الثلاثاء 18 فبراير 2020 07:43 ص

ازداد اللغط الدائر حول ماهية أغاني المهرجانات خصوصا مع تخطي مهرجان "بنت الجيران" حاجز الـ60 مليون متابع على "يوتيوب"، فضلا عن حصولها على المركز الثاني ضمن قائمة الأغاني الـ8 الأكثر استماعا على موقع "ساوندكلاود" متخطيا حاجز الـ2 مليون استماع.

المهرجانات هي نوع من الأغاني التي مزجت بين إيقاع الراب والمقسوم المصري، حيث تبدأ بمقدمة موسيقية بسيطة ومناقشة للموضوع، وتنتهي بتوزيع التماسي على جمهور الحاضرين من أصحاب الحفل، وقد ارتبطت في بدايتها بالأفراح في المناطق الشعبية والعشوائيات المنتشرة على حدود المدن في مصر.

ويربط البعض بين المهرجانات وبين أغاني الهيب هوب التي ظهرت في مطلع السبعينات في الولايات المتحدة الأمريكية لتعبر عن الأقلية السوداء في مواجهه العنصرية التي كانت ما تزال شائعة وقتها، حيث يرون أن المهرجانات استخدمت نفس الخصائص المرتبطة بفن الهيب هوب من حيث استخدام الدي جي، وغناء القوافي، والارتباط برقص الشوارع.

تاريخ النشأة

ليس هناك تاريخ محدد لظهور هذا النوع من الغناء، غير أنه بدأ مطلع الألفية الثانية في أفراح أحياء المطرية، والدرب الأحمر بالقاهرة، بينما أورد الباحث والكاتب "أحمد عبدالحليم" في بحثه (أغاني المهرجانات.. الانتقاد اللاذع والانتشار الكبير) أن بداية ظهور المهرجانات كان في العام 2007 في منطقة دار السلام بالقاهرة على يد "عمرو حاحا"، و"السادات" و"فيفتي" اللذين قدموا أغنية "مهرجان السلام".

ويعرف "عبدالحليم" المهرجان بأنه تلك النوعية من الأغاني التي تعتمد على الإيقاع السريع والرقص الشعبي في مناطق الفقراء ،والتي انتشرت فجأة وبشكل غير مبرر في كل الأوساط الاجتماعية في مصر.

لكل مرحلة إفرازها

التقنيات المستحدثة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عادة ما تصحبها تغييرات في الثقافة الشعبية فوفقا لتعريف العالم الألماني، "ريتشارد فايس"، فإن التراث الشعبي "ليس بالثقافة التي يخلقها الشعب، ولكنه الثقافة التي يقبلها ويتبناها، فالثقافة الشعبية ليست أزلية ولا ساكنة إنما متطورة في كل مظهر من مظاهرها".

يدلل من يتبنى ذلك التعريف بما حدث في سبعينات القرن الماضي عندما حدثت تحولات اقتصادية أدت إلى ثراء طبقات جديدة لها ذوق مختلف عن الطبقة المتوسطة التي صاحبت حقبة الستينات، وهو ما أفرز ظاهرة المطرب الشعبي "أحمد عدوية" وقتها، والتي لاقت قبولا لدى قطاعات من الشعب المصري أثرت بسبب نزوحها للعمل في الخليج سهل المال عليها شراء الكاسيت، ومن ثم انتشرت أغاني خارج إطار مؤسسة الدولة (التليفزيون/الإذاعة).

كان الكاسيت هو الوسيلة التي ساعدت على انتشار أغاني "أحمد عدوية"، وغيره من المغنيين، ليسمع الناس ما يعبر عنهم بسهولة أكبر وبتكلفة أقل، بعيدًا عن هيمنة الدولة التي كانت تتحكم فيما يذاع على التليفزيون.

التطور التكنولوجي يفتح الأبواب

في النصف الأول من القرن العشرين كان لابد من اعتماد المطرب في الإذاعة لكي يصل إلى جمهور المستمعين، ومع ظهور الكاسيت وشركات الإنتاج الخاصة كسرت هذه القاعدة، لكنها كانت تحت سيطرة الرقابة إلى حد ما، فلابد من حصول أي شريط كاسيت على ترخيص تداول من المصنفات، فضلا عن تكلفة الإنتاج والتوزيع التي كانت تتطلب الجهد والمال.

ولكن مع ظهور الإنترنت أصبح الأمر أكثر سهولة ما عليك إلا امتلاك نافذة من نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي، ولك بعدها ما تريد.

الطريف أن سهولة التحميل من الإنترنت واستخدام الفلاشات التي صارت في متناول سائقي الميكروباصات والتكاتك صارت وسيلة دعاية أخرى لأي منتج، خصوصا منتجات المهرجانات التي تعبر عن هموم ومشاكل وتخلق الأجواء المشابهة لما يعيشه هؤلاء المهمشين الذين يعانون من النظرة الدونية من الطبقات الأعلى في المجتمع.

الفقراء صاروا أكثر تأثيرا

الانتشار المرعب لأغاني المهرجانات بعد انقلاب يوليو/تموز وسيطرتها حتى على مجتمعات الأغنياء لا يفسره إلا ما حدث من انقلاب جديد في الهرم المجتمعي المصري، فالدولة التي استخدمت سكان العشوائيات والبلطجية في خلق حالة من الغضب ضد ثورة يناير/كانون الثاني، واختزالها للثورة في حكم "الإخوان" بات عليها أن ترضح لدينماكية هذه الفئة وتغض الطرف عن فرضها لثقافتها على المجتمع.

فمضامين أغاني المهرجانات رغم ما يبدو من سطحيتها لكنها تخدم حالة الانقسام المجتمعي، والتمكين لتغييب دور الدولة والقانون، فنحن أمام رسائل عدوانية تدعو للفوضى وتنشر ثقافة العنف، بل تتطاول في بعضها على الذات الإلهية والدين، ولا تتورع عن ترسيخ قيم الانحلال الخلقي، وهي في كل هذا أصبحت طبقا مفضلا على موائد أفراح الأغنياء ليتساوى بذلك خريج الجامعة الأمريكية مع سائق التوكتوك في عشوائيات المدن.

ومع حالة الفراغ التي نشأت عقب انقلاب 3 يوليو/تموز، والانقسام المجتمعي، وغياب دور المثقفين أصبح قاموس المهرجانات الخطابي، وإيقاعاته الصاخبة ورقصاته المبتذلة نمط حياة فرضته الحالة الاجتماعية والتقنية كواقع مختلق لحالة استثنائية.

إنها ثقافة كاملة بدأت تهيمن على المجتمع وتحدد له معالمه بفعل دولة أريد لها أن تتدهور، ففرضت حمايتها على القاع ومدت له اليد لتخرج اسوأ ما فيه وتجعله بضاعة السطح في ظل تغييب كامل للثقافة المضادة في صراع ينذر بتدمير المجتمع بالكامل.

المصدر | الخليج الجديد