الأربعاء 19 فبراير 2020 02:33 م

"ما كُشف عنه مرعب. من المخيف رؤية مجموعة تتجه بوضوح نحو التطرف بهذه السرعة".. بهذه الكلمات عبر وزير الداخلية الألماني "بيورن جرونيفيلدر" عن صدمته، في مؤتمر صحفي عقده ببرلين، الإثنين، 17 فبراير/شباط 2020، بعد كشف الوزارة عن مخططات مرعبة أعدتها مجموعة من أعضاء تيار النازيين الجدد للاعتداء على سياسيين ومسلمين وطالبي لجوء في البلاد.

ووفقا لما أوردته صحيفة "فيلت أم سونتاغ" الألمانية، فإن الوزارة أوقفت 12 شخصا ينتمون إلى مجموعة نازية تدعى "النواة الصلبة" كانوا يخططون لاستهداف مساجد أثناء الصلاة في عشرات المناطق بهدف "إسقاط النظام السياسي في ألمانيا عبر نشر الفوضى"، أسوة بما حدث في "كرايست تشيرتش" بنيوزيلندا في مارس/آذار 2019، عندما قتل مهاجم 51 شخصا في مسجدين وبث لقطات اعتدائه مباشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وسلط ذلك الضوء على تنامي نفوذ تيار اليمين المتطرف والنازيين الجديد في أوروبا عموما وخطورة مخططاته التي صارت تمثل خطرا وجوديا على ألمانيا على وجه الخصوص، لاسيما بعد وقوف منتمين لهذا التيار وراء مقتل السياسي الألماني "فالتر لوبكه" في يونيو/حزيران العام الماضي والاعتداء على كنيس يهودي في أكتوبر/تشرين الأول.

وعانت ألمانيا في السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في الاعتداءات التي ينفذها النازيون الجدد، وقد بدأت هذه التحركات في الظهور أوائل العقد الماضي على يد مجموعة نازية تسمى "إن إس يو" (الحركة النازية تحت الأرض) قامت بشن العديد من عمليات التفجير وقتلت نحو 12 شخصاً، معظمهم من الألمان الأتراك وشرطية ألمانية.

وتشهد بعض المدن الألمانية بين فترة وأخرى تحركات لمجموعات نازية بشكل علني، آخرها تظاهرة في دريسدن بمناسبة الذكرى الـ75 لقصف المدينة أثناء الحرب العالمية الثانية بمشاركة نحو ألف نازي ومتطرف من أنحاء أوروبا، وفقاً لما أوردته مجلة "دير شبيجل" الألمانية.

ووفق تقدير السلطات الأمنية والسياسية الألمانية فإن عدد هؤلاء المتطرفين يصل إلى 12 ألف يميني، ولذا تسعى وزارة الداخلية إلى تشديد الرقابة عليهم في عموم البلاد.

وفي هذا الإطار، أعلنت الوزارة، بعد مقتل "لوبكه"، زيادة عدد من صنفتهم بالخطيرين، وقررت، في يناير/كانون الثاني الماضي، حظر مجموعة نازية تسمى "كومبات 18"، واستحدثت مكتبا خاصا لمكافحة حركات النازيين الجديد في جهاز الأمن الألماني.

 كما نظمت الداخلية الألمانية حملات تثقيف بين رجال الشرطة عن المجموعات النازية وخطرها على مجتمع البلاد التعددي، خاصة أن نجحت مجموعة "النواة الصلبة" في استقطاب شرطي من ولاية "شمال الراين - وستفاليا".

الرايخ الجديد

وتعود قصة المجموعة الأخيرة إلى سبتمبر/أيلول الماضي، حيث ألقت السلطات الألمانية القبض على 12 شخصا قالت إنهم أهم أعضاء مجموعة نازية جديدة تحمل "النواة الصلبة"، وفقا لما أذاعته قناة "آي آر دي" (ARD) الألمانية.

 ويعتقد أن هؤلاء الناشطين النازيين تعرفوا إلى بعضهم من خلال تطبيق "واتس آب" ووُضعوا تحت مراقبة الأجهزة الأمنية منذ نهاية صيف العام الماضي، ليتم الكشف لاحقا عن مخططاتهم بعد ضبط أسلحة وقنابل مصنعة محلياً وسكاكين (خناجر) للطعن من أنواع عدة بحوزتهم.

ووفقاً للمحطة الألمانية، ففي سبتمبر/أيلول الماضي، التقى أعضاء الحركة من كل ألمانيا "لإقامة حفل شواء والحديث عن الكفاح ضد الديمقراطية. ومعظمهم لم يكونوا قد التقوا بعضهم سابقاً، بل تواصلوا عبر الرسائل الإلكترونية و"واتس آب"، وتبادلوا الآراء السياسية وبحثوا مخططهم الظلامي وسيناريوهات التنفيذ".

وبينما كان بعض المجتمعين والمخططين من النازيين الجدد المعروفين للاستخبارات الداخلية الألمانية، كان البعض الآخر مصنف أمنيا على أنه "جاهز للتنفيذ" (أي القيام بعمل إرهابي).

لكن جذور المد النازي يعود إلى 10 سنوات مضت، وتحديدا إلى ما يعرف باسم "الخلية النازية السرية"، ومقرّها الرئيسي في مدينة تسفيكاو بشرق ألمانيا، والتي ارتكب أفرادها جرائم قتل كثيرة في أنحاء مختلفة من البلاد، وكان أبرز ضحاياها ثمانية أتراك ويوناني وشرطية ألمانية.

وعلى خط "الخلية السرية"، ظهرت حركة "مواطني الرايخ" التي لا تعترف بألمانيا الحديثة كدولة شرعية وتصر على أن "الرايخ الألماني" ما زال قائما، على رغم هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. وقد نجحت الحركة في ضم آلاف الأعضاء وفقاً لتقديرات وكالة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية).

ذعر مجتمعي

ونتيجة لذلك، باتت الانتهاكات العنصرية بحق المسلمين واليهود تحديدا أمرا معتادا في ألمانيا، خاصة شطرها الشرقي، ووصلت إلى مستويات باتت تمثل خطرا وجوديا على نموذج المجتمع التعددي في البلاد.

وتشير بحوث خبير العلوم الإسلامية بجامعة إرفورت "كاي حافظ"، في هذا الصدد، إلى أن موجة معاداة المسلمين شهدت ارتفاعا في ألمانيا بنسبة أكثر من 50% خلال الأعوام الأخيرة، في حين أن نسبة الزيادة وصلت في بعض المناطق، مثل تورينغن وساكسونيا، إلى 70%.

وتؤكد عضو رئاسة اتحاد مكافحة التمييز في ألمانيا "بيرته فايس" أن صعود تيار النازيين الجدد في البلاد أدى إلى انتهاكات متزايدة تجاه المسلمين، وفقا لما نقلته صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية.

في السياق ذاته، حذر وزير الخارجية الألماني "هايكو ماس" في 26 يناير/كانون الثاني الماضي، من أن اليهود سيغادرون بلاده "جماعياً" إذا لم يفعل أحد شيئا لمكافحة عودة ظهور "معاداة السامية".

وكتب "ماس"، في مقال في مجلة "دير شبيجل" عشية الذكرى الـ75 لتحرير معسكر "أوشفيتز" النازي: "علينا اتخاذ إجراءات طارئة (لتجنّب) مغادرة جماعية ليهود ألمانيا"، مشيرا إلى أن يهوديا من أصل اثنين فكّر في مغادرة البلاد، وأن الإهانات والاعتداءات المعادية للسامية تحصل بشكل يومي في ألمانيا.

الأسباب والداعمون

لكن كيف عادت النازية إلى التنامي مجددا في ألمانيا؟ تمكن تلخيص الإجابة في 3 أسباب، أولهما الصعود السياسي الواضح للأحزاب اليمينية المتطرفة على الساحة السياسية الألمانية، مثل حزب "البديل لأجل ألمانيا"، وثانيهما، قصور عمل الأجهزة الأمنية الألمانية في هذا المجال، أما السبب الثالث الخارجي، فهو الدعم المالي السخي الذي يحصل عليه النازيون الجدد مؤخرا من بعض الدول الراغبة في محاربة صعود التيارات الإسلامية مثل الإمارات العربية المتحدة.

فعلى المستوى الداخلي، باتت أحزاب اليمين المتطرف بمثابة "ظهير سياسي" للنازيين الجدد، وهو ما أكدته دراسة حديثة، أجراها المؤتمر اليهودي العالمي، وأظهرت أن الأغلبية الساحقة من السكان في ألمانيا تدرك تنامي "العداء للسامية" وتربط بين هذا التنامي ونجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة.

ووفق الدراسة، التي نشرت صحيفة "زود دويتشه تسايتونج" الألمانية نتائجها، فإن 65% من عموم الألمان و76% من النخبة يرون أن هناك علاقة بين تزايد "العداء للسامية" ونجاح الأحزاب اليمينية، وأن واحدا من كل 4 أشخاص في ألمانيا لديه أفكار معادية للسامية.

أما قصور عمل أجهزة الأمن الألمانية في التصدي لهذه الظاهرة فتشير إليها محلّلة الشؤون الألمانية "كابكا تودورفا"، بقولها إن النازية "متأصلة في المجتمع الألماني وليست ظاهرة جديدة تبلورت مع موجات اللاجئين قبل سنوات قليلة، لكن أجهزة الأمن الألمانية غفلت عنها لسنوات، كما أن أسبابها ليست اقتصادية، لأن الألمان عموماً يتمتعون بالرفاه والامتيازات الاجتماعية"، وفقا لما أوردته صحيفة "بي زي" الألمانية.

وأظهر تقرير أعده "معهد دراسات الديمقراطية" في مدينة غيوتينغن الألمانية أن الحكومة والأحزاب السياسية الفاعلة والمؤثرة "لم تقم بأي إجراءات ولم تتخذ أي قرارات تنفيذية لمنع تزايد دور ونشاط النازيين الجدد، الذين نشطوا خلال السنوات العشر الماضية دون أن يثيروا انتباه السلطات الأمنية أو الهيئات القضائية المعنية بإنفاذ القانون، الذي يحظر تبني الأفكار النازية ونشرها في البلاد".

تمويل سخي

أما عن الدعم والتمويل، وكما يشير "أندرياس كريغ"، الباحث والمحاضر في كلية "كينغ" بلندن في تقرير نشره موقع "لوب لوج" الأمريكي، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص انخرطت في تمويل جماعات اليمين المتطرف المعادية للإسلام والمسلمين في الغرب في إطار برنامجها لتجفيف منابع تيارات الإسلام السياسي عبر دعم معارضيها حول العالم.

وأشار التقرير إلى "علي راشد النعيمي"، ضابط مخابرات إماراتي سابق، والرئيس التنفيذي لمنتدى هداية (مقره أبوظبي) وأحد المقربين من ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، مؤكدا مساهمته في تمويل المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب في ألمانيا وهولندا (ECCI).

ويعد المركز أحد المؤسسات الداعمة لفكر اليمين المتطرف، وهو يقيم شراكة مع مراكز أخرى في الغرب تروج لنظريات مؤامرة بشأن أسطورة "يوربيا"، أي الغزو الإسلامي لأوروبا، والتحالف الأحمر والأخضر (الشيوعيين والإسلاميين)، لإثارة المخاوف حول سيطرة المسلمين على الولايات المتحدة وأوروبا.

وكانت هذه الجماعات المتطرفة نفسها مسؤولة عن نشر فكرة أن الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" كان مرشحا سريا للمسلمين، وأن "هوما عابدين"، مستشارة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون"، كانت ذراعا لجماعة الإخوان المسلمين بالوزارة.

وحسب "كريج"، فإن نشاط هذه الجماعات امتد إلى المملكة المتحدة، حيث واصلت تسميم الخطاب العام، من خلال تمويل وإمداد الصحفيين اليمينيين أصحاب السجلات الحافلة في نشر الإسلاموفوبيا. أما في فرنسا، فقد مولت الإمارات حزب الجبهة الوطنية (يميني متطرف) بقيمة 8 ملايين يورو.

ولكن إلى أي مدى ستنجح هذه الحركات وداعميها في تغيير نموذج ألمانيا التعددي والمنفتح على الآخر؟ تتوقف الإجابة على حجم إدراك الدولة والمجتمع لمدى خطورة هذه الحركات على الديمقراطية الألمانية، وإذا ما كانت هناك خطة جادة لمواجهة مد النازيين الجدد في ألمانيا.

المصدر | الخليج الجديد