الثلاثاء 14 يناير 2020 07:02 م

بعد 5 عقود قضاها السلطان الراحل "قابوس بن سعيد" في السلطة، شهدت البلاد انتقالا آمنا وسريعا للسلطة، لكن ذلك لا ينفي أن هناك الكثير من التحديات التي ستواجه سلطان البلاد الجديد "هيثم بن طارق آل سعيد" خلال السنوات المقبلة.

ويبلغ السلطان الجديد من العمر حوالي 65 عاما، وكان يشغل منصب وزير التراث والثقافة منذ عام 2002، ويمتلك خبرة دبلوماسية كونها أثناء شغله منصب الأمين العام لوزارة الخارجية، ووكيل الوزارة للشؤون السياسية، والوزير المفوض، كما شغل سابقا منصب رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية للسلطنة "عمان 2040".

وتضمنت التصريحات الأولى للسلطان الجديد رسالة طمأنة لدول الجوار، والقوى الإقليمية والدولية، بعد أن وعد بالسير على إرث سلفه الراحل، ومواصلة بلاده دعم دول المنطقة والتعاون مع قادتها في حل الصراعات والخلافات.

  • 1- سياسة الحياد

يُعرف عن مسقط أنها دولة محايدة سياسيا بشكل كبير رغم وقوعها في منطقة تشهد توترات سياسية وتعج بصراعات أيدلوجية وطائفية. غير أن السلطان الراحل "قابوس" تمكن بحنكة يُحسد عليها من النأي ببلاده بعيدا عن التجاذبات السياسية، وخاصة الصراع الكبير بين السعودية وإيران. كما نجح السلطان الراحل في تقديم بلاده للعب دور الوسيط الإقليمي والدولي.

ويُجمع المراقبون -تقريبا- على أن عمان ستحافظ على نفس المسار الحيادي في السياسة الخارجية بعهد السلطان الجديد؛ تجنبا لنقل الانقسامات السياسية إلى ملعبها الداخلي، وللحيلولة دون التورط في عداوات مع أي من الأطراف المتصارعة، وهو ما يفقدها ثقلها الدبلوماسي كوسيط نزيه.

والتزمت السلطنة الحياد إبان الأزمة الخليجية مع قطر، ورفضت كذلك المشاركة في حرب اليمن، أو التورط في دوامة التوتر المتصاعد بين السعودية وإيران، أو بين واشنطن وطهران.

ويبدو أن السلطان الجديد يدرك جيدا أن من مصلحته الحفاظ على وصفة بلاده السحرية لعزل نفسها عن الصراعات العسكرية والتوترات الطائفية في المنطقة، وهو ما أبرقه في خطاب التنصيب الأول له قائلا: "سوف نرتسم خط السلطان الراحل مؤكدين على الثوابت (...) وسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لغيرنا".

  • 2- رؤية 2040

واستكمالا لحيادها السياسي، تتبنى مسقط سياسات اقتصادية مستقلة، وهي تتجنب الاقتراض من العواصم الخليجية والمؤسسات الدولية؛لتتفادى التعرض لضغوط أو إملاءات سياسية.

ويرجح مراقبون أن رئاسة السلطان الجديد "هيثم بن طارق" للجنة الرؤى المستقبلية المكلفة بالتخطيط لمستقبل عمان حتى عام 2040، ربما تعني أن الاقتصاد سيهيمن على أجندت؛ سعيا لإنجاح خطط التنويع الاقتصادي بما يقلل الاعتماد على عائدات النفط كمورد أساسي لاقتصاد السلطنة.

ووفق الخبيرة بمعهد دول الخليج العربية في واشنطن "كريستين ديوان"، فإن "الضمان الأفضل لحياد عمان هو تنفيذ إعادة هيكلة اقتصادية ناجحة تعتمد على شعبها وتتجنب الاعتماد على أي قوة أخرى".

ويعد السلطان الجديد أحد رجال الأعمال في السلطنة والمهتمين بالاستثمار، وكان رئيسا لمجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة التي شاركت في بناء محطتي الطاقة الرئيسيتين في عمان (مناح وصحار). وتعتبر شركته وكيلا حصريا لعدة شركات متعددة الجنسيات في عمان.

و"رؤية 2040" هي خطة استراتيجية للتنمية طويلة الأمد، تعول عليها مسقط لتنشيط قطاعات اقتصادية غير تقليدية مثل السياحة، واللوجيستيات، والتصنيع، وصيد الأسماك، والتعدين، ورفع نسبة عمالة المواطنين العمانيين في القطاع الخاص إلى 42%، وزيادة الاستثمارات الأجنبية، والحد من البطالة، ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للمواطن.

  • 3- إصلاحات سياسية

من المؤكد أن السلطان الجديد، الذي اكتسب خبرة لأكثر من 30 عاما في صنع السياسة في الوظائف الحكومية العليا، ستكون له بصمة خاصة، في ظل متغيرات وتحديات تتطلب المزيد من الإصلاحات السياسية في البلاد.

ووفق الهياكل المركزية لصناعة القرار في عمان، يشغل السلطان مناصب رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير المالية ووزير الخارجية، ورئيس مجلس محافظي البنك المركزي العماني.

وربما كان الوقت مبكرا لاستكشاف نوايا السلطان الجديد، لكن المخاوف من تكرار احتجاجات 2011 خلال الربيع العربي، وما تموج به من المنطقة من صراعات، قد تكون محفزا لبناء مؤسسات فاعلة في الدولة العمانية، والحد من مركزية الحكم، وبيروقراطية القرار؛ بما يقوي الداخل العماني.

  • 4- اليمن وقطر وإيران

إقليما ودوليا، تعد الأزمات الخارجية التحدي الأكبر على أجندة السلطان الجديد، لا سيما التداعيات الأمنية المتزايدة للحرب في اليمن على المحافظات الجنوبية العمانية خاصة محافظة ظفار الحدودية.

وتحتفظ مسقط بقنوات اتصال مفتوحة مع إيران والمتمردين الحوثيين في اليمن من جانب، والتحالف العربي الذي تقوده السعودية من جانب آخر؛ ما يمكنها من لعب دور الوسيط، والمستضيف لمفاوضات بين أطراف الصراع، وعقد صفقات تبادل الأسرى بين الجانبين، وربما إبرام حل سياسي ينهي الحرب القائمة في البلاد منذ 2015.

وإلى جانب الكويت، تدعم عمان أيضا مبادرات الوساطة لإنهاء الحصار على قطر المستمر منذ يونيو/حزيران 2017، الذي رفضت مسقط المشاركة فيه غير عابئة بضغوط الرياض وأبوظبي، وربما تمارس عمان دورا أكثر فاعلية في هذا الإطار خلال الأسابيع المقبلة.

ويحسب لمسقط نجاحها في الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران والرياض، رغم العداوة العميقة بين الطرفين؛ وهو ما يؤهلها أيضا للعب دور في التهدئة بين الجانبين، إلى جانب خفض التوتر بين طهران وواشنطن، وتجنب ويلات حرب في المنطقة على خلفية تداعيات اغتيال القائد العسكري الإيراني "قاسم سليماني".

  • 5- عمان و(إسرائيل)

تبقى قضية العلاقات مع الدولة العبرية حاضرة بقوة في أروقة الدبلوماسية العمانية، خاصة منذ استضافة السلطان الراحل "قابوس" رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في مسقط، أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وليس من المستبعد أن يواصل السلطان الجديد نفس السياسة بهدف نيل رضا واشنطن، وتثبيت دعائم حكمه، والتحوط من تقلبات السياسة السعودية والإماراتية.

وترشح دوائر غربية سلطنة عمان لتكون أول دولة خليجية تفتح سفارة إسرائيلية على أراضيها؛ لتكون بوابة للتطبيع الإسرائيلي مع الخليج.

يمكننا أن نقول إذن إن السياسة الخارجية العمانية تمتلك طابعا فريدا يؤهلا للعب دور "صندوق بريد" موثوق لجميع الدول المتصارعة بما يشمل الولايات المتحدة والعالم الغربي وإيران، ومجلس التعاون الخليجي؛ نظرا قدرتها على التواصل مع كافة العواصم، ولعب دور الوسيط النزيه، وتجنب التورط في صراعات سياسية من أي نوع.

وسيكون من الصعب على السلطان الجديد تغيير سياسة تم ترسيخها على مدار أكثر من 5 عقود من حكم "قابوس"، لكن الحفاظ على هذه التوازنات ستكون مهمة لا تقل صعوبة.

المصدر | الخليج الجديد