الخميس 6 فبراير 2020 11:33 ص

في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي، "دونالد ترامب"، عن خطة لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ورغم أن الفلسطينيين رفضوا على الفور هذا الاقتراح، فقد تبنته العديد من الدول العربية.

حضر سفراء دولة الإمارات وسلطنة عمان والبحرين في مؤتمر الإعلان عن الخطة، بالرغم أن سفيري مصر والسعودية، وهما دولتان أساسيتان من الدول العربية التي صادقت على هذا الاقتراح، كانتا غائبتان بشكل واضح.

ومع ذلك، فإن وجود ممثلين من 3 دول عربية صغيرة كان يهدف إلى إعطاء الخطة قدرا ضئيلا من الشرعية العربية، وفي نهاية المطاف، فإن خطة "ترامب" للسلام لن تحقق السلام في الشرق الأوسط.

تغير المواقف تجاه (إسرائيل)

لم يدخل العرب حرب 1948 ضد (إسرائيل) بحماس، عارض مجلس الوزراء المصري ذلك، انضم إليها الهاشميون للاستيلاء على جزء من فلسطين وفقًا لخطة التقسيم لعام 1947؛ وكان السوريون جيشا بدائيا وسيئ القيادة.

حتى عام 1967، عندما اندلعت حرب الأيام الستة، أصر الرئيس المصري "جمال عبدالناصر" على أنه لا ينوي الذهاب إلى الحرب مع (إسرائيل)، وأنه لن يفكر إلا في حرب دفاعية لصد هجوم إسرائيلي، وطالب بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة لإنهاء النزاع مع (إسرائيل)، خاصة قرار الأمم المتحدة رقم 194، الذي دعا إلى إعادة اللاجئين الفلسطينيين أو تعويضهم.

ولكن في عام 1967، أخطأ "ناصر" عندما أغلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وأعطى هذا (إسرائيل) ذريعة لخوض الحرب، واستكمال الصراع والاستيلاء على فلسطين التاريخية.

لكن بمرور الوقت، بدأت المواقف بين بعض الدول العربية تجاه (إسرائيل) تتغير، وقعت (إسرائيل) اتفاقيات "كامب ديفيد" مع مصر في عام 1979 ومعاهدة "وادي عربة" للسلام مع الأردن في عام 1994.

واعترفت "مبادرة السلام العربية" لعام 2002 بحق (إسرائيل) في الوجود ومددت شرعيتها الرسمية، على الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون" لم يوافق أبدًا على الاقتراح.

وتحرص الدول العربية على دفن الأحقاد مع (إسرائيل) والانخراط في المسائل الاقتصادية والسياسية والدفاعية، لديهم مصلحة راسخة في التحالف مع (إسرائيل) عسكريا ضد ما يرون أنه تهديد إيراني وشيك وضد السياسة الخارجية التركية في الخليج والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط.

في الواقع، تعاونت الدول العربية مع (إسرائيل) في القضايا الاقتصادية والاستخبارية لسنوات، لكن معظم التعاون العربي الإسرائيلي كان سرياً، لهذا السبب تحرص الدول العربية على إيجاد صفقة من شأنها حل القضية الفلسطينية.

تشدد التقاليد العربية بشكل كبير على الشرف، لذا فإن الاتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين سيسمح للعرب بالتعامل مع (إسرائيل) علانية دون اتهامهم بالبيع والخيانة.

لكن الموافقة على الصفقة أثبتت صعوبة بالغة، بالنسبة لـ(إسرائيل)، كان التفاوض على اتفاقات السلام مع مصر والأردن سهلًا إلى حد ما، كانت مطالباتها الإقليمية على سيناء مرنة؛ بعد احتلالها 3 مرات في الأعوام 1948 و1956 و1967، وأثبتت دائمًا استعدادها لإعادتها إلى الحكم المصري.

أعفت القمة العربية عام 1974 في الجزائر الأردن من مطالبتها بالضفة الغربية، الأمر الذي جعل عملية السلام مع (إسرائيل) أكثر سهولة، ومع ذلك، فإن مرتفعات الجولان والضفة الغربية مسألة مختلفة، يعتقد الإسرائيليون أن لهم الحق في هذه المناطق، للضفة الغربية أهمية دينية بالنسبة للإسرائيليين، لذا لن يتخلوا عن مطالبهم بسهولة.

يشعر الفلسطينيون بالخيانة من قبل إخوانهم العرب الذين صنعوا السلام مع (إسرائيل) دون الدفاع عن حقوقهم، وتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني إسرائيلي، وبالتالي، لا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن الخطة الأخيرة قوبلت باستجابات مختلطة في المنطقة.

صفقة اختراق؟

في حين أشاد المسؤولون الأمريكيون بـ"صفقة القرن" التي اعتبرها "ترامب" إنجازًا كبيرًا، فقد شجبها الفلسطينيون بشدة بصفتها "صفعة القرن"، وعادة ما تعكس معاهدات السلام ميزان القوى الاقتصادي والسياسي والعسكري في النزاعات، لكن هذا المفهوم لا ينطبق في الغالب على مسائل ذات مبدأ عالٍ مثل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

لقد ربحت (إسرائيل) كل حرب تقليدية ضد العرب، ويدرك الفلسطينيون أنهم الطرف الأضعف في عملية التفاوض، لكن الحوافز المالية الواردة في خطة "ترامب" لم تقنع الفلسطينيين بقبول خسارة القدس الشرقية كعاصمة لهم وكل الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون باستثناء 15%.

لم يتغير الموقف الإسرائيلي من تلبية التطلعات الوطنية الفلسطينية منذ اتفاقات "كامب ديفيد"، التي وعدت بمنح الفلسطينيين سلطة الحكم الذاتي في غضون 5 سنوات ولكن فقط تحت وجود دائم لقوات الدفاع الإسرائيلية داخل الضفة الغربية.

وأعقب ذلك إعلان المبادئ لعام 1993 لإقامة حكم ذاتي فلسطيني مؤقت من شأنه أن يؤدي إلى تسوية دائمة للنزاع في غضون 5 سنوات على أساس قراري مجلس الأمن 242 و 338، ونفس القرارات التي تحكم صياغة اتفاقيات أوسلو 1 (1993) و وأسلو2 (1995).

تمنح خطة "ترامب" الفلسطينيين 4 سنوات للامتثال لبعض الشروط الأساسية لإقامة الدولة، بما في ذلك الاعتراف بـ(إسرائيل) كدولة يهودية (على الرغم من أن 21% من سكانها من العرب)، يعتقد الفلسطينيون أنه بحلول نهاية السنوات الأربع، ستخلص (إسرائيل) إلى أن السلطة الفلسطينية تقاعست عن الاتفاق وتستمر في بناء المستوطنات وتغيير الواقع على أرض الواقع.

في الواقع، ينظر كل من الإسرائيليين والفلسطينيين إلى بعضهم البعض بشك وانعدام ثقة، يعتقد الإسرائيليون أن الهدف النهائي للفلسطينيين هو رؤية تدمير دولتهم، بينما يزعم الفلسطينيون أن (إسرائيل) تعطل أي محاولات للسلام، كمثال على ذلك اللجنة الرباعية للشرق الأوسط عام 2002، والتي قدمت خريطة طريق للسلام من شأنها أن تساعد الفلسطينيين في الحصول على دولة.

يبدو أن آخر اتفاق سلام مقترح لن يذهب إلى أي مكان، رغم أن الفلسطينيين رفضوا ذلك، فقد تبنته دول عربية مثل المغرب ومصر وعمان والبحرين والإمارات. الحكام العرب لا يعيقهم اعتراف الخطة بالقدس كعاصمة غير مقسمة لـ(إسرائيل)؛ إنهم يفهمون أن خطة "ترامب" للسلام هي محاولة لجذب قاعدته الإنجيلية قبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني.

في الأول من فبراير/شباط، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعا طارئا بناء على طلب السلطة الفلسطينية، وهذه مجرد علامة أخرى على الانقسام المتزايد بين الفلسطينيين والدول العربية التي تريد تجاوز القضية الفلسطينية.

لا نهاية في الأفق

ويعتبر الفلسطينيون عديمو الجنسية هم الحلقة الأضعف في العالم العربي، ومع ذلك، فهم يمتلكون أقوى ورقة مساومة تجاه (إسرائيل)، لأنه طالما لم يكن هناك اتفاق على وضعهم، فلن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط، يطالب الإسرائيليون الفلسطينيين بقبول (إسرائيل) كدولة يهودية ولكنهم على استعداد لتقديم تنازلات قليلة.

يؤكد الفلسطينيون بأن قيام دولة (إسرائيل) عام 1948 وطردهم من وطنهم كان ظلمًا، ويعتقدون أن "الهاشميين" و"بن سعود" تآمرا مع البريطانيين والحركة الصهيونية لتسهيل قيام الدولة اليهودية على حسابهم.

تحول مركز الثقل في السياسة العربية على مدى السنوات الأربعين الماضية من مصر والعراق وسوريا إلى الخليج، أي السعودية والإمارات، وهي دول لا تعتبر (إسرائيل) عدواً لها، إنهم يريدون إقامة تحالف مع (إسرائيل) لمواجهة تهديد إيران وتركيا.

(مصر غير مهتمة بإيران لأن إيران، كدولة شيعية، غير قادرة على التأثير دينيًا على شعوبها، ومع ذلك، فهي تشعر بالقلق إزاء تركيا، وهي دولة سنية يحكمها حاليًا حزب العدالة والتنمية الإسلامي).

يعلم الفلسطينيون أنهم سيواصلون العيش تحت سيطرة (إسرائيل) مع أو بدون معاهدة سلام، لقد تحملوا الصراع لأكثر من قرن وليس له نهاية في الأفق، ورفضهم لخطة "ترامب" يحول دون إقامة تحالف علني بين الدول العربية و(إسرائيل)، فبدون تأييد فلسطيني، هناك أمل ضئيل في أن التعاون العربي الإسرائيلي يمكن أن يتحرك إلى الأمام.

المصدر | هلال خاشان | جيوبوليتكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد