الجمعة 6 مارس 2020 05:40 م

أصبح شرق البحر الأبيض المتوسط ​​نقطة انطلاق للاشتباك بين الديناميات الجيوسياسية، والنضال من أجل الهيمنة الإقليمية، ومعارك السيطرة على الموارد والتنافس على القوة الأيديولوجية الناعمة، والتدخل الصارخ في سياسات الآخرين.

ومع زيادة نطاق التعقيد والخطورة والمصالح المتضاربة، يوسع هذا نطاق التركيز إلى ما وراء تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية، ليشمل دولا مثل تركيا والإمارات والسعودية؛ حيث يزيل ذلك الحدود بين نزاعات متعددة، مثل الحروب في سوريا وليبيا، والنضال من أجل السيطرة على احتياطات الغاز التي تم العثور عليها حديثا شرق البحر المتوسط، ما يضع المياه المتنازع عليها كأحدث مكان تتصارع فيه روسيا والغرب من أجل النفوذ.

ويشبه وضع الخلافات متعددة الأطراف التي تدور حوال احتياطات الغاز شرقي المتوسط وضع "طبقات البصل".

وتشمل الأطراف المتصارعة دول الشرق الأوسط، ودول شمال أفريقيا، ودول شرق البحر المتوسط، ​​ودول الخليج، وتركيا، وروسيا، وأوروبا.

وربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو الدرجة التي ستستطيع بها أوروبا المضي قدما في تقليل اعتمادها على واردات الغاز الروسي. وتلبي روسيا حاليا نحو 40% من احتياجات الاتحاد الأوروبي من الغاز.

وإذا نجحت أوروبا في تقليص الواردات الروسية من الغاز؛ فقد يسمح لها هذا بتبني موقفا أكثر قوة في الصراع بين الليبرالية الغربية والحضارة الروسية، التي تسعى لتشكيل نظام عالمي جديد.

ودفع اعتماد الاتحاد الأوروبي على روسيا حتى الآن؛ الدول الأوروبية إلى التخفيف من دفاعها عن القيم الغربية ضد سياسات الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، التي تشمل الاستيلاء على الأراضي في القوقاز وأوكرانيا، وتخويف دول آسيا الوسطى، ودعم اليمين المتطرف أو النازيين الجدد في الغرب، والحركات المناهضة للهجرة.

وقال "ديمتري ترينين"، رئيس مركز "كارنيجي" في موسكو: "سوف تستمر المواجهة بين موسكو وواشنطن. ويبرز شرق البحر الأبيض المتوسط كمنطقة تتنافس فيها روسيا مرة أخرى مع الغرب".

ورأى "ترينين" أن شرق المتوسط، وليس ​​أوكرانيا أو شبه جزيرة القرم أو دول البلطيق أو القطب الشمالي أو جنوب شرق أوروبا، هو المكان الذي قد يشعل التوتر بين روسيا والغرب من جديد أكثر من غيره.

وإذا كان الصراع للسيطرة على موارد شرق البحر المتوسط ​​بالنسبة لبعض الدول، مثل اليونان وقبرص ولبنان، يتعلق بالاقتصاد بالدرجة الأولى، وبالنسبة لآخرين، بما في ذلك مصر و(إسرائيل)، يتعلق بالنفوذ، فالأمر ليس هو نفسه بالنسبة لروسيا وتركيا.

وأثارت تركيا الرهانات بدعمها العسكري لحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا، الموجودة في طرابلس، ضد دعم الإمارات والسعودية ومصر للجنرال "خليفة حفتر" المدعوم من روسيا.

وخلقت اتفاقية بحرية بين حكومة الوفاق الوطني وتركيا، منطقة اقتصادية خالصة في شرق المتوسط ​​تدعم المطالبات التركية الواسعة. وتعمل العلاقات التي يتم بناؤها مؤخرا بين "حفتر" ورئيس النظام السوري "بشار الأسد"، على ربط الحرب في سوريا بشرق المتوسط ​​والقتال في ليبيا.

وفي نفس الوقت، تناور تركيا وروسيا لتجنب اشتباك عسكري مباشر في إدلب، آخر معقل للمعارضين الذين يقاتلون قوات "الأسد" المدعومة من روسيا.

وسوف تمنع المنطقة الاقتصادية الخالصة، خط أنابيب مخطط له يربط الاتحاد الأوروبي بإمدادات الغاز الإسرائيلية والقبرصية.

وإذا تم تنفيذها بنجاح، فإن المنطقة الخالصة، إلى جانب الأداء العسكري لتركيا في سوريا بإسقاط 3 طائرات حربية سورية في عدة أيام، ستشير إلى أصحاب الهيمنة الإقليميين، أي السعودية والإمارات، بأن القوة المالية قد لا تكون كافية لفرض إرادتهم العسكرية.

وعارضت تركيا دور قبرص اليونانية، وأصرت على أن مشاركتها شرطا لا غنى عنه لأي استغلال ناجح للغاز في شرق البحر المتوسط.

ويأتي كل هذا في وقت تنشغل فيه أوروبا بالمشاكل الداخلية، ومؤخرا بأزمة اللاجئين السوريين الجديدة التي تلوح في الأفق، ما يجعل من الصعب توقع نهج سياسي متماسك وشامل.

وحذر الباحث والمعلق "حسين إيبش"، من أن "جميع العناصر التي أرغمت جميع الأطراف على تطوير تحالفات محلية تزداد اندماجا مع غيرها من المنافسات الاستراتيجية والدبلوماسية والسياسية، ويبدو أنها ستستمر على الأرجح".

في النهاية، يبدو شرق المتوسط ​​، للأسف، عالقا في مستنقع سياسي مستمر في المستقبل المنظور.

المصدر | جيمس دورسي/ إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد