الجمعة 17 يناير 2020 06:09 م

لماذا يرجح أغلب مراقبو الشأن العماني استمرار السلطان الجديد "هيثم بن طارق آل سعيد" في السير على نهج سلفه "قابوس بن سعيد" رغم نظام الحكم شبه المطلق في البلاد وما يتمتع به السلطان من صلاحيات تمكنه من إجراء تغييرات جذرية؟.

تعود الإجابة على هذا السؤال إلى تركيبة صناعة القرار الاستراتيجي في عمان من جانب، والسياق التاريخي لسياسة "الحياد" التي اتبعتها السلطنة إزاء الصراعات الإقليمية من جانب آخر.

وفي هذا الإطار، يشير نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة "مختار غباشي" إلى صعوبة "تغيير عمان لسياسة امتدت 50 عاما (فترة تولي قابوس)، لعبت فيها مسقط دور صندوق البريد للولايات المتحدة والعالم الغربي وإيران، وارتبطت خلالها بعلاقات جيدة مع طهران، وفي نفس الوقت تمتعت بعضوية مجلس التعاون الخليجي"، وهو ما أهل البلاد لحوز لقب "سويسرا الشرق الأوسط".

لكن الحياد العماني لا يعني سلبية السياسة الخارجية، والدليل هو الأزمة الخليجية بحسب "غباشي"، الذي أشار إلى أن "هناك توافقا على ترك أمر الوساطة للكويت، رغم أن سلطنة عمان أقرب إلى الموقف الكويتي القطري منه إلى الموقف البحريني السعودي الإماراتي بشكل كبير"، وفقا لما نقلته وكالة "الأناضول".

ويستند الاتجاه التاريخي لعمان إلى مرتكزين أساسين؛ الأول هو إجماع العائلة الحاكمة، والثاني هو المصالح الاقتصادية التاريخية التي جنتها مسقط من هذه الاستراتيجية.

الحياة في أسرة بوسعيد

ولذا يؤكد محلل الشؤون الدولية والاستراتيجية "أنس القصاص"، أن سياسة الحياد العماني لم تكن قائمة على المناورة الفردية التي تنتهي برحيل الحاكم، بل كانت سياسة مُجمعا عليها داخل أسرة "بوسعيد".

ويرتبط هذا الإجماع، وفق "القصاص"، بتنشيط اقتصاد عمان، خاصة أن السلطنة لديها مشكلات اقتصادية مع تهاوي أسعار النفط وإغلاق بعض الحقول، لافتا إلى أن البلاد تحاول تمويل عجز الموازنة من باب الوساطة في المنطقة وفتح ملفات سياسية تنعش حالة البلاد الاقتصادية.

وكمثال على ذلك، تقوم السلطنة بدور في بيع النفط الإيراني لتفادي العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، وهو ما يجعلها تستفيد سياسيا من الصداقة مع طهران دون الاصطفاف ضد السعودية.

وحتى الرياض نفسها استفادت من هذا الوضع لاحقا بعد أن فشلت حملتها العسكرية في اليمن في تحقيق أهدافها، إذ تحولت عمان إلى بوابة للسعودية للتواصل مع الحوثيين وحلفائهم الإيرانيين، وهو ما عبرت عنه زيارة نائب وزير الدفاع السعودي، شقيق ولي العهد، الأمير "خالد بن سلمان" المكلف بالملف اليمني إلى السلطنة ولقائه بالسلطان الراحل "قابوس" في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وفي السياق ذاته، يمكن قراءة دور مسقط في إدخال الأسلحة الإيرانية إلى اليمن خلال الأعوام الماضية "بمسايرة غربية" بهدف تحجيم السعودية وإجراء صفقات سلاح تدر عوائد اقتصادية كبيرة على عمان وإيران والغرب جميعا.

وكان تأسيس عمان قناة تفاوض خلفية بين الولايات المتحدة وإيران، أسفرت في نهاية المطاف عن الصفقة النووية عام 2015، المعروفة رسميًّا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، أبرز مظاهر الدور المحوري لسياسة الحياد التي تتبعها مسقط خارجيا.

وفي هذا الإطار أيضا، جاء الموقف العماني من الأزمة السورية، فمنذ عام 2011 وفي الوقت الذي أيدت فيه معظم الدول العربية الإطاحة بـ"بشار الأسد"، خالفت سلطنة عُمان ذلك التوجه في حينه وأعلنت رفضها لأي عمليات تستهدف إسقاط النظام السوري، ودعت إلى إنتهاج الطرق السلمية والدبلوماسية لتسوية الأزمة.

ويعد وزير الشؤون الخارجية العماني "يوسف بن علوي" الوزير الخليجي الوحيد الذي زار سوريا في السنوات التسع الأخيرة.

براجماتية اقتصادية

ويذهب الباحث "جوزيف كشيشيان"، في تحليل نشرته مؤسسة "راند" الأمريكية، إلى أن فهم السياسة الخارجية العمانية يتطلب أولًا فهم كيف تعمل دبلوماسيتها للموازنة بين المصالح والبحث عن المنافع المتبادلة، وفتح أبواب التواصل الدولي، وإبقائها مفتوحة حتى أثناء الصراع.

ويعد المُكَوِّن الثابت في هذه التركيبة العمانية، بحسب "كشيشيان" هو البراجماتية، فالسلطنة لا تبالغ في تقدير قدراتها، ولا تغرق في التفاؤل بشأن نوايا الدول الأخرى تجاهها، ولا تستبعد أن يتحوَّل الأعداء السابقون إلى شركاء محتملين، ولا تستنكف أن تطرح مبادرات جريئة لا تحظى بشعبية بين الحكام العرب؛ طالما أنها تخدم أهدافها طويلة الأجل، المتمثلة في تأمين احتياجاتها الاقتصادية.

من هذا المنطلق، اعتبرت مسقط الأزمة الخليجية فرصة اقتصادية استغلتها من خلال رفع مستويات تعاونها الاقتصادي مع الدوحة، وإبرام البلدين اتفاقا وزاريا في 28 يناير/كانون الثاني 2018، يقضي برفع مستوى التعاون والمبادلات في قطاع المواد الغذائية والتسويق والتصدير والاستثمار، وهو ما تسبب في رفع حجم الصادرات العمانية إلى قطر.

وأظهرت التقديرات المنشورة أوائل ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، أن حجم التجارة بين البلدين قد ارتفع خلال 3 أشهر بمئات الملايين من الدولارات، وأن عمان أضحت بالنسبة لقطر محطة دولية لاستقبال الشحنات البحرية القطرية التي تم منعها من عبور المياه الإقليمية السعودية والإماراتية.

نتيجة لذلك، يجمع المحللون تقريبا أن سلطان عمان الجديد سيكون حريصا على اتباع نهج سلفه عبر تبني سياسة "الحياد المدفوع اقتصاديا"، خاصة أن السلطان "هيثم بن طارق" يتمتع ببعض الخبرة الاقتصادية بفضل ترؤسه للجنة رؤية عمان 2040، إضافة إلى خبرته الدبلوماسية، حيث شغل منصب الأمين العام لوزارة الخارجية، فضلا عن تمتعه بشرعية كبيرة بعدما جرى اختياره بواسطة وصية سلفه "قابوس".

تطبيع دبلوماسي

وفي ذات الإطار، يتوقع الباحث السياسي "محمد حامد" أن تكون عمان أول دولة خليجية تفتح سفارة إسرائيلية على أراضيها، وفقا لما نقلته وكالة "الأناضول"، خاصة في ظل مؤشرات توطيد العلاقات بين البلدين، والتي كان آخرها زيارة رئيس الوزراء الصهيوني "بنيامين نتنياهو" الرسمية لمسقط عام 2018.

ومن شأن هذا الاتجاه أن يعزز دور مسقط كـ "وسيط" وصندوق أسود لمفاوضات الدول المتصارعة إقليميا، وبالتالي نمو عوائدها الاقتصادية، رغم أنه قد يثير غضب الرأي العام العربي المتعاطف مع القضية الفلسطينية.

ويتسق هذا الاتجاه أيضا مع كون عمان كان الدولة العربية الوحيدة التي دعمت زيارة الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" لدولة الاحتلال الإسرائيلي وتوقيعه لاتفاقية "كامب ديفيد" عام 1978، في إطار استراتيجية خطها "قابوس" وتعتمد على التزام الحياد في جميع الصراعات الإقليمية.

ولذا يرجح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن يواصل "هيثم بن طارق" سياسة الموازنة بين إيران و(إسرائيل) مستقبلا، باعتبارهما قطبي الصراع الإقليمي الرئيسيين في ظل المؤشرات التي تفيد بتخفف الولايات المتحدة من انخراطها العسكري والسياسي المباشر في الشرق الأوسط.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات