الجمعة 21 فبراير 2020 03:54 ص

في الهزيع الأخير من الليل يوم 8 يناير/كانون الثاني، جاء الرد الإيراني على هجوم أمريكي أسفر عن مقتل أقوى قادتها العسكريين، وذلك بقصف قاعدة الأسد الجوية في العراق.

يتذكر "كيمو كيلتز" الجندي بالجيش الأمريكي، الذي كان واحدا من 2000 جندي يرابطون في القاعدة، أنه سمع صوت صاروخ يشق السماء، وهو راقد فوق برج مراقبة.

ورفع انفجار الصاروخ جسده بكل ما يحمله من دروع وسلاح عدة سنتيمترات عن الأرض.

يقول "كيلتز" إنه اعتقد أنه نجا ولم يصب سوى بصداع بسيط.

وأشارت التقديرات الأولية لما جرى في القاعدة، إلى عدم وجود إصابات خطيرة، أو حدوث وفيات من جراء الهجوم.

ونشر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، تغريدة قال فيها: "كل شيء على ما يرام".

غير أن الحال اختلف في اليوم التالي.

قال "كيلتز" في مقابلة بقاعدة الأسد الجوية في صحراء الأنبار في غرب العراق: "كان إحساسي برأسي وكأن شاحنة صدمتني... وأحسست بعسر في بطني".

وأصبح "كيلتز"، الذي عانى من أعراض الإصابة بارتجاج في الدماغ لأيام، واحدا من 109 جنود تم تشخيص حالاتهم بأنها إصابات دماغية رضية في أعقاب الهجوم الذي وقع الشهر الماضي.

وبدأ العدد صغيرا ثم ظل يرتفع مع إبلاغ المزيد من الجنود عن إصابتهم بأعراض وخضوعهم للفحص الطبي.

حاورت "رويترز" أكثر من عشرة من المسؤولين والجنود، كما حاورت خبراء في الإصابات الدماغية للتوصل إلى أفضل وصف تفصيلي ممكن حتى الآن لطبيعة إصابات الجنود وكيفية إصابتهم بها.

ويؤكد تزايد عدد الإصابات تدريجيا صعوبة رصد ومعالجة ما أصبح واحدا من أكثر الإصابات شيوعا في صفوف الجيش الأمريكي خلال حروب على مدى عقدين من الزمان في أفغانستان والعراق.

حيث تواجه القوات الأمريكية تفجير عبوات ناسفة في الطرق وانفجارات الصواريخ وقذائف المورتر.

وفي يوم 16 يناير/كانون الثاني، وبعد مرور أكثر من أسبوع على الهجوم، قالت وزارة الدفاع (البنتاجون) إن وزير الدفاع "مارك إسبر" أحيط علما بأن الجنود أصيبوا بإصابات دماغية من جراء انفجار الصواريخ.

وفي ذلك اليوم قالت الوزارة، إن عددا لم تحدده من الجنود عولج من أعراض الارتجاج، وإنه تم نقل 11 جنديا جوا إلى الكويت وألمانيا، للخضوع لرعاية على مستوى أعلى.

ويوم 22 يناير/كانون الثاني، قال "ترامب": "سمعت أنهم يعانون من الصداع، وعرضين آخرين"، الأمر الذي أدى إلى انتقادات من أعضاء بالكونجرس من الديمقراطيين والجمهوريين ومن جماعة تمثل قدامى المحاربين الأمريكيين اتهموا فيها الرئيس بالاستخفاف بالإصابات التي أحدثها الهجوم.

وقال النائب الجمهوري "ريتشارد هدسون"، الذي يمثل فايتفيل بولاية نورث كارولاينا، مقر قاعدة فورت براج، التي تضم قيادة العمليات الخاصة بالجيش الأمريكي: "أعتقد أن من المؤسف استخدام تلك الكلمات".

  • إصابات مختلفة

منذ فترة طويلة يتعامل الجيش الأمريكي مع الإصابات الدماغية، باعتبارها نوعا مختلفا من الإصابات، لا يتطلب سرعة الإبلاغ عنها، في تسلسل القيادة، على عكس الإصابات المهددة للأرواح، أو فقدان أطراف أو فقدان البصر.

وتوضح بيانات وزارة الدفاع، أنه تم منذ عام 2000، تم تشخيص ما يقرب من 414 ألفا من أفراد القوات المسلحة بإصابات دماغية رضية.

ومن المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى لأن الوزارة تحتسب إصابة الجندي الواحد بعدة إصابات دماغية في حوادث مختلفة، بأنها إصابة واحدة.

وقال اللفتنانت كولونيل "تيموثي جارلاند"، الذي كان موجودا بقاعدة الأسد وقت الهجوم، إن الجنود الأمريكيين الذين يشغلون رحلات الطائرات المسيرة أصيبوا فيما يبدو بأكثر الإصابات الدماغية خلال الهجوم.

وأضاف أن كثيرين منهم كانوا موجودين قرب مدرج الطائرات.

وكان هؤلاء مثل "كيلتز" مكلفون بالمراقبة، تحسبا لحدوث هجوم أرضي.

وقال "جارلاند" الذي يشرف على أكثر من 400 جندي باعتباره قائدا لقوة عمل الجزيرة: "هؤلاء الطيارين الذين يوجهون الطائرات المسيرة هم الذين تحملوا العبء الأكبر من حالات الإصابات الدماغية الرضية".

وقال مسؤول أمريكي، إن من المتوقع أن يستقر عدد الجنود الذين تم تشخيص إصابتهم بإصابات دماغية من هجوم الشهر الماضي قرب العدد الحالي.

وأضاف أن أقل من 10 جنود الآن تحت المراقبة لاحتمال إصابتهم بأعراض الإصابة الدماغية.

غير أن الحصر العسكري الأمريكي يستبعد المتعاقدين المدنيين الذين كانوا بالقاعدة في ذلك الوقت، وكثيرون منهم سافروا منذ ذلك الوقت.

وأصيب بعض الجنود الأمريكيين أيضا بأعراض مرتبطة بالتوتر بعد الهجوم من بينها الأرق.

كما أصيب جندي واحد على الأقل بارتفاع كبير متواصل في سرعة خفقان القلب، وفق ما ورد في اللقاءات مع الجنود والمسؤولين.

غير أنهم لم يتمكنوا من ذكر رقم محدد.

وتصنف وزارة الدفاع الإصابات الدماغية في درجات من بسيطة ومتوسطة إلى حادة ونافذة.

وتقع الغالبية العظمى من الإصابات ضمن تصنيف بسيطة، مثل كل الإصابات التي تم الإبلاغ عنها بعد الهجوم على قاعدة الأسد.

  • الحراسة

قال "جارلاند" إنه بوغت عندما علم باستخبارات أمريكية تشير إلى أن الصواريخ الإيرانية ستضرب خلال ساعات.

وعلى الفور أحضر خريطة للقاعدة، وشرع في تحديد أفضل الخيارات لاختباء الجنود.

وتذكر "جارلاند" المخابئ القديمة التي بنيت في القاعدة في عهد "صدام حسين"، غير أن هذه المخابئ لا تتسع للجميع.

وسيتعين على البعض التفرق والاحتماء في العربات المدرعة بعد إبعادها عن الأهداف.

وسيضطر آخرون في وحدة "جارلاند"، ومنهم الجندي "كيلتز" إلى القيام بمهمة الحراسة، ترقبا لأي هجمات إضافية بخلاف الصواريخ المتوقعة.

وقال "كيلتز"، إنه وجنديا من زملائه كانا في برج للحراسة، عندما جاء السيرجنت "لاري جاكسون" إليهما، ونقل إليهما مضمون الاستخبارات وأصدر لهما الأوامر.

وروى "جاكسون" في مقابلة، ما أصدره من تعليمات لـ"كيلتز" وغيره من الجنود بالقاعدة، فقال إنه قال لهم: "ما أريد منكم يا شباب هو أن ترقدوا على الأرض عندما يحدث الانفجار، ثم أريدكم أن تنهضوا بسرعة، وتتولوا تشغيل هذه المدافع".

وقال "جارلاند"، إن محركات الصواريخ الإيرانية كانت متوهجة باللون البرتقالي مثل أعقاب السجائر، وهي تنطلق عبر سماء الليل صوب القاعدة.

وكان هذا التوهج هو كل ما استطاع "جارلاند" رؤيته في الظلام قبل العودة سريعا إلى المخبأ.

ثم جاءت الانفجارات، وأصاب القاعدة 11 صاروخا على الأقل دمرت وحدات سكنية مصنوعة من حاويات الشحن ومنشآت أخرى.

وقال "جارلاند": "كنت أقول لنفسي كلما سمعت انفجارا، هذا عدد من الناس فقدوا أرواحهم للتو".

غير أن عمليات الفحص الأولية عقب الهجوم أظهرت أنه لم يقتل أحد أو يصب بإصابات ظاهرة رغم الدمار الواسع الذي حاق بالقاعدة.

ووصل الخبر إلى واشنطن، وقبل السادسة صباحا بتوقيت بغداد، كان "ترامب" قد نشر تغريدة قال فيها: "يجري الآن تقييم الإصابات والأضرار.. وحتى الآن كل شيء على ما يرام".

  • في ثنايا النسيان

وعلى الأرض في قاعدة الأسد، دافع الميجر "روبرت هيلز"، الطبيب بالجيش الأمريكي عن التقارير الأولى التي أفادت بعدم وجود إصابات.

وقال في مقابلة: "لم يصب أحد هنا بأي إصابات جسدية خارجية.. لم يحدث بتر لأطراف أو جروح من جراء الشظايا".

وأضاف أن ظهور الإصابات "الصامتة" يستغرق وقتا.

وظلت أرقام الإصابات ترتفع في الأسابيع التي أعقبت الهجوم، حيث ارتفع العدد من 11 على الأقل في البداية إلى 34 بعد نحو أسبوع.

ويوم 22 يناير/كانون الثاني، أدلى "ترامب" بالتعليق الذي أثار الانتقادات، فأشار إلى أن الإصابات مجرد "صداع".

وطالبت جماعة قدامى المقاتلين في الحروب الخارجية باعتذار عن تصريحات "ترامب المغلوطة".

وبعد أسبوع، في يوم 28 يناير/كانون الثاني، ارتفع عدد الإصابات الدماغية إلى 50، وفي أوائل فبراير/شباط تجاوز العدد المئة حالة.

وقال خبراء في الإصابات الدماغية الرضية، إن الإصابات التي أحدثتها الصواريخ الإيرانية مختلفة في الأساس عن تلك الإصابات التي كانت تقع في العادة في الهجمات السابقة.

ويرجع السبب في ذلك، إلى أن قصف قاعدة الأسد كان أشد كثافة من الهجمات المعتادة التي يحدث فيها تفجير واحد.

فقد جاءت التفجيرات في موجات، واستمرت أكثر من ساعة.

وعندما تنفجر قنبلة في الطريق في أفغانستان تحدث في كثير من الأحيان إصابات ظاهرة.

وفي تفجيرات المتمردين للقنابل، يمكن أن تتسبب الشظايا وغيرها من الحطام المتطاير في إصابات دماغية.

غير أن التشخيص يستغرق وقتا أطول للضرر الناجم عن موجات ضغط كبيرة من جراء تفجير كبير مثل التفجيرات التي شهدتها قاعدة الأسد وشعر بها الجندي "كيلتز".

قالت "ماريلين كراوس" مديرة برنامج الإصابات الدماغية الرضية وعيادة الارتجاج بجامعة جورج واشنطن، إن الجنود ربما يقللون من وصف الأعراض في البداية أو لا يذكرونها كلها.

وقد لا تظهر الأعراض على آخرين حتى وقت متأخر، لأسباب منها أن الإصابات يغطي عليها في البداية ارتفاع نسبة الأدرينالين في الدم المصاحب للحظة القتال.

وقالت: "بعض هذه الأمور قد تقع في ثنايا النسيان في البداية".

وأضافت "كراوس"، أن الإصابة الدماغية الرضية البسيطة يمكن أن تتسبب في المدى القريب في الإحساس بالصداع والغثيان والدوار والتشوش، في حين يمكن أن تتمثل الآثار على المدى الأبعد في صداع مزمن وتغيرات في الحالة المزاجية والدوار.

وقالت إن تكرار التعرض لإصابات الرأس، يمكن أن يؤدي إلى تلف دماغي مزمن، يربطه بعض الباحثين بالتفكير في الانتحار، وإساءة استخدام العقاقير والاكتئاب.

واستشهد "هيلز" طبيب الجيش بأبحاث في الشهور الستة الأخيرة، أظهرت في نماذج من الحيوانات علامات على احتمال تزايد التلف بالدماغ في الأسابيع التي تعقب التفجير.

وقال "هيلز" إن أعراضا بدأت تظهر على جنود في قاعدة الأسد مثل الصداع والشعور بالضبابية، بعد أيام من الهجوم، وفي كثير من الأحيان استمرت الأعراض.

وأضاف: "لهذا السبب شهدتم تأخيرا كبيرا" في التعرف على الإصابات.

وقال: "دفعنا هذا إلى إعادة فحص كل المقيمين في قاعدة الأسد تقريبا".

المصدر | رويترز