الخميس 30 يناير 2020 07:38 ص

ربما تكون خطة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" للسلام في الشرق الأوسط قد ماتت عند إعلانها، كما يقول المنتقدون، لكن قد يكون للخطة أيضا تأثير طويل المدى، حيث إنها ستحد بشكل خطير، من قدرة الولايات المتحدة المستقبلية على إنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وانحاز الاقتراح الذي تم كشف النقاب عنه، الثلاثاء، والذي أشرف عليه صهر ترامب "جاريد كوشنر"، نحو (إسرائيل) بشدة، وعلى الرغم من أنه لا يستبعد قيام دولة فلسطينية مستقبلية كما كان يخشى البعض، لكنه يضع شروطا قاسية للفلسطينيين لقاء منحهم دولة، ومن غير المرجح أن يقبل الفلسطينيون تلك الرؤية التي عبرت عنها الخطة حول حدود الدولة.

وخلال وقوف الرئيس الأمريكي إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، الثلاثاء، قال إن الخطة، التي تحمل عنوان "السلام من أجل الرخاء"، تحقق الفائدة لكلا الجانبين، لكنه حذر أيضا من أن اقتراحه "قد يكون الفرصة الأخيرة" للفلسطينيين لتحقيق أهدافهم بعد أكثر من 70 عاما من الصراع.

وفي هذه الأثناء، بدا "نتنياهو" جاهزا لرفع اقتراح "ترامب" إلى العنان، وأثنى "نتنياهو" مرارا وتكرارا باعتراف "ترامب" بـ"السيادة" الإسرائيلية على الأراضي المتنازع عليها، ويقال إنه يخطط لطرح فكرة ضم هذه المناطق للتصويت عليها، يوم الأحد، من قبل مجلس الوزراء الإسرائيلي.

ويأتي الإعلان عن الخطة في أعقاب مجموعة من التحركات الأخرى المؤيدة لـ(إسرائيل) من جانب "ترامب"، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وإغلاق مكتب الفلسطينيين في واشنطن، وقطع المساعدات المالية عن الفلسطينيين، وكانت السلطة الفلسطينية قد قطعت منذ زمن بعيد اتصالاتها مع فريق "ترامب".

وبشكل عام، يبدو أن تصرفات "ترامب" مصممة للضغط على الفلسطينيين لإبرام صفقة سلام، حتى لو كانت بعيدة كل البعد عما يريدونه، وحتى الآن، قاوم الفلسطينيون؛ حيث قال الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" إن شعبه يرد بـ"ألف لا".

ومع ذلك، على المدى الطويل، من خلال تأسيس "حقائق معينة على أرض الواقع"، بحجة تحقيق السلام، ربما يكون "ترامب" قد أعاد رسم الحدود المقبولة سياسيا لأي إدارة أمريكية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، إذا أرادت التدخل في هذا الصراع.

وقال "إيلان بيرمان"، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأمريكية المحافظ: "سوف تغير تلك المبادرة الواقع على الأرض بطريقة يصعب التراجع عنها".

وكان الموقف الأمريكي التقليدي هو أن يتم حل قضايا "الوضع النهائي" بشكل أفضل بمشاركة الطرفين، وهذا يعني أنه ينبغي لـ(إسرائيل) والفلسطينيين أن يتفقوا على الموضوعات الأكثر حساسية؛ حيث أعلن كل جانب عن مطالب غير قابلة للتفاوض، وقد سعى المسؤولون الأمريكيون منذ فترة طويلة لصياغة حلول وسط.

لكن الآن، قد يتعرض رؤساء الولايات المتحدة في المستقبل لضغوط شديدة، لعكس قرار "ترامب" بالاعتراف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، على سبيل المثال، وأشار بعض الديمقراطيين، الذين يخوضون الانتخابات أمام "ترامب"، بالفعل إلى أنهم لن ينكروا الاعتراف ولن يعيدوا السفارة الأمريكية إلى تل أبيب.

ومن غير المحتمل أيضا أن يعكس الرؤساء الأمريكيون المستقبليون اعتراف "ترامب" بضم (إسرائيل) مرتفعات الجولان، وهي الأراضي التي تطالب بها سوريا.

وقد يجد قادة الولايات المتحدة في المستقبل صعوبة في التراجع عن جهود "ترامب" للحد من تعريف من يعتبر "لاجئا فلسطينيا"، وقد يجد البعض أيضا تعريف "ترامب" مفيدا، حيث لا يغطي جميع أبناء الفلسطينيين النازحين الأصليين، لأنه قد يخفف من المخاوف الإسرائيلية حول الموافقة على "حق عودة" واسع للاجئين الفلسطينيين.

وهناك اعتبار آخر، وهو الثمن السياسي الذي قد يدفعه رئيس الولايات المتحدة في المستقبل إذا أثار معركة مع حليف وثيق يتمتع بدعم قوي في الكونجرس.

وقال مسؤول أمريكي سابق عمل في ملف القضية الإسرائيلية الفلسطينية: "في السياق السياسي الأمريكي، الواقع المؤسف هو أن خطة ترامب ستشكل تصورات الولايات المتحدة حول ما هو ممكن سياسيا، وبالنسبة للاجئين والقدس والحدود، فمن المؤكد أنه سيجعل من الصعب على رئيس المستقبل دعم المقترحات الأكثر إلحاحا للفلسطينيين".

ولا يزال هناك سبب آخر لتقييد أيدي رؤساء أمريكا في المستقبل، حيث أشار القادة الإسرائيليون بالفعل إلى أنهم سينفذون أجزاء من خطة "ترامب" حتى بدون موافقة الفلسطينيين.

وتنص الخطة على سيطرة إسرائيلية على وادي نهر الأردن، والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتعهد "نتنياهو"، الثلاثاء، بأن تبدأ (إسرائيل) في "تطبيق قوانينها" على تلك المناطق، وهي خطوة قال النقاد إنها تعني ضما فعليا.

ويخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي انتخابات في غضون أسابيع قليلة، فضلا عن مجموعة من المشكلات القانونية؛ حيث تم توجيه تهما رسمية إليه بالفساد قبل ساعات من مقابلته "ترامب".

ومع ذلك، وفقا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، يعتزم "نتنياهو" جعل حكومته تدرس التصويت لبدء ضم أجزاء من الضفة الغربية و"غور الأردن" في وقت مبكر من يوم الأحد، وقد تواجه مثل هذه الخطوة تحديات قانونية.

ومن خلال مقايضة الأراضي، يقول "ترامب" إنه سيمنح الفلسطينيين في نهاية المطاف ضعف مساحة الأرض التي يسيطرون عليها الآن بالفعل، لكن المنتقدين قالوا إن الأراضي التي سيحصل عليها الفلسطينيون في النهاية ليست مفيدة على الإطلاق.

ويقول "إيلان جولدنبرج"، المسؤول الأمريكي الديمقراطي السابق في ملف القضية الفلسطينية الإسرائيلية: "إن مناطق التبادل التي يقدمها ترامب للفلسطينيين هي عبارة عن مجموعة من الصحاري المنفصلة تماما عن بقية دولتهم، فيما تستولي (إسرائيل) على العقارات والمناطق الحضرية في وسط الضفة الغربية".

وكانت إدارة "باراك أوباما" قد اشتبكت مبكرا مع "نتنياهو"، بما في ذلك معركتها خلال العام الأول حول المستوطنات، وقد عبر فريق "أوباما" علانية عن قلقه من أن تصرفات (إسرائيل) تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية في المستقبل، وطالبت "نتنياهو" بتجميد نمو المستوطنات لإغراء الجانب الفلسطيني للتفاوض.

وأشار المسؤولون الإسرائيليون إلى الالتزامات السابقة من قبل إدارة "جورج دبليو بوش"، بما في ذلك خطاب أرسله "بوش" إلى رئيس الوزراء آنذاك "أرييل شارون" يغير موقف الولايات المتحدة بشأن ما يسمى بالنمو الطبيعي للكتل الاستيطانية القائمة.

وأثارت جهود إدارة "أوباما" لسحب هذا الوعد انتقادات شديدة من حلفاء (إسرائيل) في الولايات المتحدة، بما في ذلك "إليوت أبرامز"، المسؤول الحالي بوزارة الخارجية، وأدت قضية المستوطنات إلى تعميق عدم الثقة بين فريق "أوباما" وفريق "نتنياهو".

وفي العام الماضي، انقلبت إدارة "ترامب" على السياسة الأمريكية التي استمرت لعقود من الزمن، عندما قررت أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر مستوطنات (إسرائيل) في الضفة الغربية تنتهك القانون الدولي.

ويجادل المدافعون عن "ترامب" بأنه يواجه تهرب الرؤساء السابقين من الأوهام التي حالت دون حل النزاع.

وقال البيت الأبيض في وثيقة صدرت الثلاثاء إن "مجرد معارضة هذه الرؤية يعد إعلانا عن دعم الوضع الراهن اليائس الذي نتج عن عقود من التفكير البالي".

واعترف "دانييل بليكا" من معهد "أمريكان إنتربرايز" ذي الميول المحافظة بأن "ترامب يفرض بعض الأسئلة الصعبة على الفلسطينيين"، لكنه قال إنه يدفع أيضا ببعض الخيارات الصعبة على الإسرائيليين.

وأضاف "بليتكا": "انظر إلى بيبي (نتنياهو) وهو يتحدث عن دولة فلسطينية. إنه أمر مهم. لقد قلل رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ فترة طويلة من احتمال وجود مثل هذه الدولة".

وفي تصريحات نشرتها الصحافة الإسرائيلية، قالت سفيرة "ترامب" السابقة في الأمم المتحدة، "نيكي هالي"، هذا الأسبوع، إن الأولوية القصوى لمهندسي الخطة "كانت دائما الأمن القومي الإسرائيلي. كنا نعلم أننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء من شأنه أن يعرض أمن (إسرائيل) للخطر. لكننا عرفنا أيضا أن الفلسطينيين يستحقون حياة أفضل".

ولتحقيق هذه الغاية، تحاول خطة "ترامب" إقناع الفلسطينيين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات عبر وعدهم بمليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية. وبينما تعترف بالعديد من المستوطنات الإسرائيلية الموجودة في الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون كجزء من (إسرائيل)، فإنها تدعو أيضا إلى تجميد بناء المستوطنات لمدة 4 أعوام، رغم أنه لم يكن من الواضح تماما متى سيتم تنفيذ هذا التجميد.

وتصر خطة "ترامب" أيضا على أن القدس ستكون بالكامل، ودون تقسيم، عاصمة لـ (إسرائيل)، ولكنها في الوقت نفسه، تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية في المستقبل تكون عاصمتها جزء من القدس الشرقية، وقال مسؤولون أمريكيون سابقون إن "ترامب" يشارك في لعبة الكلمات التي قد تقوض المحادثات على المدى الطويل.

وأشار "جولدنبرج" إلى أن "هناك الكثير من الأجزاء التي تسميها (إسرائيل) بالقدس، والتي لا يعتبرها الفلسطينيون القدس".

وأضاف أن العديد من الأحياء العربية الرئيسية في المدينة قد لا ينتهي بها المطاف في دولة فلسطين المستقبلية وفق تصور "ترامب".

وستكون تلك الدولة، على النحو المتصور في الخريطة المدرجة في الخطة، في معظمها، محاصرة من قبل (إسرائيل)، وليست متجاورة.

ويبدو أن الخطة تمنح (إسرائيل) السيطرة على الشؤون الأمنية في تلك الدولة، في الوقت الذي تشير فيه إلى أن "هذا الحل الواقعي يمنح الفلسطينيين كل السلطة لحكم أنفسهم ولكن دون السلطة التي تمكنهم من تهديد (إسرائيل)".

وتتصور خطة "ترامب" قطاع غزة كجزء من دولة فلسطينية مستقبلية، ولا تزال تلك المنطقة تحت سيطرة حركة "حماس" المسلحة، وهي مصدر إطلاق الصواريخ وغيرها من الهجمات على (إسرائيل)، كما تشعر (إسرائيل) بالقلق من "حزب الله"، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران في لبنان.

((4))

وقال البيت الأبيض إن الفلسطينيين يمكنهم تحمل المزيد من المسؤولية الأمنية مع مرور الوقت، لكن المحللين يقولون إنه من غير المرجح أن تسمح (إسرائيل) بالسيطرة الفلسطينية على الأمن في أي وقت قريب.

وتتحدث الخطة مرارا وتكرارا عن منح الفلسطينيين حياة أفضل، وخلق المزيد من الرخاء في المنطقة، لكن الزعماء الفلسطينيين يقولون إنه لا يمكن رشوة الفلسطينيين لقبول اتفاق لا يمنحهم استقلالية سياسية حقيقية.

وقال "عباس"، رئيس السلطة الفلسطينية، الثلاثاء، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وهو يسخر من الخطة: "بعد الهراء الذي سمعناه اليوم، نقول ألف لا لصفقة القرن".

ويحظى الفلسطينيون بدعم من بعض المشرعين الأمريكيين، بمن فيهم الديمقراطيون الذين يقولون إنهم يدركون احتياجات (إسرائيل) الأمنية.

