وسط دعوات متزايدة للنزول إلى الشارع في الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، للاحتجاج ضد نظام حكم الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، يبدو الاحتجاج في مصر اليوم عملا محفوفا بالكثير من المخاطر.

وخلال الأسابيع الماضية، نفذت السلطات المصرية جملة من الإجراءات لتعزيز القبضة الأمنية في البلاد، بداية من تمديد حالة الطوارئ، إلى شن حملات اعتقال عشوائية، وإجراءات تفتيش لشقق وهواتف المواطنين، قرب ميدان التحرير، معقل الثورة المصرية.

مقابل ذلك، واصل المقاول والفنان "محمد علي" دعواته للمصريين إلى النزول، معلنا عن قرب ساعة الصفر، ودشنت المعارضة المصرية بالخارج عدة فعاليات لإحياء ذكرى الثورة، وتصدر وسم "نازلين 25 يناير" موقع "تويتر" في مصر، وبثت قناة "مكملين" المعارضة للانقلاب العسكري، تسريبا لأحد قادة المجلس العسكري الحاكم إبان الثورة، يكشف عن مواقف الجيش تجاه الثورة والقوى السياسية.

ضربة استباقية

في خطوة يبدو أنها مصممة لتخويف المصريين من النزول للشارع، وتبرير إجراءات السلطة بحق معارضيها، أعلنت وزارة "الداخلية" المصرية، عن إحباط مخطط يحمل اسم "الجوكر" يستهدف تقويض الأمن وإشاعة الفوضى وهدم المقدرات الاقتصادية للبلاد بالتزامن مع ذكرى الثورة.

وبثت "الداخلية" عبر "فيسبوك"، مقاطع فيديو، قالت إنه يحوي اعترافات لـ"عناصر من جماعة الإخوان"، تكشف نية الجماعة "تنظيم التظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة"، تزامنا مع ذكرى الثورة.

ووفق البيان الأمني، فإن "قيادات جماعة الإخوان كلفت حركة حسم المسلحة التابعة للتنظيم بالتخطيط والإعداد لتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية، تمهيدًا لارتكاب عمليات تستهدف شخصيات ومنشآت هامة ودور العبادة المختلفة بالتزامن مع ذكرى 25 يناير".

وأضاف أن "جهود المتابعة أسفرت عن تحديد المجموعات الإلكترونية التي تضطلع بعمليات الاستقطاب والإعداد للقيام بأعمال الشغب وتخريب منشآت الدولة، وأنها تمكنت من ضبط عدد من العناصر القائمة عليها وعُثر بحوزتهم على 14 فرد خرطوش وكمية من طلقات الخرطوش، وأقنعة شخصية الجوكر الشهيرة، وأقنعة بدائية واقية من الغاز، وأسلحة بيضاء ونبال لقذف الحجارة، وكميات من العوائق المسمارية لإلقائها على الأرض لتعطيل السيارات".

وعادة ما تشكك منظمات حقوقية مصرية ودولية في صحة ما تحمله بيانات الداخلية المصرية، كما تشكك في ما تحمله الاعترافات المصورة التي تنشرها الوزارة، كون أغلبها يتم انتزاعه تحت وطأة التعذيب.

وغالبا ما يستبق الأمن المصري، ذكرى الثورة، بالكشف عن مخططات مزعومة تستهدف أمن البلاد، أو الإعلان عن إحباط هجمات إرهابية؛ في محاولة لتوجيه ضربة استباقية لأي حراك محتمل، وتخويف المصريين من النزول، وتبرير إجراءت القمع التي تسبق دوما ذكرى الثورة.

نشاط في الخارج

وتستعد قوى المعارضة المصرية في تركيا لتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر القنصلية المصرية في إسطنبول، الجمعة، يتبعها مؤتمر صحفي السبت، وآخر جماهيري يوم الأحد، ووقفات احتجاجية ومعارض صور في أبرز ميادين إسطنبول.

وينظم ائتلاف الدفاع عن الديمقراطية في فرنسا، وقفة احتجاجية بالعاصمة باريس الجمعة المقبل، كما ينظم الائتلاف المصري الألماني السبت المقبل فعاليات مماثلة احتفالا بذكرى الثورة.

وتشهد هولندا وإيطاليا والنمسا وأستراليا، وعواصم أوروبية أخرى، وقفات تضامنية تخليدا لذكرى ثورة يناير، وتنديدا بانتهاكات "السيسي" بحق الشعب المصري، وآلاف المعتقلين من معارضيه في السجون.

وفي الولايات المتحدة، تنظم المعارضة المصرية فعاليات جماهيرية للضغط على الإدارة الأمريكية لوقف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، خاصة بعد وفاة المعتقل الأمريكي من أصل مصري "مصطفى قاسم"، في أحد السجون المصرية قبل أيام بسبب الإهمال الطبي.

وعبر "تويتر" طالب نائب الرئيس المصري السابق والمدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية "محمد البرادعي"، بتقديم كل من تورط في قتل شهداء الثورة للمحاكمة.

كذلك دعت حملة "باطل" (معارضة) كل المصريين في الداخل والخارج إلى التظاهر -وهي نفس الدعوة التي أطلقها بيان "مجموعة العمل الوطني المصري"(ائتلاف معارض في الخارج)- مؤكدة دعمها لأن يكون الحراك القادم بداية لمرحلة جديدة تمتد حتى رحيل نظام "السيسي".

وفي مقطع فيديو، ظهر الروائي المصري المعروف "علاء الأسواني"، مؤكدا أنه مع اقتراب ذكرى 25 يناير، يتوتر النظام المصري بشكل عجيب، ويعتقل المواطنين في الشوارع، واصفا نظام "السيسي" بأنه نسخة أسوأ من نظام "حسني مبارك" الذي أسقطته ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

جدار الخوف

،أما داخل مصر، لم تتجاوز دعوات النزول للشارع، مواقع التواصل، وغابت الأحزاب والقوى السياسية، والنقابات والاتحادات العمالية، والحركات الطلابية والثورية، عن المشهد، بعد أن طالت الاعتقالات قيادات ليبرالية ويسارية، وصحفيين وحقوقيين وأكاديميين بارزين.

وتظهر معطيات المشهد الحقوقي في البلاد، أن القوى الحية في الشاررع التي تشمل تيار "الإخوان"، وحركة "6 أبريل"، و"مصر القوية" و"الدستور"، و"الاشتراكيون الثوريون"، يقبع قادتها ونشطاؤها خلف القضبان.

وتتعرض ثورة يناير لعملية تشويه ممنهج، واتهامات لها بالمسؤولية عن أزمات البلاد، بخلاف حملات التخويف المستمرة من أن الاحتجاجات الشعبية قد تقود مصر إلى تكرار سيناريو دول مجاورة (ليبيا وسوريا).

كذلك يبدو أن هناك توجها رسميا للإعلام الحكومي بإعادة تقديم ذكرى 25 يناير بوصفها "عيدا للشرطة"، مع تجاهل ذكرى الثورة.

وربما نجحت مظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي، في كسر جدار الخوف نسبيا، لكن النظام سارع إلى ترميم ما جرى تحطيمه باستخدام سياسات "العصا والجزرة"، وذلك عبر حملة اعتقالات شرسة طالت أكثر من 4 آلاف مواطن، وتغييرات في قادة الأجهزة الأمنية والسيادية لإحكام القبضة، ومغازلة المواطن المصري بتثبيت أسعار الوقود، وإعادة المحذوفين من بطاقات التموين.

وليس من المبالغة القول، إن ثورة يناير لا تزال حية في الفضاء الافتراضي فقط، بينما تعرضت لموت "إكلينيكي" ظاهري في الشوارع. لكن مظاهرات سبتمبر/أيلول 2019 تقدم إشارة واضحة أن الأسباب التي دفعت المصريين للخروج قبل 9 أعوام ضد النظام لا تزال موجودة، في انتظار شرارة جديدة تشغل موجات الغضب في الشوارع من جديد.

المصدر | الخليج الجديد