الثلاثاء 28 يناير 2020 12:20 م

كشفت وصية السلطان الراحل "قابوس بن سعيد"، التي فضلت أن يكون السلطان الجديد هو ابن عمه "هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد" بخلفيته في وزارة الخارجية والثقافة، وليس شقيقي الأخير "شهاب" و"أسعد"، وكلاهما عسكريان، كشفت عن رغبة "قابوس" الواضحة في استمرار دور بلاده كوسيط دبلوماسي محايد في المنطقة بعد وفاته.

وتخرج "أسعد" من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية وخدم في جيش بلاده كرئيس لسلاح المدرعات وحصل على رتبه عميد، فيما شغل "شهاب" منصب قائد البحرية السلطانية العمانية بين عامي 1990 و2004.

وفي المقابل سبق للسلطان "هيثم" أن شغل العديد من المناصب في وزارة الخارجية ومنها الأمين العام للوزارة، ووكيل الوزارة للشؤون السياسية ووزير التراث والثقافة من فبراير/ شباط 2002 حتى 11 يناير/كانون الثاني 2020.

وبالرغم من الانتقال السلس للسلطة في البلاد، وأداء "هيثم بن طارق" اليمين القانونية سلطانًا تاسعًا لعُمان في أجواء هادئة، لا تزال هناك مخاطر محدقة ربما تكون سببا في تهديد استقرار البلاد وتعصف بحيادها الراسخ على مدار سنوات.

وتتمثل هذه المخاطر بشكل أساسي في مساعي السعودية والإمارات لتوسيع نفوذهما الإقليمي، حيث يعتبر الجاران الخليجيان أن وفاة "قابوس" فرصة فريدة من نوعها للنهوض بأجندتهما التوسعية، والحصول على مكاسب كان السلطان الراحل يقف سد منيعا دون تحقيقها.

السعودية.. تبعات السياسية العدوانية

على مدي عقود، وضع السلطان "قابوس" بلاده كوسيط محايد، يساهم في حل النزاعات الإقليمية.

غير أنه مع اشتداد التنافس بين إيران والسعودية عقب الغزو الأمريكي للعراق، والذي أنهى دور بغداد كقوة موازنة مقابل الدولة الفارسية، وخلق مزيجا من التنافس الجيوسياسي والطائفي، فإن هذا التنافس شكل تحديا حقيقيا لرغبة السلطة في التزام سياسة الحياد.

ومن جانبها، رأت السعودية أن تسهيل التعاون مع إيران يشكل تحديا لمصالح الخليج العربي، وفى هذا الصدد كان التقارب مع إيران سبب رئيسيا في فرض الحصار السعودي الإماراتي على قطر في 2017.

ورغم هذه التحديات، التزمت مسقط حيادها ولم تشارك في حصار قطر، واستمرت الرحلات الجوية المتجهة من وإلى قطر، وكذلك حركة النقل البحري بين البلدين.

كما قاومت عمان محاولات السعودية استخدام مجلس التعاون الخليجي كأداة لخدمة الأجندة السياسية للرياض، وبدا ذلك جليا في رفض مسقط خطة الملك السعودي الراحل "عبدالله" لتحويل دول مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد خليجي في عام 2013.

وكانت عُمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تشارك في التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن، والذي بدأ في عام 2015، ولا يزال مستمرا حتى الآن.

ويأمل القادة في الرياض أن يكون السلطان الجديد أكثر استعدادا لتقبل القيادة السعودية للخليج، وبدون حصولها على دعم أمريكي كاف في ظل وجود "ترامب" حليف المملكة في البيت الأبيض، قد تشعر عمان بالضغط من أجل الرضوخ، أو مواجهة تداعيات محتملة لإصرارها على سياستها.

وفي هذا الصدد، عبر المسؤولون في سلطنة عمان عن قلقهم من احتمال أن تكون مسقط هي الهدف التالي للحصار الذي تقوده السعودية والإمارات، بعد الدوحة، ويزيد من صعوبة موقف عُمان أنها لا تملك القدر ذاته من الموارد المالية لقطر والتي أتاحت لها فرصة الصمود في وجه المقاطعة الخليجية المستمرة حتى الآن.

ومما يؤشر على إمكانية حدوث تصادم بين مسقط والرياض هو عدم اكتراث الأخيرة بعواقب وتبعات سياستها الخارجية العدوانية، بغية تحقيق أهدافها الجيوستراتيجية بأي ثمن وخير دليل على ذلك تدخل الرياض الكارثي في اليمن.

فرغم كونها المسؤول الأول عن الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم باليمن، فقد استغلت الرياض وجودها العسكري في البلاد للإعلان عن اعتزامها بناء خط أنابيب عبر منطقة المهرة، وميناء نفطي على الساحل اليمني، وسيسمح ذلك بوصول النفط السعودي إلى المحيط الهندي مباشرة، بدلا من المرور عبر مضيق هرمز وباب المندب والتعرض لخطر الهجمات الإيرانية.

وتتمتع محافظة المهرة اليمنية بروابط وثيقة مع منطقة ظفار المتاخمة لها، وطالما اعتبرتها عمان منطقة عازلة غير رسمية عن الاضطرابات في الأجزاء الأخرى من اليمن.

وللقضاء على أي احتمال لنشوب صراخ آخر على غرار حرب ظفار 1963-1976، منح السلطان الراحل "قابوس" الجنسية العمانية لسكان المهرة.

ورغم أن سكان المهرة أعربوا أكثر من مرة عن إحباطهم من الوجود السعودي، لكن الرياض تواصل تعزيز وجودها في المحافظة الاستراتيجية وهو وجود ترى سلطنة عمان أنها يعرض أمنها للخطر.

الإمارات.. اقتناص مسندم

في السياق ذاته، شهد حكم السلطان الراحل "قابوس" فترات من التوتر مع الإمارات بسبب عدد من النقاط في مقدمتها طموح الإمارات لضم شبه جزيرة مسندم، وهي جيب عماني يشكل أضيق نقطة في مضيق هرمز.

ويرتبط سكان شبه الجزيرة بعلاقات وثيقة مع الإمارات، إذ تتصل مسندم جغرافيا بإمارتَي رأس الخيمة والفجيرة، وليس بسلطنة عمان.

وتعود سيطرة سلطنة عمان على هذه النقطة الاستراتيجية إلى زمن بعيد، حين كانت عمان إمبرطورية كبيرة تمتد أراضيها من جنوب باكستان إلى زنجبار.

ولا تعد مخططات الإمارات في منطقة مسندم سرية، ويجسد ذلك في خريطة موجودة بمتحف اللوفر أبوظبي، تعرض مسندم على أنها جزء من دولة الإمارات.

وفى هذا الصدد، قال المحلل "ممدوح الشيخ"، إن في معظم الخرائط القديمة، كان يُشار إلى أراضي الإمارات باسم "ساحل عُمان".

وأضاف الكاتب "خلال سنواتٍ تالية، رأيت بنفسي كيف كانت الإمارات تبحث في أي مكان في العالم، وهي مستعدّة لأن تدفع أي ثمن مهما بلغ لشراء خريطةٍ لا يشار فيها إلى أراضي الإمارات بهذا الوصف".

وذكر أن "مضيق هرمز" الذي يعد دائما أحد أهم أوراق النفوذ الإيراني، إقليميا ودوليا، تشترك عُمان في إدارته مع طهران من خلال "مسندم".

وبعد تأسيس الإمارات التي لم تكن دولةً في أي يوم، كان منطقياً بكل المعايير التي يمكن الاحتكام إليها أن تبقى "رأس مسندم" أرضاً عُمانية، لكنها، عمليا، أصبحت تشبه جيبا داخل خريطة الإمارات.

ونوه الكاتب أن هناك منذ سنوات حديثا هامسا عن رغبة ولي عهد أبوظبي، "محمد بن زايد"، في ضم "رأس مسندم" إلى الإمارات في خطوةٍ تفاجئ السلطنة والمجتمع الدولي، ويتم تمريرها بـ"التغاضي"، والإدانة الشكلية.

وتعد وفاة السلطان "قابوس" رصاصة البدء بتنفيذ سيناريو "اقتناص مسندم"، وكان من المقرر أن يتم تنفيذ هذا المخطط خلال فترة وجيزة من وفاة "قابوس" لانتهاز فرصة الساعات (أو الأيام) الأولى التي سيكون فيها العمانيون مشغولين بقضايا الخلاف، لكن يبدو أن هذا المخطط تم إحباطه الآن لكن ذلك لا يعني أن الإمارات سوف تتخلى بسهولة عن طموحاتها في مسندم.

وبجانب ذلك، تأتي الأزمة التي شهدتها علاقات البلدين في عام 2011 بسبب اختراق أمني إماراتي "رفيع المستوى" من قبل الإمارات للدائرة الداخلية للسلطان "قابوس".

ويشير "الشيخ" إلى توقيت رحيل السلطان الثامن قائلا: "رحل السلطان قابوس بن سعيد، بينما يشهد مضيق هرمز توتراتٍ قد تكون الأكثر حدّة منذ عقود مضت. رحل بينما تتدافع بين جانبيه الأساطيل الحربية، وتنطلق قريبا منه الصواريخ والتهديدات".

ووفق "الشيخ" فقد تكون التوترات متعدّدة الأطراف التي تشهدها المنطقة سبباً في جعل قرار تغيير وضع المضيق القانوني خطوة محفوفة بالمخاطر في نظر من قد يفكّر في خطوة درامية كهذه، ولكنه قد يمثل فرصة أيضا.

واعتبر الكاتب "إنها حالة نموذجية لـلعبة القمار السياسية التي لا يسع صانع القرار فيها إلا أن يخمّن الرقم الذي سيأتي به النرد".

المصدر | الخليج الجديد