وقال السيناتور الأمريكي "كريس مورفي": "إن أي ادعاء بأن هذه الخطة تتصور قيام دولة فلسطينية هو ادعاء خاطئ؛ حيث تسمح الخطة لـ(إسرائيل) بالسيطرة على جميع المسائل الأمنية داخل الدولة الفلسطينية المزعومة، وبالتالي فهي ليست دولة على الإطلاق".

لكن ما يضر (إسرائيل) في هذه الخطة غالبا هو أنها تؤدي إلى المزيد من انقسام الديمقراطيين في الأعوام الأخيرة، حيث دفعت البعض في الحزب إلى اتجاه أكثر انتقادية تجاه (إسرائيل).

وأدى ظهور أصوات مؤيدة للفلسطينيين بصوت عال في الكونجرس، بما في ذلك "رشيدة طليب" و"إلهان عمر"، في بعض الأحيان، إلى فتح مواجهات في "الكابيتول هيل" بين الطرفين، مع توبيخ من زعماء مجلس النواب لـ"إلهان" بسبب تعليقاتها ضد (إسرائيل).

وظهرت خطوط الصدع أيضا في الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2020، حيث كان أحد المرشحين البارزين للترشح عن الحزب الديمقراطي، وهو السيناتور "بيرني ساندرز"، يدافع عن "إلهان".

ويعد هذا الانقسام في الدعم الديمقراطي القوي سابقا لـ (إسرائيل) أحد الأسباب التي تجعل بعض المسؤولين والمحللين السابقين في الولايات المتحدة يجادلون بأن تحركات "ترامب" الآن قد توفر مساحة أكبر للديمقراطيين للمناورة بشأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية من خلال توضيح أن قواعد اللعبة السابقة ليست ملزمة.

على سبيل المثال، يقول بعض الديمقراطيين إنه يجب على الولايات المتحدة المضي قدما وفتح بعثة دبلوماسية أمريكية، وربما سفارة، في أجزاء من القدس الشرقية التي يطالب بها الفلسطينيون، وقد أعرب بعض المرشحين للرئاسة عن الحزب الديمقراطي عن انفتاحهم على فكرة ربط المساعدات العسكرية الأمريكية لـ(إسرائيل) بما إذا كانت تستمر في بناء المستوطنات.

وتجنب القادة الفلسطينيون الاتصال بفريق "ترامب" لعدة أشهر، ولم يحضر أي منهم إعلان الثلاثاء. ويوم الإثنين، خلال ظهور منفصل مع "نتنياهو"، ألمح "ترامب" إلى الغرابة الظاهرة في الإعلان عن خطة سلام حيث يحضرها جانب واحد فقط.

وقال: "لذلك، رغم العمل على هذا لأعوام، وأعتقد أننا قريبون نسبيا من النجاح، لكن علينا أن نجعل الآخرين يوافقون أيضا".

ومع ذلك، كان هناك عدد قليل من المسؤولين من الدول العربية، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، حاضرة في حدث يوم الثلاثاء، ما يؤكد مدى تغير ديناميات المنطقة خلال العقد الماضي.

لم تعد القضية الفلسطينية تلك القضية المحفزة ذات الأولوية مثلما كانت يوما بالنسبة للزعماء العرب.

وينظر العديد من هؤلاء القادة الآن إلى صعود إيران وعدوانها في المنطقة على أنها مصدر قلق أكثر إلحاحا، وهم على استعداد للبقاء أكثر هدوءا بشأن الملف الفلسطيني إذا كان ذلك يعني أنهم يمكنهم الحصول على تعاون من الولايات المتحدة و(إسرائيل) في احتواء النظام الإسلامي في طهران.

ولكن على وجه الخصوص، في إشارة إلى أن فريق "ترامب" ما زال لديه المزيد من المهام الدبلوماسية للقيام بها، فلم يرسل أي من الدولتين الأكبر في المنطقة، مصر والسعودية، مسؤولين إلى البيت الأبيض لحضور الحدث، كما غاب لاعب رئيسي آخر، وهو الأردن.

وأوضح حضور أو غياب تلك الدول العربية أن الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط ما زال طويلا.

وقال سفير الإمارات في واشنطن، "يوسف العتيبة"، على "تويتر": "تعد هذه الخطة مبادرة جادة تتناول العديد من القضايا التي أثيرت على مر السنين"، كم أضاف، أن الخطة "توفر نقطة انطلاق مهمة للعودة إلى المفاوضات ضمن إطار دولي تقوده الولايات المتحدة".

المصدر | ناهال توسي | بوليتيكو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد