الأربعاء 15 يناير 2020 02:16 م

شهدت العاصمة السودانية نهار الثلاثاء، عملية إطلاق نار في منطقة كافوري (بحري)، يقف وراءها منتسبو هيئة العمليات، وهي قوة مقاتلة في جهاز المخابرات؛ احتجاجا على قيمة مكافآت نهاية الخدمة، التي يفترض أن يتقاضوها بعد تسريحهم، بينما اعتبر مسؤولون حكوميين وأعضاء في المجلس السيادي بالخرطوم أن هذا التحرك بمثابة تمرد مسلح ضد الحكم.

وتشكلت هيئة العمليات بجهاز المخابرات في عام 2005، ويبلغ عددها قرابة 13 ألف شخص، وقد انخرط أفرادها في معارك طويلة خلال الحرب الأهلية في السودان.

وتعود جذور الأزمة لشهر أغسطس/آب الماضي، عندما جرى توقيع الوثيقة الدستورية لاتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري الحاكم والمعارضة المدنية، والتي تقرر فيها إعادة هيكلة جهاز المخابرات السودانية واقتصار دوره على جمع المعلومات دون الأعمال القتالية.

وبموجب الوثيقة تم تغيير اسم جهاز المخابرات وهيئة العمليات وخُير منتسبوها بين التسريح أو الالتحاق بقوات الدعم السريع، فاختاروا التسريح منتظرين مكافآت تقاعد لم تكن ملبية لطموحاتهم كما يبدو من احتجاجهم المسلح الغاضب وغير المسبوق أمس.

تمرد مسلح

من جانبهم سارع قادة ومسؤولون بالحكومة السودانية والمجلس السيادي، بتسمية تحرك ضباط العمليات بـ"تمرد مسلح"، الأمر الذي يخرجه من دائرة الاحتجاجات الفئوية. وبخلاف كون التمرد مسلحا، فإن مكمن خطورته يكمن في أنه جاء من فئة لا تزال في الخدمة نظريا حتى الآن.

وتعد أحداث، الثلاثاء، هي أكبر مواجهة بين الحرس القديم وأنصار الحكومة الجديدة التي ساعدت في الإطاحة بـ"البشير" في أبريل/نيسان بعد 30 عاما في السلطة.

وذكر سكان ومصدر عسكري أن العملاء الأمنيين السابقين خاضوا معارك مع جنود الجيش في العاصمة الخرطوم لعدة ساعات إلى أن سحقت قوات الحكومة التمرد بحلول نهاية اليوم.

وأبلغ مصدر حكومي "رويترز" أن الموظفين السابقين في المخابرات وجهاز الأمن أغلقوا حقلي نفط في دارفور بسبب احتجاجهم على مكافآت نهاية الخدمة. وينتج الحقلان نحو 5 آلاف برميل من النفط يوميا.

وفى هذا الصدد قال "محمد عثمان الحسين" رئيس أركان الجيش يوم الأربعاء في خطاب له: "ما وقع اليوم يعد تمردا مسلحا.. سقوط قتيلين وأربعة مصابين خلال سحق التمرد يظهر أن الجيش قادر على وضع حد لما حدث بأقل خسائر ممكنة".

بدوره، ذكر الفريق أول "محمد حمدان دقلو" نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد قوات الدعم السريع التي تدعم الحكومة الجديدة أنه يعتبر ما حدث اليوم محاولة انقلاب، مشيرا إلى أن مثل هذه الأحداث لن تمر مرور الكرام.

وأضاف أنه لن يتم قبول أي انقلاب أو تغيير غير قانوني، مؤكدا أن التغيير الوحيد سيأتي من الشعب السوداني.

وقال وزير الإعلام "فيصل محمد صالح" في بيان أذاعه التلفزيون السوداني إن المسلحين عاملون سابقون بهيئة العمليات "رفضوا المقابل المادي الذي أقرته الجهات الرسمية مقابل التسريح".

وفى وقت متأخر من مساء الثلاثاء، تمكنت القوات المسلحة السودانية من استعادة جميع مقار المخابرات التي أطلق عاملون سابقون في جهاز المخابرات النار منها على القوات الحكومية، ليعلن المتمردون استسلامهم في النهاية، وفق "رويترز".

مؤامرة مدبرة أم احتجاجات مبررة

عزى محللون أزمة هيئة العمليات الراهنة بشكل خاص لعدم تعامل الحكومة الحالية بالحكمة، والجدية الكافية مع مطالبهم. ولكن في المقابل يرى مسؤولون بالحكومة السودانية الحالية أن الاحتجاجات لم تكون عفوية. وبشكل خاص، اتهم قائد قوات الدعم السريع مدير المخابرات السابق "صلاح قوش" بالوقوف وراء أحداث الثلاثاء بالخرطوم.

ويعد "صلاح قوش" أحد أبرز رموز نظام البشير الذين تم استبعادهم خلال عملية الانتقال السياسي في السودان.

وتعهد "حميدتي" بمحاسبة المسؤولين عن الأحداث بعد تسليم سلاحهم وقال إن المكافآت التي طالبوا بها تعجيزية، وتقدر بحوالي 23 مليون دولار.

وأبدي المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة مصادر "عبدالماجد عبدالحميد" اعتراضه على الاتهامات التي ساقها "حميدتي" لـ"قوش"، مشيرا إلى تصريحات قائد قوات الدعم السريع في هذا الصدد، كانت حماسية وتفتقر إلى التركيز الذي طالما تحلي به منذ فترة طويلة.

وأضاف "عبدالحميد"، في مقابلة مع قناة "الجزيرة"، أن تصريحات "حميدتي" تضع السودان أمام واقع جديد، يؤكد أن البلاد أصبحت محطة لسباق أجهزة المخابرات العالمية.

واستشهد على ما ذهب إليه بالإشارة إلى زيارة قام بها وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش" للسودان قبل يومين، قائلا إن القوة الأمنية التي قامت بتأمين الأخير في منزل سفير بلاده لدي الخرطوم لم تتوفر لحراسة وتأمين النائب الأول لرئيس الجمهورية السابق الفريق "بكري حسن"، الذي يسكن في ذات المكان.

وأوضح "عبدالحميد" أن اتهامات "حميدتي" تضع السودان رسميا كجزء من صراع الأجندات المخابراتية بين مصر والإمارات والسعودية، مؤكدا أن البينة على من ادعى، ويجب محاسبة "قوش" إذا كان هناك دليل حقيقي على ذلك.

فى المقابل أبدى المحلل السياسي "يوسف سراج الدين"، موافقته على ما ذهب إليه "حميدتي" في اتهامه لـ"قوش"، مؤكدا أن الأحداث الأخيرة لا تخلو من أجندات سياسية تقف وراءها الدولة العميقة.

وأشار إلى أنه من المؤكد أن حديث "حميدتي" ينطلق من معلومات متوفر له، مؤكدا أن الدولة العميقة للنظام البائد تواجه محاولات تفكيكها.

واستشهد على ما ذهب إليه بأن هناك آلاف من العسكريين في السودان من ضابط وغيرهم فصلوا من القوات المسلحة، وهناك أيضا من تم تشريدهم من قبل حكومة الإنقاذ عام 1989 ورغم مكابدتهم طوال هذه السنوات لنيل حقوقهم إلا أنهم لم يقوموا بعمل تمرد مسلح كما فعلت هيئة العمليات أمس الثلاثاء.

ومنذ 21 أغسطس/آب الماضي، دخل السودان رسميا في فترة انتقالية تستمر 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم السلطة خلال هذه الفترة كل من المجلس العسكري، وقوى "إعلان الحرية والتغيير"، قائدة الحراك الشعبي.

تعامل غير حكيم

يأتي ذلك فيما يرى المحلل السياسي "عبدالماجد عبدالحميد"، أنه كان يمكن للحكومة أن تتعامل مع كافة الأجهزة الأمنية بالسودان وفى القلب منها الهيئة بحكمة، لكننا الآن أمام مشهد جديد يتم فيه الرجم بالاتهامات من قبل القيادة الحالية.

وأضاف "عبدالحميد" أن أزمة هيئة العمليات كشفت عن وجود تباعد في الخطوط بين المكونين العسكري والسياسي للبلاد".

وقال "عبدالحميد" إن الأزمة كان يمكن حلها بطريقة بسيطة وهادئة داخل الأجهزة الأمنية، لكن تفجرها بهذا الشكل أفرز واقعا جديدا سيشكل المرحلة القادمة في السودان بلا شك.

وذكر أنه ليس أمام جميع أطراف الأزمة الحالية سوي العودة إلى المربع الهادئ وحل هذه المشكلة ذات الطابع العسكري داخل البيت الأمني، معتبرا أن التصعيد ومحاولة تحميلها ذيولا سياسية غير مفيد على الإطلاق.

وأقر "عبدالحميد" أن هناك خسائر سياسية بالغة حدثت، جراء الأزمة وليس أمام المكونين السياسي والعسكري فى البلاد سوي الجلوس بهدوء ووضع هذه القضية في إطارها المطلبي.

وأشار إلى أن السودان أصبح لديه مشهد جديد "فمن يدفع أجرة الأوركسترا هو من يختار اللحن".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات