الأربعاء 19 فبراير 2020 06:47 ص

دفعت تحركات تركيا الخارجية الأخيرة البلاد إلى صدارة الشؤون العالمية حاليا، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، بدأت القوات المسلحة التركية، إلى جانب "الجيش الوطني السوري الحر"، المدعوم من تركيا، عملية "نبع السلام" في شمال شرقي سوريا، بهدف معلن هو تطهير حدودها من "وحدات حماية الشعب" الكردية، التي تراها تركيا مسألة أمن قومي عليا.

واتخذت تركيا تلك الخطوة على الرغم من المعارضة الدولية الساحقة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وكانت عملية تركيا غير عادية لدرجة أنها هزت واشنطن في صميمها، ولم ينتظر المشرعون الأمريكيون، ولا سيما الديمقراطيون، ووسائل الإعلام الأمريكية، وقتا طويلا قبل وصف العملية التركية بأنها أكبر خطأ في السياسة الخارجية لـ"ترامب".

وفي الواقع، لم يكن أمام أمريكا خيار سوى التغلب على الضغوط التي كانت تركيا تصعدها منذ شهور، وكانت تصريحات المتحدث الرسمي باسم "البنتاجون"، "جوناثان هوفمان"، تعكس هذه الحقيقة، حيث قال: "لقد نقلنا القوات الأمريكية في شمال سوريا بعيدا عن مسار التوغل التركي المحتمل لضمان سلامتهم"، على حد تعبيره في تغريدة بتاريخ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

علاوة على ذلك، في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​، تستعرض تركيا عضلاتها العسكرية ضد تحالف اليونان ومصر والقبارصة اليونانيين و(إسرائيل)؛ للحفاظ على حصتها المتصورة في المنطقة الاقتصادية الخالصة البحرية، والاحتياطي المربح من الغاز والنفط المكتشف حديثا.

وتعارض أنقرة بشدة قرار قبرص اليونانية بمنح حقوق التنقيب عن النفط من جانب واحد إلى أطراف ثالثة، على أساس أنها تشكل انتهاكا لحقوق قبرص التركية.

وفي استعراض للقوة، طاردت السفن الحربية التركية سفينة "إيني" الإيطالية قبالة سواحل قبرص عام 2018، ونشرت تركيا فيما بعد سفن الحفر الـ4 التابعة لها للرد على محاولة القبارصة اليونانيين.

ونقلت الصحيفة عن "كلوديو ديسكالزي"، الرئيس التنفيذي لشركة "إيني"، قوله: "إذا أحضر شخص ما سفنا حربية للمكان، فلن أحفر آبارا".

وبعد أشهر، في مايو/أيار 2019، عقدت تركيا أكبر مناورة بحرية في تاريخها الحديث بمشاركة 131 سفينة حربية، و57 طائرة حربية، و33 طائرة مروحية، و25 ألفا و900 عسكري، في البحر الأسود وبحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط ​​في وقت واحد.

وفي الآونة الأخيرة، قيل إن السفن الحربية التركية قد أجبرت سفن البحث الإسرائيلية عن الغاز قبالة ساحل قبرص على المغادرة.

وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2019، أثارت تركيا جزع التحالف المنافس عندما أعلنت اتفاقية تحدد منطقة اقتصادية بحرية خالصة بينها وبين حكومة ليبيا، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، رسميا.

وجعلت هذه الخطوة إنشاء خط أنابيب شرق البحر للغاز، الذي يصل إلى السوق الأوروبية المربحة، مستحيلا دون موافقة تركيا.

وبيأس طلبت اليونان مساعدة "الناتو"، ليتم إخبارها من قبل الأمين العام "ينس ستولتنبرج" إن "الناتو ليس جزءا من عملية حل القضايا بين اليونان وتركيا".

وأخيرا، حذر وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" من أن تركيا لن تتردد في استخدام القوة لحماية حقوقها المتصورة في شرق البحر المتوسط، ويبدو الآن أنه بغض النظر عن حجم محاولة تحالف (إسرائيل) ومصر واليونان وقبرص اليونانية لتشكيل كتلة لمواجهة تركيا، فإنه لا يمكنهم دفع أنقرة إلى التراجع.

إذن، ما الذي يقف وراء سياسة تركيا الحازمة التي لا يمكن وقفها على ما يبدو في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط؟

حسنا، تبرز هنا 3 عوامل: أسلوب قيادة "أردوغان" القوي، والبيئة الأمنية المتدهورة في المنطقة، وتدهور النفوذ الغربي على تركيا.

عامل "أردوغان"

كان وصول "رجب طيب أردوغان" على المسرح السياسي، عام 2003، بداية لتحول نموذجي أساسي في السياسة الخارجية التركية، ومنذ ذلك الحين، تخلت تركيا تدريجيا عن السياسة الخارجية الراكدة القديمة التي تبناها "مصطفى كمال أتاتورك"، مؤسس تركيا الحديثة، الذي كان عليه في أوائل عشرينات القرن العشرين التصرف بحذر من أجل رعاية الجمهورية المولودة حديثا.

وفي ظل حكم "أردوغان"، تم استبدال "الحذر الكمالي" بموقف دولي نشط وقوي، حيث تتصرف أنقرة بشكل استباقي قبل ظهور التهديدات.

علاوة على ذلك، فيما يُطلق عليه أيضا "العثمانية الجديدة"، تطمح تركيا، بقيادة الرئيس "أردوغان"، إلى استعادة نفوذها على البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي المناطق التي كانت تهيمن عليها الإمبراطورية العثمانية، التي خرجت من أنقاضها تركيا الحديثة، لمدة ما يقرب من 600 عام.

وفي البداية، كانت القوة الناعمة هي الخيار المفضل لإحياء تأثير تركيا في الماضي على تلك المناطق، لكن بسبب انتفاضات الربيع العربي، وما تلاها من تدهور أمني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اضطر صناع السياسة الأتراك إلى اللجوء إلى القوة الصارمة للحفاظ على مصالح تركيا مع إحباط التهديدات المتصورة بشكل استباقي.

ومع ذلك، فإن عمليات الحظر المتكررة على الأسلحة، التي فرضها حلفاؤهم في "الناتو"، قد علمت الأتراك أن تركيا لن تتمتع بالردع المطلوب طالما كانت صناعتها الدفاعية تعتمد على الموردين الأجانب.

وإذا كان هناك مفهوم واحد يمكن تعريفه على أنه "مبدأ أردوغان" في السياسة الخارجية التركية الحالية، فهو "اكتساب القوة من خلال الصناعة العسكرية المحلية".

وفي هذا الصدد، طورت تركيا مروحياتها الخاصة "T129 ATAK"، وناقلات الجنود المدرعة "كيربي"، والصواريخ الباليستية من طراز "بورا"، وصواريخ كروز من طراز "سوم"، على سبيل المثال لا الحصر.

وتبني تركيا أيضا فرقاطات وزوارق وغواصات محلية، على سبيل المثال، تم طلب 4 طواقم من طراز "آدا" تم تطويرها داخليا ومجهزة بقدرات الحرب الإلكترونية المتقدمة في عام 2019، وأخيرا، من المتوقع أن تنتهي تركيا من بناء أول حاملة طائرات محلية الصنع، من طراز "TCG Anadolu"، في عام 2020.

وكان اعتماد الجيش التركي المتزايد على نفسه هو الذي سمح لتركيا بتنفيذ 3 عمليات توغل في سوريا، وأن تصبح تركيا قوة بحرية هائلة في البحر الأبيض المتوسط، ​​على الرغم من الحظر المفروض على الأسلحة من حلفائها في الناتو.

وتزامن تأثير تركيا المتزايد في المنطقة مع انخفاض القوة الكلية للغرب، وعدم قدرة الغرب على السيطرة على نتائج السياسة في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط.

تراجع القوة الغربية وفقدان التأثير على تركيا

لقد كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الماضي مؤثرين بشكل كبير على سياسة تركيا الخارجية، بل حتى كانوا يملون عليها تلك السياسة.

وفي التسعينات، في وقت كان فيه الاقتصاد التركي يعتمد اعتمادا كبيرا على أموال الاتحاد الأوروبي، وكانت أنقرة تتطلع إلى العضوية المحتملة في الاتحاد على أنها مسألة خلاص سياسي واقتصادي، أرغمت بروكسل أنقرة مرارا وتكرارا على تقييد عمليات مكافحة تمرد "حزب العمال الكردستاني" أو حتى إيقافها.

ومارست الولايات المتحدة أيضا ضغوطا كبيرة على تركيا، على سبيل المثال، في عام 2008، كان على تركيا أن توقف قبل الأوان واحدا من أكبر التوغلات العسكرية، عملية "الشمس"، ضد حزب العمال الكردستاني، والانسحاب من شمال العراق بعد تحذير "جورج دبليو بوش" من أن "الأتراك بحاجة إلى التحرك بسرعة وتحقيق هدفهم والخروج".

وتشير الحالة الحالية للاتحاد الأوروبي إلى أنه فقد قدرته على التأثير في نتائج السياسة التركية، وتسببت الأزمة المالية عام 2008، وهجمات اللاجئين بعد الربيع العربي، في خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية هائلة لم تكن بروكسل على استعداد للتعامل معها.

وأيضا، مع مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي الآن، فإن أقصى اليمين في ارتفاع سريع، وقد تعرضت اقتصادات الدول الأعضاء المتبقية للضغط، وأصبح إملاء الشروط على تركيا آخر شيء قد تقلق بروكسل بشأنه، وليست قادرة أيضا على فعل أي شيء في الوقت الحالي.

على العكس من ذلك، يبدو أن تركيا الآن لها اليد العليا، وليس هناك ما يخيف الحكومات الأوروبية أكثر من أن يغمر اللاجئون السوريون والعراقيون والأفغان بلادهم، و"أردوغان" يعرف ذلك جيدا، ولقد هدد بـ"فتح أبواب فيضان اللاجئين ما لم يبذل الاتحاد الأوروبي المزيد من أجل دعم سياسة تركيا تجاه سوريا".

ويعد هذا التغيير في ميزان القوة هو ما سمح لتركيا بزيادة نفوذها، خاصة في شرق البحر المتوسط. على سبيل المثال، كل ما تستطيع بروكسل فعله، في ضوء دبلوماسية الزوارق الحربية التركية الأخيرة حول جزيرة قبرص، هو إصدار إدانات ضعيفة.

وعلاوة على المشكلات الهائلة في الداخل، فإن الحرب مع أكبر قوة بحرية في شرق البحر المتوسط ​​ليست ببساطة ما يريده الاتحاد الأوروبي.

إضافة إلى ذلك، فإن الحقبة التي كانت فيها واشنطن لتنشر مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين لتنفيذ السياسات في الشرق الأوسط قد انتهت، وقد سئم الأمريكيون الآن "الحروب التي لا تنتهي"، فلقد استنزفت الاشتباكات العسكرية في أفغانستان والعراق قدرة أمريكا واستعدادها لسن سياسات ذات مغزى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وخلقت شعورا في واشنطن "بكره التورط العسكري" في أي اشتباكات جديدة.

وخلال الحملة الانتخابية لكل منهما، وعد "أوباما" و"ترامب" بـ"إعادة القوات إلى الوطن"، وفي الواقع، شهدت هذه المقاربة ترددا مفرطا في ظل إدارة "أوباما"، خاصة عام 2015، الأمر الذي أعطى روسيا الفرصة للانتقال إلى سوريا، ما أعاق قدرة أمريكا على تشكيل النتائج في ذلك الصراع.

وبسبب هذا النفور من وقوع إصابات، يختار "البنتاجون" الآن استخدام قوات وكيلة على الأرض إلى جانب الوجود الرمزي لبضع مئات من القوات الأمريكية.

ويجب النظر إلى عجز واشنطن عن منع التوغل التركي الأخير في مناطق في سوريا يسيطر عليها وكيل أمريكي من هذا المنظور، وقبل عملية "نبع السلام"، حشدت تركيا نحو 20 ألف جندي على طول الحدود السورية، ومن المؤكد أن ما بين 50 إلى 100 جندي أمريكي لم يشكلوا رادعا، ولم تكن ميليشيا "وحدات حماية الشعب" لتباري ثاني أكبر عضو في الناتو قوة.

ولم تكن المواجهة العسكرية مع أحد أعضاء "الناتو"، ووقوع خسائر أمريكية محتملة، ما أراده "ترامب" قبل أشهر فقط من محاولة إعادة انتخابه بالتأكيد، وقبل توغل سوريا بفترة طويلة، أوضحت تركيا أنها لن تتردد في "مواجهة القوات الأمريكية على الأرض إذا لم تنهي واشنطن دعمها لقوات حماية الشعب"، لذا، بعد أن زاد الضغط لبعض الوقت، أمر "أردوغان" ببساطة ببدء العملية المتوقعة منذ فترة طويلة، وأمر "ترامب" القوات الأمريكية "بالتنحي عن الطريق".

وأخيرا، تم الكشف عن تراجع التأثير الأمريكي على تركيا من خلال ملحمة شراء منظومة "إس-400" الصاروخية الروسية، ونظرا لعدم قدرتها على الحصول على صواريخ "باتريوت باك-3"؛ بسبب مقاومة "الكونجرس" وفشلها في تغيير رأي "البنتاجون" في التخلي عن "وحدات حماية الشعب"، فقد مضت تركيا إلى الأمام وطورت تحالفا تكتيكيا مع روسيا، والذي بدا أنه يلبي احتياجات تركيا في سوريا.

وأثار قرار أنقرة بشراء الصواريخ الروسية من طراز "إس-400 تريومف" المضادة للطائرات غضب الكونجرس الأمريكي، الذي هدد بفرض عقوبات إذا لم تتخلّ تركيا عن الصواريخ الروسية.

وتم طرد تركيا من برنامج مقاتلات "إف-35"، وحذر "الكونجرس" بشدة من تفعيل قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات ضد تركيا.

لكن يبدو أن لا شيء من هذا يعمل، ولم تشترِ تركيا الصواريخ الروسية فحسب، بل أعربت أيضا عن اهتمامها بشراء مقاتلات "سو-35" الروسية بديلا عن طائرات "إف-35" الأمريكية، وهدد "أردوغان" مؤخرا بإغلاق قاعدة "إنجرليك" الحيوية من الناحية الاستراتيجية، ومحطة الرادار "جوريسيك"، إذا استمر "الكونجرس" في فرض العقوبات. ويبدو أن "الكونجرس" قد علم أنه وصل إلى حدوده في قدرته على إكراه تركيا على فعل شيء.

نظرة إلى المستقبل

يبدو أن السياسة الخارجية الحازمة في شرق البحر المتوسط ​​تؤتي ثمارها بالنسبة لأنقرة، ويسعى المسؤولون الإسرائيليون الآن إلى إذابة العلاقات الثنائية المتوترة من أجل بناء خط أنابيب للغاز إلى أوروبا عبر تركيا.

وفي سوريا، ساعدت السياسة الخارجية الحازمة تركيا على الحصول على ما تريده، وإن لم يكن بشكل كامل، وهو إنشاء منطقة آمنة لنقل جزء من 4 ملايين لاجئ إليها، وتقويض "قوات حماية الشعب الكردية" التي تعتبرها أنقرة تهديدا لأمنها القومي.

وفي عصر يتراجع فيه النفوذ الغربي، ويؤكد "أردوغان" سياسته الاستباقية الجديدة، التي تدعمها صناعة دفاعية محلية سريعة النمو، سوف تستمر تركيا في اتباع سياسة خارجية حازمة في المنطقة، وربما القيد الوحيد الذي ستواجهه تركيا على الأرجح هو كيف ستتعامل مع النفوذ الروسي الذي يتسم بالعدوانية، والذي أضر تاريخيا بطموحات تركيا.

المصدر | علي دمرداش | إنسايد أرابيا - ترجمة الخليج الجديد