الجمعة 17 يناير 2020 07:09 م

في مكتب ثقافي متواضع تابع للحرس الثوري الإيراني بجنوب طهران، يديره مجموعة قدامى المحاربين ممن شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية، هناك ملصق مثبت على الحائط يعرض صورا شخصية لحوالي 100 رجل، تم تعريفهم بـ " القادة الشهداء" في شعبة واحدة من الحرس الثوري الإيراني.

لاحظ أحد قدامى المحاربين، الذي سأجري معه مقابلة صحفية، اهتمامي بالملصق، ما جعله يوضح بفخر لا لبس فيه قائلا: "نمتلك على الأقل 20 ضعف عدد القادة الذين سقطوا في الحرب مقارنة بأي جيش آخر".

وأضاف: "العديد من عناصر الحرس الثوري والباسيج، فضلا عن المتطوعين الذين عملوا مع الحرس الثوري معروفين، ويفخرون بترك بصمتهم في المعارك في المنظمة (الحرس الثوري)، فقد قاتل القادة جنبا إلى جنب مع الجنود على خط المواجهة، بدلا من الاستلقاء في مقر القيادة".

وتابع: "لقد كانوا قادة عظاما، لكنهم اضطروا إلى المخاطرة، وأن يكونوا حاضرين على خط المواجهة".

ومضى قائلا: "كان من الصعب علينا أن نخسرهم، لكن الحرس الثوري الإيراني نجح على الفور بأن يستبدلهم لصالح آخرين عظماء".

وكان "قاسم سليماني"، القائد المثير للجدل لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قائدا تقليديا في هذا الصدد، لكنه كان أيضا حالة استثنائية.

وكان "سليماني" واحدا من القادة الشباب "العظماء" الذين قاتلوا في الحرب العراقية الإيرانية، بعد بدايته في الحرس الثوري في مسقط رأسه كرمان، وتقدمه إلى الرتب العليا في القيادة بالطريقة التي تمت بها ترقية جميع عناصر الحرس. ففي ظل غياب تسلسل هرمي منتظم وتدريب مهني؛ حيث كان المعيار يتمثل في إظهار التفاني، والمبادرة، والشجاعة.

وكانت هذه الديناميكية هي التي أدير بها الحرس خلال سنواته الأولي، حيث كان ميليشيا غير محترفة (مهنية) قائمة على المتطوعين.

  • منظمة غير تقليدية

وفى عام 1979، تم استحداث الحرس الثوري كقوة انتقالية لفرض النظام وقمع الانتفاضات المعادية للثورة لحين أن يصبح بالإمكان استعادة الجيش والشرطة.

 لكن مع احتدام الصراع على السلطة بين المحافظين والراديكاليين في أوائل الثمانينيات، تم إضفاء الطابع المؤسسي على الحرس الثوري الإيراني باعتباره ميليشيا راديكالية، ولاحقا ميليشيا عسكرية موازية للجيش النظامي الإيراني.

وبسبب الصراع السابق ذاته على السلطة، كان الحرس الثوري يفتقر إلى الدعم المالي والتقني لإضفاء الطابع الاحترافي الكامل، لكن القادة الشباب والمتطوعين المتحمسين لم يشعروا بالحاجة لذلك على أي حال.

وبمرور الوقت، ومن خلال التجربة والخطأ، طور الحرس الثوري نظاما غير رسمي من القاعدة للقمة، بناء على روابط قوية من الثقة بين القادة والأقران شكلت أساس الترقي.

وعبر النزاعات الأهلية وخلال السنوات الأولي للحرب العراقية الإيرانية، لم يكن هناك تسلسل مركزي شفاف للرتب العسكرية، ولم يتم تقديم أي إشارة على ذلك حتى بعد الحرب.

 وبدلا من ذلك، ظلت المنظمة متماسكة عبر العلاقات المبنية على الثقة الفعلية والمتوقعة بين الأشخاص والتي تقوم على إظهار التفان الثوري والديني.

وتم تشكيل دوائر القيادة الأولية في الحرس الثوري الإيراني من خلال روابط الصداقة، والقرابة والحمية الثورية. وبنفس الطريقة، تمت إضافة أعضاء جدد، طالما كانوا ثوريين شيعيين متحمسين.

وبعد الحرب العراقية الإيرانية، تم تسريح الحرس الثوري وتم اتباع النظام البيروقراطي، لكن حتى ذلك الحين، ظل تفضيل الصلات الشخصية، على الهيكل التنظيمي سمة مميزة للقوة العسكرية.

  • قائد غير تقليدي

كان "سليماني" شخصية مثالية بالنسبة لمجموعة تحددها هذه الصفات. ففي ساحات المعارك التي تتجاوز الحدود الإقليمية، أظهر "سليماني" السلوك الذي كان قدامي المحاربين الإيرانيين يعتزون به في قادتهم الذين سقطوا في القتال.

وكان "سليماني" حاضرا على خطوط المواجهة بلا خوف، ولديه نكران للذات، بجانب أن لديه معتقدات شيعية قوية.

عاش "سليماني" حياة متواضعة وقاسية. وكان يعامل رجاله على قدم المساواة، وكثيرا ما كان يظهر مرتديا الزي الكاكي البسيط للجنود المشاة. وكان معروفا لدي أعضاء الحرس الثوري في فيلق القدس وخارجه باسم الحاج "قاسم".

ومن خلال فيلق القدس، وأنشطته في الشرق الأوسط، توسع نفوذ الحرس الثوري إلى أراض جديدة واكتسب أبعادا تنظيمية جديدة.

تاريخيا، تم تنظيم الحرس الثوري الإيراني لسد أي فجوة في القيادة على الفور، ولكن قائد فيلق القدس أكتسب أهمية شخصية غير معهودة للمنظمة الأكبر.

وبصفته القائد الأعلى لفيلق القدس، لم يكن "سليماني" الحاكم الفعلي قوات الحرس الثوري فقط، بل لمليشيات متنوعة في جميع أنحاء المنطقة.

ورغم ارتباط فيلق القدس بشخصية "سليماني"، من غير المرجح أن تجد القوة - المكونة من عشرات الآلاف - في الانضواء تحت إمرة قائد معين حديثا، حيث يفترض أنه ملتزمون بالمنظمة ككل، وبالقائد الأعلى لإيران كقائد عام. وربما لا يفتقدون "سليماني" بشكل شخصي، لكن من المحتمل الا يكون لديهم نفس العلاقة الحميمية والثقة مع خليفته.

  • شبكة الميليشيات

وتعد نقطة القوة التي أضافها "سليماني" للحرس الثوري هي نجاحه في تقوية ونشر ميليشيات غير إيرانية تدعمها إيران.

هذه المليشيات، بما في ذلك فروع متعددة من قوات الحشد الشعبي في العراق، تحتفظ بولائها لإيران بسبب الدعم المالي والتقني الذي تتلقاه من طهران. وبالرغم من ذلك فإن هذه القوى غير موحدة أو متجانسة، وهي قابلة للتغيير.

وطوال تاريخ الحرس الثوري، لم يتم إدماج الميليشيات بشكل مؤسسي في هيكل الحرس، كما لم يحظ أعضاؤها بنفس الثقة التي نالها الأعضاء المنتسبين للحرس.

ولكن تدريحيا وعلى سنوات، نجح "سليماني" في توطيد وتعميق العلاقات مع الميليشيات في جميع أنحاء المنطقة، وبخلاف ذلك اكتسب "سليماني" أهمية استثنائية ليس فقط كقائد ميداني في ساحة المعركة، ولكن كخبير محنك في الأمن الجيوسياسي.

وعلى هذا النحو، اكتسب "سليماني" سمعة كخبير استراتيجي لديه خبرة عملية، وكان على اتصال بشخصيات عالمية من الرئيس السوري "بشار الأسد" ورئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" ناهيك عن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" وقادة القيادة المركزية الأمريكية.

وعندما تكون هناك قضية مشتركة لإيران والبلدان المهتمة الأخرى، كان "سليماني" معروفا بأنه الرجل الذي يمتلك الموارد.

وبسبب هذه العقلية العملية والمهنية وشبكة العلاقات القوية، من المحتمل أن يواجه خليفة "سليماني" صعوبة في الوصول إلي مكانته كشخصية إقليمية.

  • أخ تقليدي

لكن هيكل الحرس الثوري لا يعتمد على مكانة على شخصية مركزية ولكن على شبكة العلاقات القائمة على الثقة. ونتيجة لذلك، رغم أن "سليماني" سيتم افتقاده كقائد لديه شخصية كاريزمية ورمز لقوة المنظمة، فإنه، بالنسبة لأعضاء الحرس الثوري الإيراني، فإنه لايزال مجرد أخ سيتم استبداله بأخر من المتفانين، دون أن يعاني هيكل المؤسسة.

غير أن الوضع الإقليمي القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني هو الذي سيتأثر بشكل خاص بعد رحيل "سليماني".

وسوف تشعر طهران بتأثير غياب جنرالها الأثير عندما تحاول تأمين مصالحها الخارجية وسط منطقة متقلبة إثر انتفاضات شعبية في العراق ولبنان، وتوتر متزايد مع الولايات المتحدة وحلفائها.

المصدر | مريم المزده / فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد