الأربعاء 29 يناير 2020 11:12 ص

ما هي جغرافيا الدولة الفلسطينية المقترحة من جانب البيت الأبيض في خطة سلام الشرق الأوسط المعروفة إعلاميا بـ"صفقة القرن"؟

وما هي المعايير التي استندت إليها؟ وما هو موقع مدينة القدس والضفة الغربية وقطاع غزة منها؟

تصدرت هذه الأسئلة اهتمامات المراقبين مع إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تفاصيل الخطة التي نشرها البيت الأبيض في 185 صفحة.

وتقوم الخطة، التي نشر البيت الأبيض نصها مساء الثلاثاء (28 يناير/كانون الثاني)، على أساس قيام دولة فلسطينية، لكن ليس وفقا للقرارات الدولية السابقة حول حدود الأراضي المحتلة عام 1967، بل وفق تصور لدولة متصلة على شكل أرخبيل تربطه جسور وأنفاق، لكنها منزوعة السلاح وتتوسطها المستوطنات التي أقامتها (إسرائيل) في الضفة، في حين تقع عاصمتها على مساحة لا تتجاوز 4 كيلومترات مربعة شرقي القدس المحتلة.

وتنطلق الخطة من معايير حددها النص الصادر عن واشنطن، أهمها بقاء القدس كمدينة موحدة وفق الحدود الحالية كعاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي حصرا، باعتبار أن "القدس المقسمة تمثل مصدر توتر كبير في المنطقة".

وذكرت الخطة أن البيت الأبيض يعتقد أن "العودة إلى القدس المقسمة سيكون خطأً كبيرا، خاصة مع وجود قوات أمنية منفصلة في واحدة من أكثر المناطق حساسية على الأرض".

القدس الجديدة

وبحسب "صفقة القرن" فإن تثبيت الحاجز الأمني الذي يفصل الأحياء العربية (كفر عقاب، والجزء الشرقي من شعفاط، وأبوديس)، شمالي شرقي القدس عن بقية الأحياء في المدينة هو الأساس لترسيخ حدود الدولة الفلسطينية المقترحة.

ووفق هذه الصيغة، فإن جل المدينة التاريخية، المنصوص عليها بالخطة كعاصمة لـ(إسرائيل)، ستحتكر اسم "Jerusalem"، وهو الترجمة الإنجليزية لاسم المدينة اليهودي (أورشليم)، المعتمد دوليا، في حين يمكن للفلسطينيين استخدام اسم المدينة العربي (القدس) وترجمته الحرفية إلى الإنجليزية (AL Quds) كعلم لعاصمة الدولة المقترحة على الأجزاء المتبقية خارج الحاجز الأمني، شمال شرقي المدينة، والتي لا يمثل سوى 0.03% من مساحة المدينة التاريخية. 

وبهذا تسمح الخطة بإنشاء "قدس غير القدس" كعاصمة للدولة الفلسطينية المقترحة، بينما تظل القدس التاريخية عاصمة موحدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

وفي هذا السياق ثبتت الخطة إعلان "ترامب" نقل سفارة الولايات المتحدة في (إسرائيل) إلى القدس في مايو/أيار 2018، ودعت إلى الاعتراف الدولي بـ"Jerusalem" كعاصمة لـ(إسرائيل).

أما سفارة الولايات المتحدة لدى دولة فلسطين المقترحة فستكون، بحسب الخطة، في (القدس) وفق حدود ترسيمها الجديدة، على أن تعترف الولايات المتحدة بالعاصمتين وتشجع دول العالم على نقل سفاراتها إليهما.

وعليه، فإن الفلسطينيين أمام خيارين على الأرجح في إعلان عاصمة دولتهم، إما الجزء الشرقي من شعفاط أو أبوديس، لكن يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" يرفض تركه هذا الخيار لهم، حيث أعلن، في مؤتمر إعلان الخطة المشترك مع "ترامب" في واشنطن، أن العاصمة الفلسطينية ستكون أبوديس، رغم أن نص "صفقة القرن" الصادر عن البيت الأبيض لم يشترطها بالاسم.

وأبوديس بلدة فلسطينية تقع شرق القدس وملاصقة بها، وتبتعد حدودها الغربية عن المسجد الأقصى بنحو كيلومترين، ويفصلها الجدار العازل عن مركز المدينة التاريخية.

أما شعفاط فباتت منفصلة جغرافيا عن باقي أراضي الضفة الغربية، بعدما قطعت مستوطنات "بسغات زئيف"، و"رمات شلومو"، و"التلة الفرنسية"، أوصالها وجعلتها كتلة منفصلة جغرافيا عن باقي القرى والأحياء الفلسطينية بالقدس.

ويقدر عدد سكان شعفاط بنحو 40 ألف نسمة من الفلسطينيين، الذين يعانون تضييقا شديدا من سلطات الاحتلال التي تمنعهم عمليا من استخراج تصاريح البناء، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الأراضي وأسعار البيوت وإيجاراتها.

الضفة الغربية

وفق نص الخطة الأمريكية فإن (إسرائيل) "لن تضطر إلى تفكيك أي من المستوطنات في الضفة الغربية"، على أن تصبح "الجيوب الاستيطانية الموجودة داخل الأراضي الفلسطينية المتجاورة جزءًا من دولة (إسرائيل) وسيتم ربطها من خلال نظام نقل فعال".

وتشمل هذه الجيوب جميع المستوطنات الإسرائيلية، باستثناء 15 بؤرة عشوائية، أقامها مستوطنون متطرفون من دون تصاريح رسمية، ولا يعترف بها حتى القانون الإسرائيلي.

ويعني ذلك اعترافا أمريكيا بشرعية المستوطنات التي تلتهم أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية، بالمخالفة للقرارات الدولية ذات الصلة، والاكتفاء بحظر بناء أي مستوطنات جديدة أو توسيع المستوطنات القائمة.

كما تنص الخطة الأمريكية على بناء شبكة من الجسور والأنفاق التي تتيح حرية الحركة للفلسطينيين بين الضفة وغزة، عبر أو تحت أراضي (إسرائيل) السيادية المزعومة، وفق شروط دولة الاحتلال الأمنية، وأهمها نزع السلاح الفلسطيني.

وتحدد خطة "ترامب" منطقة غور الأردن حدودًا أمنية لـ(إسرائيل)، وفي حال قررت ضمها، كما أعلن "نتنياهو"، الأربعاء (29 يناير/كانون الثاني)، سيتوجب عليها تعويض الفلسطينيين بأراض بديلة محاذية لقطاع غزة ومصر.

وجاءت خريطة دولة فلسطين المقترحة، التي نشرها "ترامب" عبر حسابه الموثق على "تويتر"، لتصب في اتجاه ضم (إسرائيل) للمنطقة التي تضم سهولا زراعية غنية بمواردها المائية على طول الحدود مع الأردن، ولذا أكد "نتنياهو" أن إعلانه تطبيق السيادة الإسرائيلة الكاملة على المنطقة جاء بدعم كامل من الرئيس الأمريكي.

 

وفي هذا الإطار، يقرأ المعلق السياسي في القناة 13 الإسرائيلية "رفيف دروكر" "صفقة القرن" في إطار صفقة أخرى بين "ترامب" و"نتنياهو" قبيل الانتخابات سواء في (إسرائيل) أو أمريكا.

قطاع منزوع السلاح

وفيما يتعلق بغزة، ذكر نص الخطة الأمريكية على أن (إسرائيل) شددت من إجراءاتها الأمنية على القطاع لمنع دخول الأسلحة والمواد المستخدمة في صنعها، مؤكدا أن "أي حل مقبول لمرور البضائع حتى يتمكن اقتصاد غزة من الازدهار" يجب أن يلتزم بهذا الشرط.

كما تنص الخطة على بقاء حدود غزة كما هي حاليا، على أن تستعيد السلطة الفلسطينية سيطرتها عليه وفق المعايير الأمنية الإسرائيلية سالفة الذكر كشرط للاعتراف الأمريكي بالدولة الفلسطينية المقترحة.

لكن الإجراءات الأمنية الخاصة بدخول البضائع ليست الشرط الوحيد لخارطة فلسطين الجديدة، حسب الخطة الأمريكية، إذ نصت أيضا على شرط تجريد حركات المقاومة الفلسطينية في القطاع من سلاحها، وأن يكون كامل القطاع منزوع السلاح كأساس للصفقة.

وإذا ما تم إقرار هذا الاتفاق، يحق لسلطة الدولة الفلسطينية إنشاء جزيرة صناعية تكون ميناءً لقطاع غزة ومطارًا يستقبل الطائرات الصغيرة فقط، على أساس شرطين، الأول هو مرور 5 سنوات على توقيع الاتفاق، والثاني هو موافقة (إسرائيل) والالتزام باشتراطاتها الأمنية والبيئية.

كما تنص صفقة القرن على إشراف (إسرائيل) الكامل على المعابر الدولية لحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، وأن يكون "التنسيق حول معبر رفح الحدودي بين الدولة المصرية و(إسرائيل)".

فرض الوقائع

ورغم الإجماع الفلسطيني على رفض الخطة الأمريكية، لكن "إيال زيسير"، المحاضر في تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب، يرى أن إعلان "صفقة القرن" يعد بمثابة "حدث تاريخي في التكوين المستقبلي لدولة (إسرائيل) وسيمكنها لأول مرة من تحديد ورسم حدودها من خلال فرض أمر واقع بمعزل عن الرفض الفلسطيني"، وفقا لما نقلته شبكة "الجزيرة نت".

ويعتقد المستشرق الإسرائيلي أن تاريخية الخطة هذه المرة تعود إلى كونها تتعامل مع الوقائع التي فرضتها (إسرائيل) على الأرض منذ التوقيع على اتفاق أوسلو، وليست قائمة على تطلعات وأحلام الفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ولا يستبعد "زيسير" تطبيق "صفقة القرن" بفرض الأمر الواقع رغم الرفض الفلسطيني، لكنه رجح أن يكون ذلك جزئيا، خاصة في الشق المتعلق بمصالح (إسرائيل) في تثبيت وجودها في الضفة الغربية وغور الأردن.

المصدر | الخليج الجديد