الأربعاء 15 يناير 2020 03:09 م

"ما وراء الكواليس بخلاف ما تتداوله وسائل الإعلام".. هكذا لخلص مراقبون للشأن السوري الدلالات والمؤشرات المرتبطة بأول لقاء منذ 5 سنوات بين مدير المخابرات التركية "هاكان فيدان" ونظيره، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري "علي المملوك"، الإثنين الماضي. وتتنوع هذه المؤشرات بين مؤشرات مرتبطة بالحدث أو مكانه، وحتى توقيت الإعلان عنه.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأجدر بالانتباه هنا هي وصول لقاءات التنسيق الأمني بين تركيا والنظام السوري إلى مستوى القيادة، بما يعني وجود مؤشرات على إمكانية الوصول إلى اتفاق، ولو جزئيا، بشأن ملفات الشأن السوري، خاصة أن روسيا لعبت دور الوسيط في اللقاء.

ومع إعلان وكالة أنباء النظام السوري (سانا) عن اللقاء، فمن الواضح أن موسكو تدفع باتجاه أن تكون علاقات أنقرة ودمشق رسمية وعلنية مستقبلا، وإن اقتصرت على المستوى الأمني، رغم تفاقم الأوضاع في محافظة إدلب التي يعاني سكانها من قصف قوات النظام ضد مسلحي الفصائل المعارضة.

وفي مايو/أيار 2017، أعلنت تركيا وروسيا وإيران التوصل إلى اتفاق حول مناطق لخفض التصعيد بإدلب، في إطار اجتماعات أستانة المتعلقة بالشأن السوري. ويشمل خفض التصعيد إجراءات مثل وقف إطلاق النار وإيقاف الهجمات الجوية والبرية بهدف منع وقوع المزيد من الضحايا ولتجنب حدوث موجات نزوح جديدة وإعادة الحياة لطبيعتها، غير أن قوات النظام واصلت هجماتها البرية عبر إطلاق القذائف الصاروخية وقذائف الهاون على مناطق مأهولة في قرى وبلدات المحافظة.

روايتان متضاربتان

لكن رواية كلا الطرفين لمباحثات اللقاء كشفت عن مؤشر آخر. فبينما نفت دمشق أي تنسيق مع أنقرة بشأن الوجود الكردي المسلح في شمالي البلاد، أكد مسؤول تركي كبير مناقشة الطرفين "إمكانية العمل معا ضد وحدات حماية الشعب الكردية شرقي نهر الفرات"، وفقا لما نقلته رويترز.

وفي المقابل، ذكرت وكالة الأنباء السورية أن ما ورد في تقرير رويترز بشأن التنسيق بين دمشق وأنقرة ضد المقاتلين الأكراد شمالي سوريا "غير صحيح".

لكن كلا الروايتين اتفقتا على قيام الطرفين ببحث وقف إطلاق النار بإدلب في ضوء تطورات الأوضاع في المحافظة.

وتحدثت وسائل الإعلام السورية الرسمية عن مطالبة دمشق لأنقرة بالانسحاب من كامل سوريا ووقف "خرق سيادتها والالتزام باتفاق سوتشي حول إدلب وخاصة عملية إخلائها من الإرهابيين"، وأكدت إصرار النظام على السيطرة على كامل محافظة إدلب وعودة سلطته عليها.

 بينما ذكر وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" أن اللقاء مع "مملوك" تناول "الحفاظ على المصالح التركية وإحلال الاستقرار في المنطقة"، مشيراً إلى أن سكان إدلب يعانون ظروفاً معيشية نتيجة الأحوال الجوية القاسية والقصف البري والجوي الذي يستهدفهم، وفقا لما نقلته وكالة الأناضول.

 ولفت "أكار" إلى أن تركيا تجري مشاورات مكثفة مع روسيا للمحافظة على حالة وقف إطلاق النار في إدلب، الذي بدأ يوم 12 كانون الثاني/يناير الحالي.

وبينما يرى مراقبون للشأن السوري أن تباين التصريحات يعني أن أنقرة ودمشق فشلتا في التوصل إلى اتفاق خلف الكواليس، اعتبر آخرون أن عقد لقاء "فيدان – مملوك" في حد ذاته دليل أكيد على إمكانية اتفاق الطرفين باعتبار أن مشروع الأكراد المسلحين، شمالي سوريا، يمثل تهديدا لكل منهما.

ويعزز الاتجاه الثاني حديث "بثينة شعبان"، المستشارة الإعلامية لرئيس النظام السوري "بشار الأسد"، في أكثر من مناسبة عن عقد لقاءات أمنية بين دمشق وأنقرة، آخرها الأسبوع الماضى، وفقا لما نقلته شبكة روسيا اليوم.

بينما يعزز الاتجاه الأول تصريح أطلقه الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بعد اجتماع "فيدان – مملوك"، قال فيه: "إذا استدعت الضرورة فنحن نملك العزيمة على وقف خروقات النظام لوقف إطلاق النار في إدلب"، وهو أول تصريح من نوعه يحمل إشارة إلى وضع التدخل العسكري التركي ضد قوات "الأسد" على الطاولة.

تسريبات مقصودة

غير أن مركز "فيريل" الألماني للدراسات أشار إلى التسريبات المتباينة من الطرفين حول تفاصيل لقاء "فيدان – مملوك" تؤكد أن الاجتماع لم يكن وديا، بقدر ما شهدت نبرة صدامية خاصة من قبل "مملوك" الذي طلب سحب كافة مسلحي المعارضة من إدلب مع أسلحتهم وفتح طريقي "اللاذقية - حلب" و "حماة - حلب" الدوليين، وخضوعهما لإشراف جيش النظام السوري.

وفي المقابل، وافق الأتراك على أن يُشرف الجيش التركي بالتنسيق مع الروس على فتح الطريقين، وليس جيش النظام السوري، كما طالبت أنقرة باستحداث نقاط مراقبة جديدة وإعلان هدنة طويلة الأمد وليس مجرد وقف لإطلاق النار، وهو ما عارضه الجانب السوري.

تقدم هذه التسريبات تفسيرا لاختلاف روايتي أنقرة ودمشق، لكن تم الإعلان عن اللقاء إذن رغم عدم الوصول إلى اتفاق؟

يجيب عن هذا السؤال الطرف المتعمد لنشر التسريبات، حسب تقدير "فيريل".

ووفقا للمركز الألماني، فإن موسكو هي من تعمدت الإعلان عن لقاء "فيدان – مملوك" إعلاميا، في إشارة موجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة حول قدرتها على حل الصراع السوري دون مشاركتهم.

ويرجح "فيريل" أن تؤول الأمور في الشمال الغربي السوري إلى تصعيد عسكري كبير أو تراجع تركي يتمثل في سحب المسلحين المعارضين لنظام "الأسد".

ويعد سحب المسلحين المعارضين للنظام من إدلب مصلحة لروسيا أيضا، حسبما رصد المركز الألماني؛ لهذا دعمت موسكو فتح قوات النظام ثلاث معابر في مناطق الهبيط وأبو الظهور والحاضر في ريف المحافظة، لتأمين خروج المدنيين إلى مناطق سيطرتها، بما يعني استهداف إبقاء المسلحين فقط داخل المدينة، تمهيداً لجولة عسكرية جديدة - بمباركة روسية - في حال تلكأت تركيا في سحبهم.

يمكننا إذن أن لقاء "فيدان – مملوك" جاء في إطار محاولة روسية لتسوية الوضع في إدلب بمشاركة أنقرة، مقابل قيام موسكو بتقديم تناولات لتركيا في ملفات مماثلة تتشابك فيها المصالح التركية والروسية، لاسيما ليبيا. بخلاف ذلك، يبدو أن روسيا لا تمانع في الضغط على نظام "الأسد" تقديم بعض التنازلات لتركيا فيما يخص مستقبل المسلحين الأكراد شمالي البلاد.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات