الاثنين 17 فبراير 2020 04:23 م

أصدر وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار" تحذيرا غير عادي للجماعات المسلحة التي تسيطر على محافظة إدلب السورية، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت أنقرة قد تحاول تغيير استراتيجيتها لوقف تقدم النظام السوري في المنطقة.

وقال "أكار"، في 13 فبراير/شباط: "سوف نرسل قوات إضافية لتأمين وقف إطلاق النار والحفاظ عليه (في إدلب). سوف نسيطر على المنطقة"، في إشارة إلى وقف إطلاق النار المتفق عليه بين أنقرة وموسكو الشهر الماضي.

وأضاف: "سيتم استخدام القوة ضد أولئك الذين ينتهكون وقف إطلاق النار، بمن فيهم المتطرفون"، مؤكدا أنه سيتم اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة.

وجاء التحذير في الوقت الذي تدفقت فيه التعزيزات العسكرية التركية إلى "إدلب"، ويبدو أن واشنطن تحث أنقرة على المضي قدما في سوريا، في حين تريد روسيا أن تتخلى تركيا عن المحافظة.

وظلت المحادثات التركية - الروسية حول الوضع في إدلب غير حاسمة، وبينما تعهدت واشنطن بالوقوف إلى جانب حلفائها في الناتو، فقد فشل هذا في تحقيق أي شيء ملموس عندما زار المبعوث الخاص لسوريا "جيمس جيفري" أنقرة في 12 فبراير/شباط.

واستمرت قوات النظام في التقدم في إدلب رغم تحذير الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" من أن تركيا ستتدخل إذا لم يتراجع النظام السوري إلى خطوط اتفاقية "سوتشي" بحلول نهاية فبراير/شباط.

ويشير "أردوغان" إلى حدود "منطقة خفض التصعيد" التي تم الاتفاق عليها في قمة أستانة في مايو/أيار 2017، ثم اتفاق تركيا وروسيا على شروط طريقة العمل في المنطقة كجزء من الاتفاق الذي تم التوصل إليه في سبتمبر/أيلول 2018 في سوتشي.

وبعد تأمين الطريق السريع "إم 5" بالكامل، اتخذ النظام السوري خطوة مفاجئة من خلال التوجه إلى الأتارب، وهي بلدة على الطريق المؤدية إلى باب الهوى، معبر الإمداد الرئيسي على الحدود التركية، بدلا من التقدم على الطريق السريع "إم 4".

وفي الوقت نفسه، ركزت استراتيجية نشر الجيش التركي على مدينة إدلب، وأفادت الأنباء أن أكثر من 2000 مركبة تركية و6 آلاف و500 جندي تركي قد تدفقوا إلى سوريا منذ أوائل فبراير/شباط، وزاد خطر المواجهة بين تركيا والنظام السوري بشكل ملحوظ.

ويستحضر بيان "أكار" العديد من الاحتمالات فيما يتعلق بالاستراتيجية التي قد تتبعها تركيا في هذا المسار.

أولا، يمكن اعتبار تحذير "أكار" بشأن كبح جماح المتطرفين على أنه إشارة إلى العودة إلى اتفاقية سوتشي، وبوجود 10 من مراكز المراقبة الـ12 التركية يحيط بها النظام السوري، قد تحاول تركيا أن تضع يدها في يد روسيا لوضع خط جديد لوقف إطلاق النار، ولكن المفاوضات بين قادة البلدين فشلت في تحقيق نتائج حتى الآن.

وبالرغم أن الاتصالات تعتبر علامة إيجابية تخفف من خطر المواجهة، فإن الوضع على الأرض قد يخرج عن السيطرة في أي وقت.

علاوة على ذلك، فإن أي توقع بأن الاتصالات قد تقود روسيا لترك إدلب للجيش التركي، كما كان الحال في عفرين، هو مجرد إفراط في التفاؤل، فموسكو تظهر القليل من المرونة هذه المرة، وتبدو دمشق مصممة بالفعل على موقفها.

ثانيا، يمكن قراءة بيان "أكار" كذلك كإشارة إلى أن تركيا مستعدة الآن لحرب مباشرة، وستسعى إلى السيطرة الإقليمية بدلا من مجرد الاحتفاظ بمواقع معينة.

ويتطلب هذا الحد من دور القوات غير المنضبطة أو الجماعات التي تركز على أجنداتها الخاصة، وجلب المزيد من الجنود الأتراك إلى ساحة المعركة، وينصح بعض المحللين الحكومة بالفعل بتغيير استراتيجيتها لتأكيد السيطرة الإقليمية.

ومع ذلك، لا تعني السيطرة الإقليمية التخلي عن القوات بالوكالة، ولا تزال الفصائل، التي تضم أكثر من 40 فصيلا جمعتهم تركيا تحت راية "الجيش الوطني السوري الحر"، عنصرا رئيسيا في سياسة أنقرة تجاه سوريا.

وبالمثل، لا توجد علامة واضحة على تخلي تركيا عن "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا"، وفيما يتعلق بـ"هيئة تحرير الشام"، التي تصنفها تركيا كمنظمة إرهابية، فمن المشكوك فيه أن تتخلى تركيا عن موقفها المرن تجاه الجماعة وتبدأ في معاملتها كعدو.

وفي الوقت الحاضر، تعد "هيئة تحرير الشام" حليفا فعليا لتركيا على الأرض، وكان الضغط على الجماعة منذ سيطرتها على إدلب عام 2015 لتميل أكثر نحو معسكر "الاعتدال"، قد دفعها إلى إعادة تسمية نفسها من "جبهة النصرة" إلى "هيئة تحرير الشام"، وسحب تعهدها بالولاء لـ"القاعدة"، لتبدو كأنها فصيل لا علاقة له بالطموح الجهادي العالمي يركز فقط على الكفاح المسلح في سوريا.

ومنذ اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا، أصبحت "هيئة تحرير الشام" تسيطر على 90% من إدلب، ما أدى إلى نزوح الفصائل التي دمجتها أنقرة في عملية أستانة، ولن تفقد المجموعة شخصيتها الجهادية حتى لو أعادت تسمية نفسها وانضمت إلى "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا" تحت الضغط التركي، اعتمادا على التطورات على الأرض في الفترة المقبلة، وقد يعزز مثل هذا الاندماج الشخصية الإسلامية للمعسكر الذي تدعمه تركيا في إدلب.

ويمكن اعتبار تصريح "أكار" أيضا محاولة لدحض الاتهامات بأن تركيا تحمي الجماعات الإرهابية، وكرر "أردوغان" موقفه في 29 يناير/كانون الثاني، عندما قال، ردا على حجة روسيا بأنها تحارب الإرهاب: "هل هؤلاء إرهابيون لأنهم يدافعون عن أرضهم؟ إنهم مقاتلون مقاومون".

وبالرغم أن بعض عناصر "الجيش الوطني السوري الحر" انتقلت من عفرين الخاضعة لسيطرة تركيا إلى جبهة إدلب، لكن "هيئة تحرير الشام" كانت المجموعة الرئيسية التي خاضت المعارك الأخيرة التي استولى فيها جيش النظام السوري على بلدات رئيسية مثل "معرة النعمان" و"سراقب" و"تفتناز"، ثم تأتي الجبهة الوطنية لتحرير سوريا.

وفي الهجمات المضادة في سراقب والنيرب وتفتناز والراشدين، حيث قدمت تركيا الدعم الناري في محاولة لإيقاف النظام السوري، كانت "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا" في المقدمة، إلى جانب "هيئة تحرير الشام".

وكانت مجموعات آسيا الوسطى حاضرة في المواجهة في 2 فبراير/شباط في جامع الزهراء بريف حلب، حيث بدأت بـ3 هجمات انتحارية على أيدي أفراد من "العصائب الحمراء"، وهي القوة الضاربة في "هيئة تحرير الشام".

وشوهد تعاون مماثل في هجمات 4 فبراير/شباط على خان طومان، وأيضا، كان لـ"هيئة تحرير الشام" وجود قوي في العيس، حيث يوجد أحد مراكز المراقبة التركية، كما قادت "هيئة تحرير الشام" وحلفاؤها الهجوم المضاد في 10 فبراير/شباط على سراقب، الذي كان مدعوما بنيران المدفعية التركية.

وفي 6 فبراير/شباط، كان القائد الميداني لـ"أنصار التوحيد" من بين المقاتلين الذين قتلهم النظام السوري في جبهتي داديخ والنيرب، ما يشير إلى أن الفصائل المرتبطة بتنظيم "القاعدة" قد شاركت بنشاط في القتال.

