الجمعة 14 فبراير 2020 05:44 م

شهدت الأشهر الماضية مستوى غير مسبوق من الحضور الدبلوماسي من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبالتحديد مع اليونان وقبرص.

ولتفسير اهتمام الرياض وأبوظبي بالمنطقة، يجب النظر إلى ما وراء الحدود، تجاه تركيا، وتأثير هذا العامل في مجال الطاقة والأمن والسياسة الخارجية والتجارة.

وفي 11 سبتمبر/أيلول، زار وزير الخارجية السعودي آنذاك "إبراهيم بن عبدالعزيز العساف" قبرص، وأعلن دعم السعودية للسيادة القبرصية ضد "الانتهاكات التركية"، وهي الدولة الوحيدة التي تعترف بجمهورية شمال قبرص.

وقبلها بشهرين فقط، وتحديدا في يونيو/حزيران 2019، زار وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في دولة الإمارات، الشيخ "عبدالله بن زايد آل نهيان"، نيقوسيا أيضا، لغرض معلن وهو تعزيز العلاقات الثنائية.

وبطبيعة الحال، برزت الإمارات كأقرب حليف للسعودية في الأعوام القليلة الماضية، وغالبا ما يتشاركان الاستراتيجيات والأهداف.

ورد القبارصة سريعا، حيث شارك وزير الخارجية القبرصي "نيكوس كريستودوليدس" في منتدى "صير بني ياس" الإماراتي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019. فيما زار "كريستودوليدس" الرياض، واجتمع مع الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، في يناير/كانون الثاني 2020.

وبشكل حاسم، انضم وزير الخارجية اليوناني "نيكوس دندياس" إلى  "كريستودوليدس"، حيث شارك الاثنان في أول اجتماع ثلاثي بين الإمارات واليونان وقبرص.

وانتقل "دندياس" لرؤية الملك "سلمان" في الرياض في ديسمبر/كانون الأول 2019، ثم استقبل وزير الخارجية السعودي الجديد، الأمير "فيصل بن فرحان"، في اليونان في نهاية يناير/كانون الثاني. وفي تلك المناسبة، أعلن "دندياس" أن العلاقات اليونانية السعودية اكتسبت "قوة دفع خاصة".

وفي 3 فبراير/شباط الجاري، سافر رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس" إلى الرياض، حيث أجرى محادثات مع الملك "سلمان" بحضور معظم المسؤولين السعوديين، بما في ذلك ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان"، ووزير الخارجية "فيصل بن فرحان"، ووزير الدولة للشؤون الخارجية "عادل الجبير". وفي اليوم التالي، التقى "ميتسوتاكيس" ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد".

دوافع تقوية العلاقة

وتوجد العديد من العوامل التي تلفت الانتباه السعودي والإماراتي نحو قبرص واليونان. وكان أحد هذه العوامل، موافقة اليونان، بعد هجمات سبتمبر/أيلول 2019 على 2 من مرافق أرامكو السعودية، على نشر أنظمة صواريخ باتريوت المضادة للطائرات في المملكة، مع نحو 130 جنديا.

وهناك عنصر آخر مهم وهو احتمال زيادة المستوى الضئيل حاليا للاستثمار السعودي والإماراتي في كل من اليونان وقبرص.

وخلال زيارته للرياض، التقى "ميتسوتاكيس" مع وزير التجارة والاستثمار السعودي "ماجد بن عبدالله القصبي"، الذي قال: "نعتبر أن اليونان هدف رئيسي للاستثمار الأجنبي من قبل الشركات السعودية"، ولا شك أن أثينا، التي تضررت بشدة من الأزمة المالية في عام 2008، كانت مسرورة لسماع ذلك.

وتتمتع كل من قبرص واليونان بموقع استراتيجي بالنسبة لأبوظبي، كونها جزء من ممر بحري طموح يربط دولة الإمارات بالبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط. وفي عام 2016، تم منح موانئ دبي العالمية امتيازا لمدة 25 عاما لتشغيل محطة "ليماسول" متعددة الأغراض على الساحل الجنوبي لقبرص.

وأخيرا، يمكن لتحسين العلاقات مع اليونان وقبرص أن يوفر للسعوديين والإماراتيين فرصة لتحسين علاقاتهما مع الاتحاد الأوروبي.

ويمكن القول إن العامل الوحيد الأكثر أهمية الذي يربط هذه البلدان الـ 4 معا؛ هو التوتر مع تركيا. وبالنسبة للرياض وأبوظبي، كانت أنقرة منافسا منذ الربيع العربي عام 2011 على الأقل، عندما انضمت الحكومة التركية إلى قطر في دعم الحركات الثورية المرتبطة بالإسلام السياسي.

ومع ذلك، نما العداء بسرعة أكبر بعد صعود الملك "سلمان"، وخاصة مع تعيين "محمد بن سلمان" وليا للعهد، عندما أصبحت الرياض أكثر حزما في مواجهة منافسيها.

وتعزو الحكومة التركية محاولة الانقلاب التي وقعت عام 2016 ضد الرئيس "رجب طيب أردوغان" إلى مؤامرة إماراتية، فيما دفع مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، أنقرة إلى محاولة الضغط على "محمد بن سلمان" وتقويضه دوليا.

ونظرا لأن تركيا أصبحت أكثر حزما في شمال شرق سوريا، وفي ليبيا كذلك، اعتبرتها أبوظبي والرياض تهديدا متزايدا، لكنهم شاهدوا أيضا ذلك فرصة لجذب الآخرين إلى معسكرهما.

وفي الواقع، يرتبط التدخل التركي في ليبيا في بعض النواحي بأزمات وتوترات تنشأ بالتوازي في شرق البحر المتوسط. ومع اكتشاف حقول الغاز الكبيرة قبالة شواطئ (إسرائيل) وقبرص ولبنان ومصر، وافقت تل أبيب ونيقوسيا وأثينا عام 2019 على بناء خط أنابيب لنقل هذا الغاز إلى البر الرئيسي لأوروبا عبر قبرص واليونان.

وسيؤدي خط الأنابيب الجديد هذا، (إيست ميد)، إلى عزل تركيا عن خريطة الطاقة في المنطقة.

وكان رد فعل تركيا غاضبا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وقبل عمليات الانتشار الصغيرة المدعومة من تركيا في طرابلس، وقعت تركيا اتفاقا مع الحكومة الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، يرسم حدودا بحرية جديدة بين البلدين تقطع المياه الإقليمية لجزيرة كريت اليونانية.

وربط هذا الاتفاق بين أزمة خط أنابيب "إيست ميد" والصراع الليبي، وعزز التقارب الدبلوماسي بين اليونان وقبرص والإمارات والسعودية. ويعني هذا أنه في المستقبل القريب، قد يدور التنافس الخليجي بشكل أكبر في البحر الأبيض المتوسط ​​وفي قلب أوروبا.

المصدر | سينزيا بيانكو/ريسبونسيبل كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد