيثم" على الفور باتباع سياسة "قابوس" القائمة على التعايش السلمي مع جميع الدول والالتزام بحسن الجوار.

وكان رفض سلطنة عمان منذ فترة طويلة الانحياز إلى أطراف معينة أو التورط في نزاعات ومواجهة إقليمية قد مكّن "قابوس" من كسب سمعة بصفته وسيطا قادرا على تمرير الرسائل وتهيئة الظروف للحوار بين الخصوم، مثل الولايات المتحدة وإيران بين عامي 2011 و2013، وفي 2019 بين المسؤولين السعوديين وممثلي الحوثيين.

وكانت الوساطة العمانية حاسمة في تمكين المحادثات التي تطورت إلى مفاوضات "بي5+1" مع إيران، التي تُوجت بخطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015.

ومن المفارقات المحزنة أن الأيام الأخيرة من حياة "قابوس" تميزت بتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن سحب الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الولايات المتحدة من الخطة عام 2018، وبدأ حملة "أقصى ضغط" غير المدروسة، التي تهدف إلى زيادة عزلة إيران والضغط عليها.

وكانت رسائل الحاجة لتهدئة التصعيد، التي مرت عبر وسيط أوروبي، قبل الضربة الصاروخية الإيرانية في 8 يناير/كانون الثاني على أهداف أمريكية في العراق، بمثابة تذكير في الوقت المناسب بالحاجة إلى "طرف ثالث" محترم يمكنه الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع أو تقليل فرص سوء التقدير العرضي الذي قد يؤدي إلى مزيد من الصراع في المنطقة.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت سلطنة عمان في عهد السلطان "هيثم" سوف تستمر في أداء هذا الدور، كما سيكون من المفيد أيضا معرفة ما إذا كان أي من جيران سلطنة عمان الأكثر حزما يسعون إلى التأثير على "هيثم" ليتماشى بشكل أوثق مع نهجهم الخاص في السياسة الخليجية الإقليمية.

وقد راقب المسؤولون العمانيون عن كثب جولتي التوتر في الخليج بين الثلاثي، المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وقطر، عام 2014، ومرة ​​أخرى منذ عام 2017، وهم يدركون تماما أن الضغط على قطر بدأ خلال أسابيع من وصول أمير جديد إلى السلطة.

ويعني عدم اليقين الإقليمي أن تحركات "هيثم" الأولى كسلطان ستتم متابعتها باهتمام كبير في العواصم على جانبي الأزمة الخليجية، في الوقت الذي تتكيف فيه عمان مع الحياة في عصر ما بعد "قابوس".

المصدر | كريستيان أولريخسن | المونيتور - ترجمة الخليج الجديد