الأربعاء 15 يناير 2020 08:25 ص

تواجه سلطنة عُمان اختبارا للاستقرار، في أعقاب وفاة قائدها طوال النصف الأخير من القرن الماضي السلطان "قابوس بن سعيد".

فعلى مدي سنوات، ضمنت السلطنة استقرارها بفضل سياسية "قابوس" المتأنية والمتوازنة والعاقلة، والتي تركز على القيام بالوساطة بين الجيران، مع السعي للحفاظ على صورة محايدة.

ومع ذلك، فبعد وفاته، قد تحاول عناصر، خاصة الجهات الإقليمية الفاعلة، زيادة وتيرة انخراطها ونفوذها في السلطنة، التي تملك موارد طبيعية وفيرة وموقعا استراتيجيا.

ويعود تاريخ تقارب عمان من (إسرائيل)، والعلاقات الخاصة بين الدولتين إلى السبعينات، وكان ذلك جزءا من السياسة الخارجية للسلطنة التي ترتكز إلى اعتبارات البقاء وسط جيرانها الكبار، ومع ذلك فقد كانت هذه العلاقة أمرا استثنائيا على الساحة الإقليمية.

ومن المتوقع أن يلتزم السلطان الجديد، "هيثم بن طارق" بهذه السياسة ويحافظ على علاقته مع (إسرائيل).

عهد "قابوس"

وكانت فترة حكم السلطان "قابوس بن سعيد" بسلطنة عمان، أطول بكثير من عهد حكام العرب الآخرين، حيث ارتقي السلطان إلى العرش في 1970، بعد الإطاحة بوالده بمساعدة مجموعة من ضباط الجيش البريطاني المتقاعدين، في مهمة حظيت بموافقة التيار الرئيسي داخل حزب المحافظين الحاكم في لندن.

في ذلك الوقت، كان الاتحاد السوفييتي قد اكتسب موطئ قدم في اليمن وساعد في تأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وقد قدم السوفييت على الفور المساعدة للانتفاضة الشعبية، في منطقة ظفار في جنوب عمان.

ونتيحة لذلك، خشي البريطانيون من أن تؤدي هذه الخطوة إلى ظهور ردة فعل متسلسلة تؤدي إلى سيطرة الاتحاد السوفييتي على شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك مضيق هرمز، أهم معبر بحري في العالم.

ولذا فقد ألقت بريطانيا بثقلها حلف "قابوس" في مواجهة الحركة الشعبية، التي تلقت الدعم من مصر أيضا.

وبعد نجاحه في إخماد التمرد، تولى "قابوس" جميع الحقائب الرئيسية للحكومة العمانية، ومن ثم، بدا بالاهتمام بالاستقرار السياسي للسلطنة، واليوم، أصبح العديد من العمانيين، الذين ولد معظمهم بعد وصول "قابوس" إلى السلطة، يعرفون السلطنة به.

وتعود الشعبية التي تمتع بها "قابوس" طوال فترة حكمه، إلى نجاحه في انتزاع البلاد من العزلة الدولية، وخطة التحديث الضخمة التي أشرف عليها، فعندما تولي "قابوس" السلطة، كان لدى عمان 3 مدارس و100 كيلومترات فقط من الطرق المعبدة.

وعلى عكس الملوك الخليجيين الآخرين، لم يكن لدي "قابوس" ذرية ولا إخوة، ويعد أحد أسباب عدم تسمية "قابوس" من يخلفه خلال حياته أنه كان على الأرجح يخشى من الخلافات بين أقاربه حول مسألة الخلافة.

وبعد وفاة "قابوس"، ووفقا للقاعدة التي صاغها بنفسه، تم فتح رسالة معدة مسبقا من السلطان نفسه عين فيها ابن عمه "هيثم بن طارق" البالغ من العمر 65 عاما، وزير الثقافة والتراث، وريثا للعرش.

ويبدو أن السلطان الجديد يتمتع بدعم شعبي، رغم أن هناك احتمالات قائمة لنشوب نزاعات بين مختلف فروع الأسرة أو بين الأسرة والجيش.

