الجمعة 17 يناير 2020 06:52 م

يستمر اهتمام العالم بكل شيء عن صعود حاكم عُمان الجديد، السلطان "هيثم بن طارق آل سعيد"، بما في ذلك السلطان نفسه.

وقال السلطان في خطابه الافتتاحي، في 11 يناير/كانون الثاني، بعد يوم من وفاة سلفه، السلطان "قابوس بن سعيد آل سعيد": "سنواصل اتباع نفس المسار الذي تبناه السلطان الراحل".

وبغض النظر، سيواجه "هيثم" تحديا في ملء مكانة "قابوس" الكبيرة. وخلال فترة حكمه، التي استمرت نحو 50 عاما، وضع "قابوس" أساسا للجيوسياسية العمانية.

وكان "قابوس" في نهاية حياته يمشي على خط رفيع من تكتيكات القرن الـ 21. وقد أظهر كيف كان هذا الأساس مناسبا لوقته. وواجه عدد قليل من الحكام الخليجيين في المنطقة عدد التحديات التي واجهها "قابوس".

استلم "قابوس" إمبراطورية متخلفة ومتداعية، واستطاع دفعها لتواكب تطورات القرن العشرين. وبالنسبة للسلطان الجديد، ستحتاج استراتيجيات الماضي إلى تحديث، وهذا أول تحدياته الملكية.

  • "قابوس".. أبو الاستراتيجية الوطنية

وكان "قابوس" آخر نسل سلالة خليجية خاصة، وهي سلالة شهد حكمها فقر حقبة ما قبل النفط، وطفرة ثروة ما بعد النفط كذلك.

وبعد توليه السلطة في انقلاب على والده عام 1970، تولى "قابوس"، البالغ من العمر آنذاك 29 عاما، قيادة دولة، ولكنها لم تكن أمة. وفي تلك المرحلة، كانت عُمان غير مطورة ومنقسمة، وبالكاد خرجت من الجناح الإمبراطوري لبريطانيا. وسعى جاره في جنوب اليمن الشيوعي لتصدير الثورة من خلال تمرد نشط في محافظة "ظفار". وكانت شقيقتاها الناشئتان من دول الخليج، الإمارات والسعودية، طامعتين في الأراضي العمانية.

وفي بعض البلدات في الداخل، تذمر أتباع سلطان عمان المخلوع، الإمام "غالب الهنائي"، (وهو سلطة دينية وسياسية مستقلة سابقا)، ضد مسقط، بعد أن احتلوا مناطق داخلية في الخمسينيات بدعم من بريطانيا. لكن الإمبراطورية البريطانية كانت آنذاك في تراجع هائل، ولم يكن من الواضح من الذي قد يحل محلها كضامن في أيام الحرب الباردة غير المستقرة.

وعلى الرغم من كل هذا، وجد "قابوس" صيغة ناجحة. ولدرء المنافسين، والحفاظ على سياسة عُمان الخارجية مستقلة إلى حد كبير، جعل من سلطنة عمان عضوا مفيدا للقوى الكبيرة والصغيرة، من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى إيران و(إسرائيل).

وقد وزع "قابوس" ثروات الطاقة المحدودة في سلطنة عُمان على القبائل والقرى ورجال الأعمال، وبنى شبكة واسعة من المؤيدين الموالين له، واعتمد عليهم وعلى قوات الأمن للحفاظ على السياسة العمانية مستقرة.

  • وراثة ملفات ناقصة

ولم تكن استراتيجيات "قابوس" مثالية، فكونه أقرب إلى إيران يعني غضب إخوانه الخليجيين في أبوظبي والرياض.

كما أن تحالفه المهم للغاية مع الولايات المتحدة، واتفاقه اللاحق بوجود قوات أمريكية على أراضيه، جعل سلطنة عمان في مرمى الصواريخ الإيرانية، إذا بدأت الحرب الإقليمية المنتظرة.

ومن خلال استخراج ثروة الدولة العمانية، اشترى "قابوس" ولاء مؤيديه بتكلفة باهظة من الفساد العميق والدائم، وهو خلل لابد من معالجته إذا أُريد تحقيق مستقبل لمسقط فيما بعد الهيدروكربون.

وفي حين أن احتكاره للسياسة العمانية قد قلل من المعارضة، إلا أن "قابوس" لم يقض عليها تماما؛ ففي الربيع العربي، خاطر الشباب العماني بسمعتهم وحريتهم الشخصية لمطالبة السلطان بوضع اقتصادي أفضل. وما يرثه "بن طارق" هو هذه الاستراتيجيات الناقصة.

ويواجه الزعيم العُماني الجديد الكثير من التحديات في الخارج، بدءا من السعوديين والإماراتيين. لقد استطاع "قابوس" التعامل معهم، باستغلال الوضع المحوري للولايات المتحدة لصد سياساتهم، مع الاعتماد على سحره الشخصي لمنع تأثير جيرانه الخليجيين الأقوياء على ما يجري داخل حدوده.

ويستطيع "بن طارق"، بالطبع، البقاء على مقربة من الولايات المتحدة، وقد يعزز عمل سلفه عن طريق الاقتراب من (إسرائيل) كوسيلة للحصول على الدعم من واشنطن، بالإضافة إلى كونه شريكا مفيدا في تحقيق أهداف الولايات المتحدة الإقليمية. 

وبشأن ما ورثه من اقتصادٍ عماني متذبذب، فإن السلطان الجديد بحاجة ماسة للاستثمار. وعندما يتدفق المال السعودي والإماراتي إلى سلطنة عمان، سيحتاج "بن طارق" لإيجاد طريقة لضمان استمرار العمانيين في رؤيته على أنه مركز الأمة، وعدم البدء في الشعور بتحول الولاء لصالح الاستثمارات الأجنبية.

وسيحتاج "بن طارق" أيضا للمساعدة في إدارة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بالقيام بالوساطة بين الجانبين دون أن يُرى أنه يفضل أحدهما على الآخر، مع الأخذ في الاعتبار خطر جر عُمان إلى حرب بينهما.

وتستضيف العديد من القواعد العمانية عددا من القوات الأمريكية، التي سيتم اعتبارها أهدافا في حالة تصاعد الاحتكاكات الإقليمية بين إيران وخصومها بشكلٍ كافٍ، وتم بالفعل تخريب ناقلات النفط غير البعيدة عن المياه العمانية على أيدي القوات الإيرانية.

فهل يتمكن "هيثم" من تكرار رصيد "قابوس" من الموازنة، وهل ينجح في الإبقاء على عُمان مفيدة للجميع وتهديدًا للا أحد؟ أم يقرر تغيير المسار، واختيار التقرب من أحد الطرفين، أمريكا أو إيران، وتغيير الإستراتيجية الدبلوماسية للبلاد لمنع توريط عُمان في الحرب؟

وفي الداخل، كيف سيملأ "بن طارق" مكانة "أبو الأمة؟" فلن يكون لديه أي حملة عسكرية كبيرة، كما فعل "قابوس" في تمرد "ظفار"، لإكساب نفسه جاذبية الجنرالات. وسيكون لديه أموال أقل لتوزيعها على الموالين والقبائل لكسب الولاء الشخصي، وما سيحصل عليه من أموال سيأتي مع قيود متزايدة، سواء كان ذلك من مستثمرين دوليين يتطلعون لعائدات هذه الاستثمارات، أو من أشقائه العرب الخليجيين، الذين يدفعون الأموال مقابل النفوذ.

ولموازنة الضغط الاجتماعي، ربما يفكر "بن طارق" في تحرير السياسة الداخلية، وكان ذلك من المحرمات العظيمة في عهد "قابوس". أو ربما يتبع خطى جيرانه السعوديين والإماراتيين ويبدأ حملة ضد المعارضين.

وتعد هذه التحديات طويلة الأجل الآن هي إرث "قابوس". لقد قاد السلطان الراحل عُمان أثناء ولادتها من جديد من أطلال الإمبراطورية. ويجب على خَلَفِه أن يجد طريقا نحو الاستدامة الجيوسياسية. لقد فعل "قابوس" الكثير ليجعل سلطنة عمان تواكب الوقت الحاضر. لكن هذه الاستراتيجيات تحتاج الآن إلى تحديث، وسيكون اختيار كيفية التحديث أحد أول مهام "بن طارق" الكبيرة.

المصدر | ريان بول/ ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد