الأحد 8 مارس 2020 01:32 م

شهد العام الماضي والحالي سلسلة اتصالات وزيارات متلاحقة على أعلى المستويات بين حركة المقاومة الإسلامية، "حماس"، وروسيا؛ لبحث إجراء الانتخابات في فلسطين، وأوضاع الأراضي الفلسطينية، وإمكانية توسط موسكو لحل الخلاف الفلسطيني، أو حتى للتوصل إلى اتفاق تهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقعت أحدث هذه الاتصالات مطلع الأسبوع الماضي، حين زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، "إسماعيل هنية"، روسيا، ليعلن في مؤتمر صحفي من قلب العاصمة الروسية أن موسكو مستعدة لمساعدة الفلسطينيين على تجاوز الانقسام الداخلي.

وأكد "هنية" أن روسيا تجري اتصالات مع حركة "فتح" ومصر من أجل العمل على تحقيق الوحدة الوطنية، لافتاً إلى أن "حماس" عرضت على روسيا عدة خيارات يمكن من خلالها إنهاء الانقسام الفلسطيني.

ودعا "هنية"، خلال زيارة مقر السفارة الفلسطينية لدى موسكو، إلى "بذل الجهود من أجل إجهاض صفقة القرن وإفشالها"، بحسب بيان صادر عن الحركة.

وأوضحت الحركة أن الحوارات مع الجانب الروسي "شهدت تطابقا في الرؤى والمواقف حول العديد من القضايا".

ومن خلال تعزيز العلاقات بينهما، تسعى كل من روسيا و"حماس" إلى خدمة مصالحهما الخاصة، حيث ترى روسيا في العلاقة مع "حماس" فرصة لكسب موطئ قدم جديد وتعزيز حضورها في القضية الفلسطينية التي تعد ملعبا خاصا للنفوذ الأمريكي، وفي المقابل ترى "حماس" أن العلاقة مع روسيا توفر لها مجالا للمناورة بعيدا عن الضغوط الأمريكية.

"حماس" وموسكو.. مصالح متبادلة

وفي حين تصنف الولايات المتحدة حركة "حماس" كمنظمة إرهابية، تسعى روسيا لإقامة علاقات وثيقة مع قادة الحركة.

وخلال العام الماضي، 2019، جرت مباحثات وزيارات رفيعة المستوى بين روسيا و"حماس"، من بينها زيارة عضو المكتب السياسي للحركة "موسى أبومرزوق" إلى موسكو في يوليو/تموز الماضي، حيث التقي مع الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا نائب وزير الخارجية "ميخائيل بوجدانوف"، ولاحقا، التقي القيادي الفلسطيني مرة أخرى مع "بوجدانوف" في الدوحة في أكتوبر/تشرين الأول.

وتعلن موسكو بشكل واضح لا لبس فيه أن "حماس" هي ممثل منتخب لقطاع كبير من الشعب الفلسطيني.

وعبر العلاقات مع موسكو، تسعى "حماس" أن يساعد ذلك في حل عزلتها السياسة وضمها إلى حظيرة الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني في عيون المجتمع الدولي.

وترى "حماس" أن العلاقة مع روسيا يمكن أن تساعدها ليس في مواجهة "ترامب" وصفقة القرن على الساحة الدولية، ولكن أيضا في حل مشاكلها مع السلطة الفلسطينية ومصر، كما تأمل "حماس" أن موسكو يمكن أن تستخدم علاقتها مع (إسرائيل) لمساعدة الحركة في تجنب الهجمات السياسية العسكرية التي تشنها تل أبيب على غزة.

وفي المقابل تحاول موسكو من خلال علاقتها مع "حماس" زيادة نفوذها في الشرق الأوسط بشكل عام وفي القضية الفلسطينية بشكل خاص، حيث تعتقد روسيا أن كسر الاحتكار الأمريكي لعملية السلام أمر أساسي لاستعادتها سيطرتها على المنطقة.

كما تسعى موسكو لتوثيق علاقتها مع "حماس" باعتبارها جهة فاعلة في فلسطين لا تخضع للنفوذ الأمريكي.

وعلاوة على ذلك، ربما تريد موسكو استخدام "حماس" لتطوير علاقات أوثق مع الحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة مثل جماعة "الإخوان المسلمون".

نفوذ متزايد.. وكفة راجحة

وتأتى زيارة وفد "حماس" إلى روسيا متزامنة مع تطورات وتوترات سياسية متلاحقة في المنطقة، على رأسها توتر العلاقات بين واشنطن وبين جميع المؤسسات الممثلة للفلسطينيين على خلفية قرارات كارثية للإدارة الأمريكية انحازت فيها بفجاجة إلى (إسرائيل)، مثل الاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة العبرية، وعدم اعتبار الاستيطان في الضفة مخالفا للقانون الدولي، وأخيرا صفقة القرن.

كما تأتي في وقت يتوسع فيه نفوذ روسيا دبلوماسيا وعسكريا في أفريقيا والشرق الأوسط؛ في محاولة لملء الفراغ الأمريكي، ويتضح ذلك بشدة من تدخلها الحاسم في سوريا لصالح "بشار الأسد".

وتلعب روسيا دورا حيويا في ليبيا حيث بدأ تدخلها خفيا ثم انتقل للعلن، مغيرا مجريات الكثير من الأمور في الدولة المغاربية لصالح اللواء المتقاعد "خلفية حفتر".

كما نجحت روسيا في نسج علاقات قوية مع بلدان الخليج العربي رغم الخلافات الواضحة حول عدد من القضايا، خاصة الأزمة السورية وتحالف روسيا مع إيران.

ويري مراقبون أن موسكو تحاول تحميل واشنطن مآلات الأوضاع في المنطقة، ويتهم المسؤولون الروس الولايات المتحدة بالسذاجة وعدم التوازن، وتبني سياسات غير صائبة بدءا من غزو العراق مرورا بمشروعات تقسيم المنطقة وموقف إدارة "أوباما" من الربيع العربي وصولا إلى صفقة القرن.

موسكو بديل لواشنطن

ويرتبط الفلسطينيون على المستوى السياسي بعلاقات متينة وقديمة مع روسيا، وهي علاقات تزداد أهميتها مع مرور 45 عاماً على افتتاح ممثّليّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة في روسيا، و31 عاماً على اعتراف روسيا بدولة فلسطين وتبنيها طيلة السنوات الماضية موقفا مؤيدا لإقامة دولة فلسطينيّة على حدود عام 1967.

ويري مراقبون أن روسيا يمكن أن تلعب دوراً أساسياً ومحورياً في الملف السياسي الفلسطيني، خاصة بعد فقدان واشنطن لمصداقيتها كوسيط بسبب انحيازها الصارخ إلى (إسرائيل).

وفي هذا الإطار يمكن لروسيا أن تغير قواعد اللعبة عبر لعب دور في المصالحة الفلسطينية، أو محاولة التوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وفى هذا الصدد يقول الكاتب الإسرائيلي "شلومي إلدار " إن "حماس" تدرك أن "كلمة واحدة من بوتين إلى نتنياهو لها وزن أكبر بكثير من كل المحادثات التي أجراها رؤساء المخابرات المصرية مع كبار المسؤولين الأمنيين في (إسرائيل)".

وأضاف "إلدار" أن "حماس" تريد أيضا أن تلعب موسكو دورا في الكواليس للضغط على "نتنياهو" ولو بقدر بسيط، حيث "سيكون على نتنياهو التفكير مرتين قبل أن يقول لا للروس في أي شيء، بجانب أنه لو انخرطت موسكو في محادثات أو دعمت أي اتفاق فلن يجرؤ أحد على اللعب معها".

المصدر | الخليج الجديد