وبصرف النظر عن تثبيت حكمه، يواجه السلطان الجديد عددا من التحديات الأخرى، تقودها أزمة اقتصادية مستمرة والحاجة إلى تحقيق التوازن بين الجيران الأعداء.

الأزمة الاقتصادية

باستثناء عدد من حوادث العنف المحلية، تمكنت عمان من تجنب الاضطرابات الإقليمية الحفاظ على استقرارها، ومع ذلك، واجهت الحكومة التي تدر حوالي 80% من إيراداتها من النفط صعوبة في موازنة الحاجة إلى الإصلاحات الاقتصادية مع الحاجة إلى توفير خدمات الرعايا الاجتماعية اللازمة لمواطنيها من أجل الحفاظ على الوضع الراهن، وقد تفاقمت هذه الصعوبة بسبب انخفاض أسعار النفط.

 خلال سنوات حكمه، حول "قابوس" عائدات النفط العمانية إلى مشاريع تنموية واسعة النطاق، لكن احتياطي النفط والعملات الأجنبية في سلطنة عمان صغير نسبيا مقارنة باحتياطيات جيرانها الخليجيين.

لذلك، إلى جانب جذب الاستثمار وطلب مساعدات إضافية من جيرانها الأثرياء، بدأت سلطنة عمان في خصخصة قطاعي الكهرباء والنفط، بما في ذلك للمستثمرين من ماليزيا والصين.

وفي فبراير/شباط 2017، ومرة أخرى في يناير/كانون الثاني 2018، كانت هناك مظاهرات محلية في عمان تدعو إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية.

يشعر العمانيون بالإحباط من الوضع الاقتصادي، ويسعون جاهدين للعب دور أكثر أهمية في إدارة شؤون الدولة، لكن في الوقت نفسه يسعون إلى تجنب إراقة الدماء والفوضى التي أثرت على العديد من دول المنطقة.

ولذا، امتنع الشعب العماني عن تحدي الحكومة بشكل صارخ، ووسط المطالب التي قدمت خلال الاحتجاجات، كانت الدعوات لإسقاط "قابوس" غائبة بشكل واضح، وقامت الحكومة، ردا على المظاهرات بتشديد الرقابة على السكان ولا سيما الشبكات الاجتماعية.

سياسات التوازن

لتعويض الضعف النسبي للسلطنة، طبق السلطان "قابوس" سياسية خارجية فريدة للحفاظ على صورة الحياد، على سبيل المثال، لم تنضم عمان إلى المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة في الحرب على اليمن عام 2015، ولم تشارك في مقاطعتهما لقطر في 2017.

ولدى سلطنة عمان، تركيبة طائفية فريدة من نوعها في المنطقة، فمعظم سكانها ينتمون إلى طائفة إسلامية معتدلة مختلفة عن السنة والشيعة، وربما بسبب ذلك فإن سلطنة عمان هي الدولة العربية الوحيدة التي لم ينضم أي من سكانها إلى تنظيم "الدولة الإسلامية".

وعلاوة على ذلك، تحتفظ عمان بعلاقات وثيقة مع إيران، التي تشارك معها في السيطرة على مضيق هرمز، وقد نمت العلاقات بين البلدين بقوة منذ انتخاب "حسن روحاني" رئيسا لإيران 2013، واستفادت عمان من هذه الروابط في مواجهة المملكة العربية السعودية والإمارات، التي تسعى إلى التأثير على السلطنة لتتماشى معها.

وقد اتهمت سلطنة عمان الإمارات بالتجسس على أراضيها، وفي أبريل/نيسان 2019، حاكمت السلطنة 5 مواطنين إماراتيين على هذا الاتهامات.

ومن المثير للاهتمام أن "محمد بن زايد"، ولي عهد أبوظبي، زار عمان في ديسمبر/كانون الأول 2019 بينما كان السلطان "قابوس" يخضع للرعايا الطبية في بلجيكا.

كما ساهمت علاقات "قابوس" الوثيقة مع إيران في صياغة الاتفاقية النووية مع إيران. وتواصل إيران المساعدة في الاتصالات بين المسؤولين الإيرانيين والسعوديين والأمريكيين.

عمان و(إسرائيل)

بعد وصول "قابوس" إلى السلطة، شرع البريطانيون في تسهيل علاقات أوثق بين عمان و(إسرائيل)، في الوقت الذي كانت السلطنة تتعامل فيه مع غزو من اليمن لمنطقة ظفار في جنوب البلاد.

وتم استكمال المساعدات البريطانية والإيرانية (خلال حكم الشاه، قبل الثورة الإسلامية) بمشورة عسكرية وسياسية وإسرائيلية، وكذلك مساعدة إسرائيلية في توفير حلول لنقص المياه في السلطنة.

وبعد حوالي 20 عاما من العلاقات السرية والحساسة بين عمان و(إسرائيل)، كان هناك تحول نحو العلنية في العلاقات بين البلدين بعد توقيع اتفاقية السلام بين (إسرائيل) والأردن عام 1994.

وفي نفس العام، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين"، الذي أراد أن يبث بعدا إقليميا للاتفاقية التاريخية، إلي مسقط، في رحلة مباشرة من تل أبيب، وتم نشر أخبار الزيارة والاجتماع بين "رابين" و"قابوس" بموافقة الطرفين.

وكانت عمان أول دولة خليجية توافق على إنشاء بعثة دبلوماسية إسرائيلية. لكن زخم العلاقات بين البلدين تباطأ في العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين لأسباب من بينهما الجمود السياسي على الجبة الإسرائيلية الفلسطينية.

ومع ذلك، فإن بعض دول الخليج تسمح حاليا بالتعاون الاقتصادي مع الدولة العبرية، وتتسامح مع المشاركة الإسرائيلية في الأحداث الرياضية والدولية التي تجري على أراضيها، وكانت عمان رائدة في الصدد وشاركت بشكل مكثف في هذه المستجدات.

ولعبت عمان دورا في خطة السلام السعودية التي كانت تهدف لتطبيع العلاقات بين العرب و(إسرائيل)، وهي مبادرة قدمها ولي العهد والملك السعودي الراحل "عبدالله بن عبدالعزيز" قبل عقدين.

 في ذلك التوقيت، بعث السعوديون برسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون" عبر عمان وطلبوا ألا ترفض (إسرائيل) المبادرة بشكل مباشر، وقد قبل رئيس الوزراء "شارون" الطلب، لكنه قال إنه لن يعلق على الأمر في المقابلات الإعلامية.

وقام رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بزيارة رسمية إلى مسقط في عام 2018، ووفقا للتقارير، فقد حلقت طائرته عبر الأجواء السعودية، وقد أثيرت القضية الفلسطينية خلال المحادثات بين "نتنياهو" والسلطان "قابوس"، لكن المضيف العماني لم يضغط على (إسرائيل) في هذا الشأن

ويتمتع السلطان الجديد "هيثم بن طارق" ببعض الخبرة الاقتصادية بفضل ترؤسه للجنة رؤية عمان 2040، ولديه خبرة دبلوماسية، حيث شغل منصب الأمين العام لوزارة الخارجية، بالإضافة إلى ذلك يتمتع بشرعية كبيرة لأن جرى اختياره بواسطة"قابوس".

وتم تفضيل "هيثم" على شقيقه "أسعد"، الذي تم تعيينه نائبا لرئيس الوزراء في عام 2017، واعتبره الكثيرون خليفة "قابوس" المنتظر.

وفى أول خطاب له، وعد السلطان الجديد بمواصلة طريق "قابوس" وتطوير البلاد، والحفاظ على السياسة الخارجية الفريدة للسلطنة، وأضاف: "سنواصل المساعدة في حل النزاعات سلميا".

ويتولى "هيثم بن طارق" منصبه في وقت يتصاعد فيه التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي تعد الوساطة العمانية أكثر أهمية من أي وقت مضي.

ومن المرجح أن يتبع السلطان الجديد طريق سلفه وأن يستمر، على نفس المسار في الحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران ومع (إسرائيل) من جهة أخرى.

لكن أولا وقبل كل شي، سيتعين عليه تأسيس حكمه والتعامل مع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها السلطنة.

المصدر | معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي - ترجمة الخليج الجديد