أما الهجوم المضاد الذي تم شنه بدعم تركي في سراقب، في 11 فبراير/شباط، فقد قادته "هيئة تحرير الشام"، و"الجبهة الوطنية لتحرير سوريا" و"الحزب الإسلامي التركستاني".

وتبرز "هيئة تحرير الشام" وحلفاؤها في عدد القتلى كذلك، ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فمن بين 545 مقاتلا لقوا حتفهم في الاشتباكات، في الفترة من 24 يناير/كانون الثاني إلى 10 فبراير/شباط، كان 405 منهم من الجهاديين، وقال زعيم "هيئة تحرير الشام"، "أبومحمد الجولاني"، إن مجموعته تقود 75% على الأقل من المعارك الدائرة في المنطقة.

وفي الواقع، فإن التمييز بين المعتدلين والراديكاليين غالبا ما يصبح غير ذي صلة في مثل هذه الظروف.

وعاد نحو 500 مقاتل من لواء "نورالدين زنكي"، الذي أطاحت به "هيئة تحرير الشام" من ضواحي حلب العام الماضي، إلى ساحة المعركة، بعد أن أعادوا تسميته باسم "فصيل المجد"، عقب اتفاق ورد أن "أحرار الشام" توسطت فيه بأمر من المخابرات التركية.

وترفض "هيئة تحرير الشام"، في الوقت نفسه، الادعاءات بأنها تمنع الجماعات المدعومة من تركيا في مناطق عملية "غصن الزيتون" من الانضمام إلى المعارك في إدلب.

وتجدر الإشارة إلى أن فصائل مثل "لواء المعتصم"، و"فرقة السلطان مراد"، و"فرقة حمزة"، و"فيلق الشام"، و"كتائب سمرقند"، التي تعاونت عن كثب مع تركيا في إرسال مقاتلين إلى ليبيا، لم يتم سماع الكثير عنها في معارك إدلب.

ويمكن وصف أعضاء "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا" بأنهم معتدلون، لكن بالنسبة لروسيا، فإنهم لا يختلفون عن "هيئة تحرير الشام"، وإذا أردنا الوثوق بالذراع الإعلامية لـ"هيئة تحرير الشام"، فإن كمينا نُصب في 29 يناير/كانون الثاني، في منطقة جبل الأكراد، وأسفر عن قتل 4 جنود روس، كان من فعل "الجبهة الوطنية لتحرير سوريا".

وكان هذا حادثا أشارت إليه روسيا في حديثها مع تركيا بعد مقتل 8 جنود أتراك في 3 فبراير/شباط في سراقب.

وكلما اقترب القتال في إدلب من الحدود التركية، اقترب أكثر من المناطق التي تخضع بالكامل لسيطرة "هيئة تحرير الشام"، وبالتالي، لا يسع المرء إلا أن يتساءل كيف ستواجه تركيا المجموعات التي تعاونت معها بنشاط منذ أواخر يناير/كانون الثاني.

وفي حين أن "هيئة تحرير الشام" لا تزال أكبر فصيل جهادي في سوريا، فقد تعني كلمة "المتطرفين" مجموعات أصغر فقط مثل "حراس الدين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، أو "أنصار التوحيد" (المعروفة سابقا بجند الأقصى)، أو "أنصار الإسلام"، أو "حزب تركستان الإسلامي" المستوحى من "طالبان"، أو مقاتلي "الإيجور"، أو "أجناد الشيشان"، أو "كتائب الإمام البخاري الأوزبكية"، أو"الكتائب الأوزبكية القرغيزية".

وبالرغم أن هذه الجماعات تتمركز في الغالب في منطقة "جسر الشغور" و"ريف اللاذقية"، فقد تعاون بعضها مع "هيئة تحرير الشام" في غرب حلب وجنوب إدلب وشرقها، وكان "أردوغان" حذرا بشأن الفصائل المنحدرة من آسيا الوسطى، وحذرا من انزعاج قواعده القومية والمحافظة في الداخل.

ومع ذلك، بالنظر إلى الزخم الذي حققته قوات النظام السوري، والمناخ الدولي الحالي، لا يبدو أن الشراكة مع تلك الجماعات أو كبحها هي الحل المستدام لتحقيق أهداف تركيا.

المصدر | فهيم تستكين | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد