الجمعة 17 يناير 2020 02:43 م

خلال الأيام الماضية، استضافت مصر مناورات عسكرية ضخمة في البحر المتوسط تحت اسم "قادر 2020"، تزامنا مع افتتاح قاعدة "برنيس" العسكرية قرب ساحل البحر الأحمر، جنوبي البلاد، وسط ترحيب إماراتي - إسرائيلي.

وجرت مناورات "قادر 2020" بعد أيام من إعلان تركيا نشر قوات في ليبيا لدعم حكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا)، برئاسة "فايز السراج" في مواجهة قوات الجنرال المتقاعد "خليفة حفتر"، الموالي لمصر والإمارات.

ومنذ مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، يشهد الجيش المصري استنفارا واسعا، عبر مناورات عسكرية، وإعادة انتشار للقوات في مناطق مختلفة، بالتزامن مع توترات متنامية مع تركيا، على صلة بالنزاع على الطاقة في منطقة شرق المتوسط، وتطورات الأوضاع في ليبيا، فضلا عن تعثر مفاوضات مصر مع إثيوبيا بخصوص "سد النهضة".

مناورات ضخمة

وجرت مناورات "قادر 2020"، بمشاركة قوات برية وبحرية وجوية مصرية، إضافة إلى قوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة والمظليين.

وتضمنت المناورات عددا من التدريبات القتالية على ساحل البحر المتوسط، منها محاكاة لعملية إنزال بحري، مع تنفيذ أعمال القيادة والسيطرة من مركز العمليات المتقدم بقاعدة "محمد نجيب"، شمال غربي البلاد.

كذلك اشتملت المناورات على تأمين المنشآت الحيوية بالبحر والمياه الإقليمية والاقتصادية، وتنفيذ عملية برمائية على ساحل البحر، وتنفيذ عدد من الضربات لعدد من الطوربيدات والفرقاطات وطائرات "هيل" المحمولة بحرا، إضافة إلى وحدات مكافحة الغواصات.

ونفذت قوات الصاعقة بعض الأنشطة التدريبية، تضمنت اصطفافا وتحميلا استراتيجيا لعناصر من الوحدة "999 قتال"، وتدريبات على عملية إنزال بحرية، وعملية الاستيلاء على رأس شاطئ وتأمينه، والقضاء على العناصر المعادية.

قاعدة برنيس

وسط تغطية إعلامية مكثفة، جاء افتتاح قاعدة "برنيس" (جنوب)، بعد إنشائها في زمن قياسي خلال أشهر معدودة، وفق المتحدث العسكري المصري، وذلك بعد أكثر من عامين على افتتاح قاعدة "محمد نجيب"، لتصبح القاعدتان نقطتي تمركز للجيش المصري، في سياق متغيرات إقليمية ودولية عدة.

وتقع القاعدة على ساحل البحر الأحمر بالقرب من الحدود الدولية الجنوبية شرق مدينة أسوان، وتبلغ مساحتها 150 ألف فدان، وتضم قاعدة بحرية وقاعدة جوية ومستشفى عسكريا، وعددا من الوحدات القتالية والإدارية وميادين للرماية والتدريب لجميع الأسلحة.

وتضم القاعدة رصيفا تجاريا، ومحطة استقبال ركاب، وأرصفة متعددة الأغراض وأرصفة لتخزين البضائع العامة وأرصفة وساحات تخزين الحاويات، بالإضافة إلى مطار برنيس الدولي ومحطة لتحلية مياه البحر.

وتسعى مصر عبر تدشين قاعدة "برنيس" في هذا التوقيت، إلى حماية وتأمين السواحل الجنوبية، وتأمين حركة الملاحة العالمية، من مضيق باب المندب حتى قناة السويس، إضافة إلى حماية استثماراتها في مجال الطاقة بنطاق البحر الأحمر.

وتمنح "برنيس" القوات المصرية فرصة للتحرك بمرونة وسرعة فائقة لصد أي هجمات أو أعمال عدائية، ومواجهة التحديات الأمنية في نطاق البحر الأحمر، وفق الخبير العسكري "محمد الشهاوي".

ويرى مراقبون، أن "برنيس" ربما تحمل رسالة ردع للجانب الإثيوبي حال استمر تعثر المفاوضات بين البلدين حول سد النهضة، وأن مصر ترتكز على قاعدة قوية للتحرك العسكري جنوبا، حال حدوث أية متغيرات تهدد حصتها من مياه النيل.

حضور إماراتي

لكن الحضور الإماراتي اللافت في حفل افتتاح "برنيس"، بمشاركة ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، حمل رسالة أخرى حول طموحات الإمارات لتمديد نفوذها إلى أفريقيا عبر البوابة المصرية، لحماية مصالح أبوظبي في مناطق مثل السودان، والبحر الأحمر، ومضيق باب المندب.

وتفيد تقارير عبرية، بأن مصر حصلت على مساعدات من الإمارات والسعودية لإقامة القاعدة العسكرية، كجزء من استراتيجية مشتركة لنشر القواعد العسكرية على طول سواحل البحر الأحمر، لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة.

وفي يوليو/تموز 2017، كان "بن زايد" الزعيم العربي الوحيد المشارك في افتتاح قاعدة "محمد نجيب" قرب الحدود الليبية، وهي إشارة لا تخطئها عين، تؤكد دور الإمارات في دعم نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" ليكون رأس حربة لأهدافها في المنطقة.

ولم يفوت "بن زايد" الفرصة، معتبرا عبر "تويتر" أن "قاعدة برنيس العسكرية ومطارها المدني يعزز دور مصر المحوري في منظومة الأمن العربي والاستقرار الإقليمي"، مشددا على أن "القوات المسلحة المصرية ليست حصنا لمصر فقط، وإنما هي قوة لكل العالم العربي".

كذلك اعتبر "بن زايد" أن القاعدة تعد دعما لحرية الملاحة وأمنها في منطقة البحر الأحمر، إضافة إلى تعزيز الأمن والسلم، ليس فقط على المستوى الإقليمي، وإنما على المستوى العالمي أيضا.

رسائل مصرية

ويبدو أن النظام المصري أراد الرد على التحرك التركي في المنطقة، وتحديدا في ليبيا، بأنه "قادر" على المواجهة حال انتشار القوات التركية على الأراضي الليبية، وتمددها باتجاه حدود مصر الغربية.

يؤكد ذلك رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق للقوات المسلحة، اللواء "نصر سالم"، قائلا، في تصريح متلفز، إن "مناورة قادر 2020 ترسل رسالة ردع لكل من تسول له نفسه أن يهدد أي مصلحة حيوية لمصر بأن خسائره سوف تكون كبيرة".

في سياق آخر، طرح محلل الشؤون العربية الإسرائيلي "إيهود يعاري" رسالة أخرى مفادها أن "برنيس" ستساعد أيضا في الحفاظ على أمن السفن من وإلى (إسرائيل)، ومنع إيران من أن تحاول عبر حلفائها الحوثيين باليمن، تهديد مسار السفن المؤدي أيضا إلى العقبة (الأردنية) وإيلات (الإسرائيلية).

وتفضل تل أبيب أن يبقى البحر الأحمر تحت تأثير التحالف المصري الإماراتي السعودي، في مواجهة التهديدات الناتجة عن السيطرة الإيرانية عليه.

ويأتي افتتاح القاعدة بعد أسبوع من توقيع ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، والذي يضم السعودية ومصر والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا واليمن والأردن. ويهدف المجلس إلى التنسيق والتشاور بشأن الممر المائي الحيوي، في ظل تحديات إقليمية، ومخاوف من تزايد النفوذ الإيراني التركي في المنطقة.

المصدر | الخليج الجديد